مسألة ٧٣٥
التجريدHanafimasa’il 24560 to 24643
-
1/29831/2983
رجوع المحال بدينه على المحيل إذا هلك المال على المحال عليه
-
قال أصحابنا رحمهم الله: إذا توى الدين على المحال عليه، رجع المحتال بدينه على المحيل.
-
وقال الشافعي رحمه الله: لا يرجع،
-
وإن أحاله عليه بشرط الملاءة، فبان أنه غير مليء، ففيه وجهان، أحدهما: يرجع، والثاني: لا يرجع.
-
قالوا: والصحيح أنه يرجع، وهو قول ابن سريج.
-
لنا: ما روي عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - (أنه قال- في الحوالة-: إذا مات المحال عليه مفلسًا، عاد الدين إلى ذمة المحيل، لا توى على مال مسلم) .
-
1/29841/2984
فإن قيل: راوي هذا الحديث خليد بن جعفر، عن معاوية بن قرة، وخليد ضعيف، ومعاوية بن قرة لم يلق عثمان.
-
قلنا: مجرد الطعن لم يمنع قبول روايته حتى تبين جهة ضعفه،
-
وأما إرسال الخبر: فإن ثبت لم يضرنا، لأن المرسل والمسند عندنا سواء، بل المرسل أولى على قول عيسى بن أبان.
-
قالوا: روي (أنه قال في حوالة أو كفالة) ، فشك الراوي، وعندنا في الكفالة يرجع فيها على الأصيل على شرط موت الكفيل مفلسًا.
-
قالوا: عليٌّ مخالف، روي (أن حزنًا جد سعيد بن المسيب كان له قِبَل علي بن أبي طالب حق فأتاه، فقال: أحلني به على فلان، فأحاله عليه فعاد إليه، فقال: قد مات فلان، فقال له عليٌّ: اخترت علينا غيرنا أبعدك الله) .
-
1/29851/2985
قلنا: لم يذكر أنه مات مفلسًا، وعندنا لا يرجع بمجرد الموت، والظاهر أنه مليء، لأن الإنسان لا يختار نقل الحق من ذمة مليء إلى ذمة المفلس.
-
قالوا: روي عن شريح أنه قال: (لا يرجع) .
-
قالوا: لم يبين الموضع الذي أسقط فيه الرجوع، فيحتمل أن يكون فيمن أفلس حال الحياة أو الموت غير مفلس،
-
ولا يجب الخلاف بالشك.
-
ولأنه نقل دينه من الذمة إلى غيرها، فوجب أن يكون العود في المطالبة بالسواء، كما لو اشترى به عينًا فهلكت قبل القبض أو استأجره به.
-
ولأنه نقل الدين إلى استيفاء، فوجب أن يثبت الرجوع عند تعذره. أصله: ما ذكرنا.
-
ولا يلزم: إذا أفلس في حال الحياة، لأنه لم يتو الحق، وإنما تأخر. الاستيفاء والذمة بحالها.
-
ولا يمكن القول بموجب العلة إذا أحال عليه على المحيل لم يعد عند التوي ولا عند التعذر،
-
ولا يمكن القول بموجبه،
-
وإذا شرط أنه مليء، لأنا عللنا الوجوب.
-
ولا يلزم: إذا مات المحيل والمحال عليه مفلسين، لأن الدين يعود ويتعذر استيفاؤه.
-
ولأن الأصل والفرع يستويان فيه، لأن العين إذا هلكت والإجارة إذا انفسخت وقد مات الذي كان عليه الدين مفلسًا، فالحكم كذلك هنا.
-
1/29861/2986
قالوا: لا تأثير لقولكم عند التوي من الأصل، لأنه لا فرق بين أن يملك المبيع (وألا يملكه) إن يجد به عيبًا في أنه يجوز الرجوع.
-
قلنا: في مسألة الفرع لا يتصور العيب في المعقود عليه، وإنما يتصور التوي خاصة، لأن الذمة لا تصير معينة وما فيها من الدين لا يصير ناقصًا في حال الحياة، فالعيب لا يتصور فيها،
-
ولو تصور النقصان بالعيب يثبت الرجوع أيضًا.
-
ولأنه نوع تمليك مال بمال، فجاز أن يلحقه الفسخ بالتوي، كالبيع.
-
ولا يلزم: الصرف بما في الذمة، لأنه بعض النوع.
-
فإن قالوا: فوجب أن لا ينفسخ بموت المفلس.
-
قلنا: نقول بموجبه، لأن عندنا لا ينفسخ بالموت، وإنما يطَالبُ الحاكم بالفسخ، فيفسخ بحكمه، وتنتقض العلة على أصلهم بموت المستأجر مفلسًا.
-
ولأنه أحد نوعي الضمان، فجاز أن يثبت للمضمون له مطالبة الأصل بحكمه من غير شرط، كالكفالة.
-
ولا يمكن القول بموجبه إذا شرط أنه مليء، لأنا قلنا: من غير شرط، ويدل على أن الدين بالحوالة ليس بمقبوض للمحتال. والدليل عليه: أنه لو أحاله بثمن الصرف [أو رأس مال السلم ثم افترقا قبل قبضه من المحال عليه بطل العقد في الصحيح من مذهبهم،
-
ولو كان قبضًا لصح الصرف] به، كقبض الشاهد.
-
ولأن ما في الذمة لا يكون مقبوضًا إلا لصاحب الدين، فأما لغيره فلا.
-
ولأنه لو أحال المشتري البائع بالثمن [ثم بان العبدُ المبيعُ حرًّا واستُحِقَّ
-
1/29871/2987
بطلت الحوالة، ولو كان الدين مقبوضًا وجب أن يرجع المشتري على البائع بالثمن]،
-
ولا تبطل الحوالة لهذا المعنى.
-
وقال أصحابنا: إن المحيل لو مات مفلسًا والحوالة في الصحة فغرماء المحيل والمحتال في مال الحوالة سواء.
-
وقالوا: لو أحال المشتري البائع بالثمن لم يكن له قبض المبيع.
-
وإذا ثبت أن الدين ليس بمقبوض بالحوالة، والتوي حصل قبل قبض العوض، فهو كهلاك العبد المبيع قبل القبض.
-
احتجوا: بما روي أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (مطل الغني ظلم،
-
وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع) .
-
وقوله: (فليتبع) أمر بالإتباع أبدًا.
-
ولأنه ندبه إلى الإتباع بشرط الملاء احتياطًا لحقه،
-
ولو ثبت له الرجوع لم يكن لشرط الملاء معنى.
-
الجواب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالإتباع بشرط الملاء، والحكم إذا تعلق بشرط لم يقطع بزوال الشرط عندهم، فصار دليل الشرط يقتضي سقوط الإتباع عند الفلس، فائدة شرط الملاء: فهي حتى يتمكن معه من الاستيفاء.
-
قالوا: سبب يسقط المطالبة بالدين ويبدله عن مليء مكلف، فوجب أن لا يرجع به بعد ذلك، كما لو أخذ بالدين عبدًا وقبضه.
-
قلنا: لا نسلم أن المطالبة بالدين وبدله سقطت، لأن ما في ذمة المحال عليه يدل على الدين والمطالبة ببدله،
-
ويبطل الرجوع إذا انهدمت الدار أو غصبت،
-
1/29881/2988
وإذا إتباع بالدين عينًا هي وديعة عند صاحب الدين على عين من الأعيان، فقد سقطت المطالبة بالدين وببدله، لأن العوض في الصلح يطالب به الأجنبي دون الغريم،
-
ولو هلكت العين قبل التسليم عاد الدين،
-
ثم أصلهم إذا ابتاع ثوبًا وقبضه، وهو غير مسلم، لأن الدين يجوز أن يعود إذا وجد به عيبًا فرده.
-
قالوا: فأصله: البراءة.
-
قلنا: يعود الدين برد البراءة.
-
فإن قالوا: نقيس على البراءة إذا قبلها.
-
قلنا: المعنى فيه: أنه إذا أسقط حقه من غير ابتغاء عوض،
-
فإذا تم الإسقاط ولا حق لغيره فيه لم يعد الدين.
-
وفي مسألتنا: أسقط حقه بعوض ابتغاه،
-
فإذا لم يسلم له رجع الدين، كما لو أخذ به عينًا، فلم يسلم له.
-
قالوا: حول الدين من الذمة إلى بدل كان يمكنه التصرف منه، فلم يعد حقه إلى الذمة، سواء كان ذلك البدل (عينا أو دينا) ، كما لو اشترى بالدين شيئًا وقبضه.
-
قلنا: يبطل إذا استأجر بالدين دارًا وقبضها، فإنه نقل الحق إلى بدل كان يمكنه التصرف منه، ومع هذا يثبت له الرجوع بالدين إذا انهدمت الدار.
-
قالوا: نقل حقه من ذمة إلى ذمة، فلم يجز له الرجوع إلى ذمة المكفول عنه، أصله: إذا أفلس في حال حياته وحكم الحاكم بفلسه وحجز عليه.
-
وربما قالوا: حق نقلته الحوالة من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه،
-
فلا يجوز له الرجوع إلى ذمة المحيل متى مات على حالته هذه.
-
والخلاف في المسألة في جواز الرجوع في الجملة، وليس الخلاف في الرجوع في حال معينة،
-
ثم هذا الوصف لا معنى له، لأن نقل الحق من ذمة إلى عين أقوى من نقله
-
1/29891/2989
إلى ذمة، لأن القبض في الأعيان أمكنُ من الديون في الذمم،
-
فإن كان الدين ينتقل إلى العين ويقبض ثم يعود إلى الذمة الأولى، كذلك إذا انتقل إلى ذمة أخرى، والمعنى في الأصل: أن الدين بالفلس يتوى بدليل: أن ذمة المفلس ذمة صحيحة يجوز أن يبتدئ فيها بثبوت نقل ذلك الدين والمطالبة الثانية والدين يتوى متى ذهب محله،
-
فأما مع بقاء المحل فلا يكون تاويًا: ألا ترى: أن المديون لو مات غير مفلس فالدين غير تاوٍ وإن كانت الذمة قد بطلت لبقاء المال،
-
وكذلك إذا ذهب المال وبقيت الذمة، فله محل باق ولا يكون تاويًا، ولهذا المعنى قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن الدين على المفلس يجب فيه الزكاة،
-
وإن كان مالًا ناقصًا سقطت زكاته،
-
وأما إذا مات مفلسًا فلم يبق للدين محل يوجد فيه التوى، فثبت الرجوع.
-
فإن قيل: فيجب أن لا يرجع إذا جحده وحلف، لأن محل الدين بحاله.
-
قلنا: قد روى عمرو بن أبي عمر، عن محمد في الإملاء: أن التوى عند أبي حنيفة لا يكون إلا أن يموت مفلسًا.
-
ولو قلنا بالرواية الأخرى، فبقاء محل الدين يعتبر ليتعلق به الدين،
-
ومتى جحد ولا بينة له وحلف لم يبق هناك دين في الظاهر،
-
فلا معنى لاعتبار محله.
-
قالوا: الدين بالحوالة في حكم المقبوض، بدلالة: أنه يجوز التصرف فيه، ويسقط المطالبة عن المحيل بكل حال،
-
ولو كان دراهم بمثلها لم يعتبر فيها القبض فيس المجلس.
-
قلنا: أما جواز التصرف: فقد كان ثابتًا لصاحب الدين منها في الذمة الأولى، ولم يكن الدين مقبوضًا، كذلك في الذمة الثانية جواز التصرف لا يدل على
-
1/29901/2990
أنه في حكم المقبوض،
-
وأما سقوط المطالبة: فيبطل إذا صالحه أجنبي على عين من الأعيان،
-
وأما اعتبار التقابض: فلأن التمليك يثبت الحوالة حكمًا،
-
فلا يعتبر فيه التقابض في المجلس كالقرض.