فيمن يقيم الحد على المملوك
التجريدHanafimasa’il 46092 to 46164
-
1/59371/5937
قال أصحابنا: لا يملك المولى إقامة الحد على مملوكه، وإنما ذلك إلى الإمام أو إلى من نصبه الإمام.
-
وقال الشافعي: للمولى أن يقيم الحد على عبده وأمته إذا كان جلدًا. واختلف أصحابه في القطع في السرقة والقصاص والقتل بالردة. فمنهم من قال: لا يملك. قالوا:
-
والمذهب: أنه يملك. واختلفوا في المرأة فمنهم من قال: تملك إقامة الحد على مملوكها ومنهم من قال: لا تملك المرأة ذلك. ولكنه إلى زوجها. ومنهم من قال: إلى الإمام. واختلفوا في الولي الفاسق. فمنهم من قال: يملك إقامة الحد. ومنهم من قال: لا يملكه.
-
وهل يملك سماع البينة في الحد. ويبحث عن عدالة الشهود، فيه وجهان.
-
وهل يملك المكاتب إقامة الحد على مملوكه؟ فيه وجهان.
-
والدليل على ما قلنا: أن ما جاز للإمام: أن يستوفيه بولاية الإمامة. لا يملك غيره أن يستوفيه إلا بتولية، أصله حد الأحرار. والخراج والجزية لأنها ولاية خاصة فلا يملك بها إقامته الحد كولاية الأب والوصي. ولأن من لا يملك إقامة الحد على الحر لا يملك إقامته على العبد كالصبي والمجنون، أو نقول: من لا يملك إقامة الحد على عبد غيره لا يملك إقامته على عبد نفسه أو من لا يملك إقامة الحد الكامل لا يملك إقامة الحد الناقص.
-
[أو من لا يملك] [إقامة الحد بالبينة لم يملك إقامته على عبده.
-
[فإن قيل]: المعنى في الصبي والمجنون أن لا يلي على العبد.
-
فلا يقيم الحد عليه. والبالغ العاقل يلي على عبده، وأكد من ولاية الإمام فلذلك ملك أن يحده.
-
1/59381/5938
قلنا: الصبي وإن كان يملك الولاية والمولى أيضا لا يملك ولاية عليه والحدود أيضا تستوفى بالولاية العامة دون الخاصة.
-
ولأن الولي لا يملك الإقرار على عبده بالحد. وما لا يملك المولى الإقرار به عليه فحكمه فيه كحكمه بعد الحرية أصله الطلاق. [ولأن ما لا يملكه المولى الكافر من عبده، لا يملكه المولى المسلم من عبده كالطلاق] وعكسه البيع والعنق.
-
فإن زعموا في الوصف.
-
قلنا: إقامة الحد عبادة فلا تصح مع الكفر كسائر العبادات. ولأن ما لا يملك تنفيذ الأحكام. لا يملك إقامة الحد كالكافر.
-
احتجوا: بما روي أن أمة لآل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زنت. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي: (انطلق فأقم عليها الحد) . قال: فانطلقت فإذا بها دم يسيل ينقطع. فأتيته. فقال: (يا على.
-
أفرغت) ، فقلت: أتيتها ودمها يسيل فقال: (دعها حتى ينقطع دمها.
-
ثم أقم عليها الحد وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) .
-
قلنا: هذه تولية من النبي - صلى الله عليه وسلم - للمخاطب. ونحن لا نمنع أن يقيم المولى الحد بإذن السلطان.
-
فمن زعم أن الأمر لجميع الناس مع احتماله له أن يكون خاصًا لمخاطب بعينه احتاج إلى دليل.
-
احتجوا: بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (زنت أمه أحدكم فليحدها.
-
فإن زنت فليبعها ولو بضفير) .
-
قلنا: هذا أمر ظاهره يقتضي الوجوب. والمولى يجوز له إقامة الحد عليهم.
-
ولا يجيب عليه. والذي يجب عليه هو الإمام. فليس لهم صرف الوجوب عن [ظاهره] .
-
ألا ولنا تخصيص العموم. وحمله على الولاة. أو نحمله على دفع الأمة إلى من يقيم الحد عليها. وأضاف ذلك إلى المولى. كما يقال: بني دارَا فلان، والمعنى أمر ببنائها.
-
1/59391/5939
ومن أصحابنا: من حمل الخبر على الجلد الذي هو التعزير وذلك يجوز للمولى عندنا.
-
وقولهم: إن الجلد إذا ذكر مع الزنى المراد به الحد ليس بصحيح. لأن الحد اسم الضرب.
-
وإذا ذكر في موضع والمراد به الحد لم يمتنع أن يذكر في موضع آخر ويراد به غير الحد.
-
فإن قيل: ذكر أبو داود: ((فليحدها الحد) ).
-
قلنا: لم يذكر أبو داود هذا.
-
قالوا: فذكر (فليحدها بكتاب الله) . وهذا أيضا يحدها بكتاب الله.
-
قلنا: كتاب الله عبارة عن حكمه.
-
ومن حكمه تعزير الأمة إذا زنت.
-
ولأن هذا خطاب من النبي - صلى الله عليه وسلم - لجماعة ولا هم إقامة الحد على إمائهم فملكوا ذلك بتوليته. وزعم مخالفنا أنه بيان للحكم في حق جميع الناس.
-
ولا يجوز إثبات ذلك بالاحتمال بل حمله على ما نقول أولى. لأنا نستعمل ظاهر الوجوب ولا نسقطه.
-
قالوا: روي أن رجلا سأل ابن مسعود فقال: أمتي زنت. فقال: اجلدها.
-
وروى نافع أن غلامًا لابن عمر زنى بجارية له. فجلدها ابن عمر.
-
وروي أن فاطمة جلدت أمة لها زنت الحد.
-
وروي أن [أبا برزة] . جلد أمة له زنت.
-
وروي أن عائشة قطعت يد جارية لها سرقت.
-
1/59401/5940
وروي أن حفصة قتلت جارية لها سحرتها.
-
وعن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: كانت الأنصار عند رأس الحول يخرجون من زنى من إمائهم فيجلدونهم في مجالسهم.
-
والجواب: أن هذه الأخبار لو كانت صحيحة ثابتة ذكرها أصحاب المسانيد ولم يذكرها أبو داود ولا من يجري مجراه. على أنها محمولة على الجلد على وجه التعزير والقطع. لأن منهم من كان يعتقد أن التعزير يبلغ به الحد.
-
ولأنا بينا أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) وقوله (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها) تولية منه - صلى الله عليه وسلم - للمخاطبين. فيجوز أن يكون هؤلاء الجماعة ممن قصد بالخطاب فملك إقامة الحد بالتولية.
-
يبين ذلك ما روي عن الأعمش. إنه ذكر إمامة ابن مسعود بالشام.
-
وانه أقام هناك حدًا على رجل وجد منه ريح الخمر فقال العمش: كانوا أمراء حيث كانوا فإما أن يكون ذلك بتولية النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بأمر الأئمة لهم.
-
وقد روي عن ابن عمر انه قال: ارفعوا إلي الموالي. وذكر الحد.
-
وقد روى مسلم
-
1/59411/5941
ابن يسار عن أبي عبد الله رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ابن عمر أمرنا أن نأخذ عنه. قال: هو عالم فخذوا عنه. فسمعه يقول: (الزكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان) .
-
قال الطحاوي: أبو عبد الله هذا عسى أن يكون أَخٌا أبي بكرة واسمه نافع.
-
وقد روي عن الحسن إنه قال: (ضمن هؤلاء الصدقة والصلاة والحدود والحكم) .
-
وعن ابن محيريز. وقول أهل الشام: إنه عبد الله. ويقول أهل مكة: إنه عبد الرحمن,
-
والصحيح أنه عبد الرحمن. قال: ((الحدود والفيء والجمعة والزكاة) . ولم ينقل خلاف من طريق قوى يخالف هذا. وإنما نقل الأنصار. ويتحمل أن يكونوا فعلوا ذلك بأمر الولاية
-
قالوا: ملك تزويجها مع اختلاف الدينين فوجب أن يملك إقامة الحد عليهم كالإمام.
-
قلنا: الإمام لا يملك التزويج إلا في الصغار.
-
ولا يجب على الصغار حد.
-
ولأن النكاح ولاية خاصة،
-
ولا يستدل بها على [الحد ألا ترى: أن الأب بلي على ولده ولاية خاصة،
-
ولا يستدل به على] إقامة الحد على ولده، بحال.
-
ولأن الإمام لما ملك إقامة الحد عليه لم يملك غيره بغير تولية، أو نقول: المعنى في الإمام أنه يملك استيفاء حقوق الله تعالى. فلم يملك غيره استيفاء الحدود.
-
قالوا: يملك الإقرار عليه كجناية الخطأ في رقبته فملك إقامة الحد عليه.
-
1/59421/5942
أصله الإمام في مماليكه.
-
قلنا: جناية الخطأ حق يلزمه المولى نفسه. لأن المستحق بها ماله. والحد عقوبة. وليس إذا ملك أن يقر في مال نفسه ملك استيفاء العقوبة.
-
ألا ترى: أنه لا يملك الإقرار عليه كجناية العمد لأنها عقوبة. فكان اعتبار الحد بجناية العمد الذي لا يملكها أولى من اعتباره بجناية الخطأ. ولأن المولى لا يستوفي الحد عن عبد غيره ولا يملك أن يقر عليه بجناية. فعلم أن العلة في استيفاء الحد من عبد نفسه ليست هي جواز إقراره عليه، وإنما العلة التي يملك بها إقامة الحد على عبد غيره هي ولاية الحكم.
-
قالوا: ولاية المولى [في عبده] أقوى من ولاية الإمام بدلالة أنه يملك بيعه وإجارته واستخدامه ولا يملك ذلك الإمام.
-
فإذا جاز للإمام أن يقيم الحد عليه فالمولى أولى.
-
قلنا: المولى لا يملك هذا التصرف بالولاية.
-
وأما إقامة الحد فإنها تملك بالولاية. وولاية الإمام أقوى.
-
الدليل عليه أنه لو قال: ثبت عندي أن هذا زان فاجلدوه وسع الناس أن يفعلوا ذلك به،
-
ولو قال المولى ذلك لم يسع [من يسمعه] أن يقيم الحد.
-
ثم إن الإنسان يتصرف في نفسه بإجارتها وتزويجها،
-
ولا يملك ذلك منه.
-
ثم يحده الإمام. ولا يملك هو أن يحد نفسه.
-
ولأن الولاية في البيع والإجارة ولاستخدام لما ملكها المولى من عبده لم يملكها غيره منه.
-
فلو ملك منه إقامة الحد لم يملك الإمام. فلما ملك الإمام ذلك دل على أن المولى لا يملكه.