مسألة ١٢١٤
التجريدHanafimasa’il 40260 to 40309
-
1/51821/5182
حد القذف حق الله أم الآدمي
-
قال أصحابنا: حد القذف حق لله تعالى والمطالبة له حق الآدمي.
-
وقال الشافعي: هو حق للآدمي يصح أن يبرأ منه ويعفو.
-
لنا: قوله تعالى: (فاجلدوهم ثمنين جلدة ولا تقبلوا لهم شهدة أبدا) فخاطب بالجلد من يتوقف عن قبول الشهادة، وهو الإمام،
-
ولو كان حقًا للآدمي لم يقف استيفاؤه على الإمام.
-
فإن قيل: عندنا أنه لا حق للآدمي، لأن الاستيفاء إلى الإمام؛ فهذا هو الدليل، لأن حق الآدمي استيفاؤه إليه، وحقوق الله تعالى حق على الإمام.
-
قلنا: إنما كان الاستيفاء للإمام لأنه يختار سوطًا بي السوطين لا يكون جديدًا فيقتل،
-
ولا خلقًا فلا يؤلم، ويفرق الضرب على الأعضاء.
-
قالوا: وكذلك نقول في القصاص/ إن الاستيفاء إلى الإمام ويخير الأولياء.
-
قلنا: لو قال: اضربني بهذا السوط وفرق الضرب لم يجز، وإن كان السوط
-
1/51831/5183
قدمه يعتبر .. قد يفرق، ورضي القاذف بفعل المقذوف وتشديده في الاستيفاء.
-
قالوا: اليمين للمدعي ولا يستوفيها إلا الحاكم.
-
قلنا: عندنا أن حكم حكمًا فيستحلف ويتعلق باليمين حكم ولأنها عقوبة يستوفيها الإمام فكانت حقًا لله تعالى كحد الزنا.
-
ولأنها عقوبة سميت حدًا في الشرع كحد الزنا، ولأنها عقوبة شرط فيه الإحصان وتنقص بالرق أو شرع تفرقها على الأعضاء كحد الزنا وشرب الخمر ولأنها عقوبة لا يجوز إسقاطها بعوض فكانت حقًا لله تعالى كالحد. ولأنها لو كانت حقًا للآدمي لسقط بالإذن في سببه كالإيلاء والمال والقصاص فلما لم تسقط بالإذن في سببه دل على أنه من حقوق الله تعالى.
-
فإن قالوا: يسقط بالإذن في القذف.
-
1/51841/5184
قلنا: أسباب الحقوق إذا أذن فيها الآدمي لم يسقط الحد كالزنا بالمطاوعة.
-
فإن قيل: القصاص يسقط بالإذن.
-
قلنا: لأن المقطوع قد يكون له عوض صحيح في الإذن، فلما جاز أن يقع الجرح متاحًا بالإذن، فأسقط العود فإذا ثبت أنه حق الله تعالى لم يصح العفو عنه ولأنه لا يصح العفو عن بعضه مع كونه مما يتبعض فلا يصح العفو عن جملته كالحد، ولأن كل عقوبة يجوز العفو عنها بغير عوض يجوز بعوض كالقصاص لم يصح العفو بعوض، فدل على أنه لا يصح له.
-
احتجوا: بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ألا إن حرمة أموالكم كحرمة أعراضكم) .
-
قالوا: والمال من حقوق الآدميين كذلك العوض.
-
قلنا: هل العوض لحرمة الله تعالى أو الاجتماع في جهة واحدة؟.
-
قالوا: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من منزله قال اللهم إني قد تصدقت بعرضي على
-
1/51851/5185
عبادك) ولو كان لم يجب بهذا العرض حق من حقوق الله تعالى لم تصح الصدقة.
-
قلنا: أبو ضمضم لا يقذفه الناس بالزنا وإنما كان يتصدق بذكره بما دون القذف وذلك من حقوق الآدميين، ولأن القذف والمطالبة مما يجب به من حقوق الآدمي فيجوز [له] أن يتصدق بما يجب [له] من المطالبة.
-
قالوا: حق يجب استيفاؤه على مطالبة آدمي به فكان حقًا للآدمي كالديون.
-
قلنا: ينكسر هذا بحد السرقة فإن استيفاءه يقف على مطالبة بالمال والحق لله تعالى وهذا مسلم على مذهب الشافعي وإنما قال يجب القطع باعتراف السارق وإن لم يحضر المسروق منه، وهو غلط لأنه يجوز أن يكون المسروق منه يذكر شبهة تسقط القطع فلا يجوز إيجابه مع الشبهة ولأن حد القذف يقف على شرائط المقذوف، وتلك الشرائط لا تثبت إلا على خصم، منها: الحرية والإسلام والعقل فلم يكن بد من مطالبة الآدمي لتثبت الشرائط كما أن القطع يقف على مطالبة الآدمي بالمال لأنه شرط في القطع،
-
ولا يصح ثبوته إلا بخصم. والمعنى في الأصل
-
1/51861/5186
أنه يجوز استيفاء بعضه دون بعض. ولما كان الحد لا يصح استيفاء بعضه مع إمكان إسقاط بعضه دل على أنه ليس لحق الآدمي، أو نقول المعنى في المال أن استيفاءه بعد ثبوته لا يقف على الإمام فكان حقًا للمستوفي والحد يقف استيفاؤه على الإمام فكان حقًا له.
-
قالوا: حق يجوز للحاكم أن يحكم فيه بعلمه كالأموال.
-
قلنا: سائر الحدود لا يقضي فيها بعلمه لأنه المطالب لها،
-
فإذا قضى بعلمه فكأنه قضى لنفسه وهذا الحد يطالب به الآدمي،
-
فإذا قضى بعلمه والقضاء وقع لغيره فيجوز القضاء.
-
قالوا: الشهود يشهدون بالزنا وهم الخصوم،
-
فإذا جاز أن يكون الشاهد خصمًا جاز أن يكون القاضي خصمًا ويقضي بعلمه، كما تحوز شهادة الخصم.
-
قلنا: المعنى في قولنا: إن الشهود خصوم أن شهادتهم لا تفتقر إلى مدع فأما أن يكونوا خصومًا في الحقيقة فلا، وإنما الخصم هو الله تعالى والحاكم قائم مقامه فلا يقضي بعلمه فيما يثبت له استيفاؤه.
-
قالوا: وجوب حد القذف يعتبر فيه صفات المقذوف من الحرية
-
1/51871/5187
والإحصان، فدل على أنه من حقوقه.
-
قلنا: ويعتبر فيها صفات القاذف من العقل والبلوغ،
-
وإن لم يكن من حقوقه، وحد الزنا يعتبر فيه صفات الزاني من الإحصان وعدمه وهو من حقوق الله تعالى،
-
وكذلك يعتبر في حال السارق وحال المسروق.
-
قالوا: عقوبة لا يصح الرجوع عنها بعد الاعتراف بها كالقصاص وكحد الزنا والسرقة، ومنها ما يصح الرجوع عنها كالذي أقر بإتلاف ستارة الكعبة أو آلة المسجد،
-
ومن أقر بأن عليه زكاة فلا يمنع أن يكون حد القذف لا يصح الرجوع فيه وإن كان من حقوق الله تعالى.
-
قالوا: هذه حقوق الآدميين.
-
قلنا: هذا يتقرب به إلى الله تعالى، ويتم القربة فيه غير أنه يتعلق به حق آدمي فدل أنه لحق الله تعالى والمعنى في القصاص أنه يجوز إسقاطه بعوض، فكان حقًا للآدمي ولما كان حد القذف عقوبة لا يصح العفو عنها بعوض دل على أنها من حقوق الله تعالى.
-
قالوا: ما وجب لإلحاق الشين بالغير كان من حقوقه كأرش الشجة.
-
قلنا: إذا زنى بمكرهة حد، لإلحاق الشين بها والحق لله تعالى،
-
وإذا سرق مال غريه قطع [اليد] لإلحاق الشين بماله والحق لله تعالى.
-
1/51881/5188
قالوا: لو كان حقًا لله تعالى لم يسقط بموت المقذوف.
-
قلنا: لم يسقط عندنا وإنما سقطت المطالبة فتعذر الاستيفاء لعدم المطالب،
-
وإذا ثبت أنه حق لله تعالى لم يصح العفو عنه.