مسألة ١٠٣٩
التجريدHanafimasa’il 34044 to 34115
-
1/43571/4357
شهادة الفاسقين على النكاح
-
قال أصحابنا: ينعقد النكاح بشهادة فاسقين.
-
وقال الشافعي: لا ينعقد إلا بشهادة العدول.
-
لنا: أن الفاسق يملك قبول النكاح بنفسه، فجاز أن ينعقد بشهادته، كالعدل، وكالمحدود في القذف إذا تاب.
-
فإن قيل: القبول تصرف في حق نفسه والشهادة تقع في حق الغير.
-
1/43581/4358
[قلنا: الشهادة في سائر الحقوق تقع في حق الغير] ولا يمنع منه الفسق؛ ولأن الفسق في حق الغير يؤثر التهمة [فجاز بشهادته، والتهمة لا تلحقه في بطلان الأصل] .
-
[فإن قيل: المعنى] في العدل: أن النكاح يثبت بشهادته والفاسق لا يجوز أن يثبت بشهادته.
-
قلنا: ليس يمتنع أن ينعقد النكاح بحضور من لا تثبت بشهادته، كالعدل وابن المرأة،
-
ومن ظاهره العدالة ولا تعرف عدالته في الباطن.
-
وعلة الفرع غير مسلمة؛ لأن الفاسق يجوز أن يثبت النكاح بشهادته، بدلالة: أنه إذا شهد فغلب على ظن القاضي أنه عدل فحكم بشهادته لم ينقضها.
-
ولأنه من أهل الشهادة، بدلالة: أن حاكما لو رد شهادته لفسقه ثم تاب فشهد بها لم يقبلها، وبمثله لو شهد العبد فردت شهادته ثم أعتق فشهد بها قبلها، وإنما لم يقبلها بعد التوبة.
-
لأنه حكم برد شهادته فلا ينقض حكمه،
-
ومن كان من أهل الشهادة انعقد النكاح بشهادته كالمحدود في القذف إذا تاب؛ ولأنه من أهل شهادة اللعان إذا قذف زوجته فجاز أن ينعقد النكاح بشهادته.
-
أصله: العدل؛ ولأنها شهادة تختص بالنكاح فلا ينفيها الفسق، أصله: اللعان، يبين ذلك أن شرط الشهادة في الانعقاد من خصائص النكاح واللعان من خصائصه.
-
1/43591/4359
فإن قيل: عندنا يثبت اللعان البينونة، وتثبت في النكاح الفاسد.
-
قلنا: لابد من ثبوتها من شبهة النكاح.
-
[ولأن الشهادة شرط في انعقاد النكاح فلا ينفيه الفسق، أصله: القبول.
-
ولأن من ملك أمرًا شرط فيه الشهادة لم يشرط في الشهود ما لم يشترط فيه]، أصله: الحاكم.
-
ولا يلزم: المكاتب؛ لأنه لا يملك النكاح وإنما يعبر فيه عن المولى فلذلك جاز أن يعقد بإذن الولي،
-
وإن لم يجز أن يشهد.
-
احتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) .
-
قالوا: رواه عبد الله بن عمر، وابن مسعود، وعائشة.
-
الجواب: أن هذا الخبر لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -،
-
ولو احتججنا بمثله على مخالفنا أكبر الشناعة، ونسبنا إليه قلة العلم بالحديث، ويكفي أن يكون هذا لم يذكر في الصحيحين،
-
ولا ذكره أبو داود في كتابه خبر الشهادة أصلا، وذكر ابن خزيمة أن هذه الأخبار موضوعة وتكلم ابن المنذر على جميعها، وذكر أنه لا أصل لشيء
-
1/43601/4360
منها، وطعن يزيد بن هارون عليها طعنا مشهورًا ظاهرًا، فهؤلاء أئمة الحديث والرجوع إليهم في ذكر الأخبار وقبولها.
-
وقد ذكر الدراقطني في هذه الأخبار عن عبد الله بن محرز العامري عن قتادة عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا نكاح إلى بولي وشهدي عدل) ، وعبد الله بن محرز العامري قال يحيى ابن معين: ليس بثقة، وقال ابن المبارك: لو خيرت بين أن أدخل الجنة وبين أن ألقي عبد الله بن محرز لاخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كان بعده أحب إلي منه، وقال البستي: كان من خيار عباد الله يكذب ولا يعلم.
-
ورواه ثابت بن زهير، عن نافع، عن ابن عمر، قال البستي: ثابت بن زهير لا يبالغ على حديثه [فلا يحتاج] وذكر روايته للمناكير.
-
ورواه محمد بن يزيد بن سنان الجزري كنيته [أبو عبد الله] ، قال يحيى بن معين: ليس بشيء.
-
ورواه ابن جريج عن سليمان بن موسى، عن الزهري، وهذا هو حديث سليمان بن موسى المعروف وقد تكلمنا عليه فيما سلف.
-
1/43611/4361
والخبر إذا كانت هذه طرقه لم يجز أن يحتج به، على أنه قد عارضه، ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا نكاح إلا بشهود) وهو عام. فنستعمله على عمومه، ونستعمل الخاص على معنى الفضيلة؛
-
لأن الفضل أن يشهد من يقع التوثيق بشهادته، وهذا كنهيه - عليه السلام - عن بيع ما لم يقبض، ونهي عن بيع الطعام قبل القبض.
-
وكقوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء} ، إنا لا نخص عموم الآية بخصوص ما بعده بل نستعملها.
-
فإن قيل: نحمل المطلق على المقيد كما حملنا قوله: (في خمس من الإبل شاة) على قوله: (في خمس من الإبل سائمة) .
-
قلنا: هناك إنما حملناه على المقيد لقيام الدلالة.
-
فإن قيل: لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا نكاح إلا بشهود) وإنما روي
-
1/43621/4362
ذلك عن أبي سعيد الخدري.
-
قلنا: قد روى أبو حنيفة هذا الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يثبت عنده،
-
[ولو ثبت هذا الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -] لاقتضى ظاهره اعتبار شهادة من يوصف بالعدالة من وجه [واحد] ولا يقتضي ذلك اعتبار كل عدالة، وعندنا لابد في شهادة النكاح من عدالة الإسلام، والمسلم عدل في دينه،
-
وإن لم يكن عدلا في أفعاله.
-
والظاهر لا يقتضي أكثر من العدالة من وجه واحد، ألا ترى أن قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} يقتضي وجوب القطع بسرقة واحدة لأن الاسم يتناوله بها،
-
ولا يقتضي وجود كل ما تسمى سرقة.
-
فإن قيل: العدل ضد الفسق، فيستحيل أن يوصف بالأمرين فيكون عدلا فاسقا.
-
قلنا: بل عدل ضده جور، وعادل ضده جائز، فالمسلم يوصف بأنه عدل بمعنى أنه ترك الكفر الذي هو جور وعدول عن الحق، وفي الحماسة:
-
خليل عوجا بارك الله فيكما ....
-
وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا
-
وقولا لها ليس الضلال أجارنا .... ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا
-
فسمي العدول عن الطريق جورا.
-
ولأن قوله: (لا نكاح) يحتمل على نفي الفضيلة ونفي الجواز، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فنحمله على المتيقن وهو نفي الفضيلة.
-
قالوا: ما افتقر ثبوته إلى الشهادة افتقر إلى العدالة، أصله: ثبوته عند
-
1/43631/4363
الحاكم.
-
قلنا: يبطل باللعان فإن ثبوته يفتقر إلى الشهادة، [ألا ترى: أن الله تعالى سماها شهادة، وهو أولى باسم الشهادة] من حضور العقد؛ لأن هناك لا نطلق [ومع ذلك يفتقر اللعان إلى العدالة.
-
ولأن الثبوت يفتقر إلى النطق بالشهادة] في حق الغير فافتقر إلى العدالة، وفي مسألتنا: لا نفتقر إلى النطق فلم نفتقر إلى العدالة.
-
ولا يلزم على معارضة الأصل اللعان؛ لأنها شهادة في حق نفسه.
-
أو نقول: المعنى في الثبوت أنه يفتقر إلى العدالة الباطنة، فافتقر إلى الظاهرة، وفي مسألتنا: شهادة لا تفتقر إلى العدالة الباطنة فلا تفتقر إلى الظاهرة.
-
وهذه المعارضة على قول من يقول من أصحابنا: إن العدالة الباطنة شرط عند أبي حنيفة فيما بعد عصره.
-
أو نقول: إن الثبوت نفوذ قول الإنسان على غيره فلا ينفذ إلا بقول من لا يتهم، والفاسق يتهم بالكذب.
-
فأما الانعقاد فليس فيه معنى [يؤثر فيه] التهمة وإنما شرطت الشهادة ليخرج العقد من قبيل السر إلى حيز العلانية، وهذا موجود فيمن كان من أهل الشهادة فإن اتهم في أقواله، ولهذا ينعقد النكاح عندهم بشهادة العدو، ولا يثبت
-
1/43641/4364
بشهادته.
-
قالوا: ما لا يثبت بشهادة العبدين لا يثبت بشهادة [الفاسقين] لثبوته عند الحاكم.
-
قلنا: قد ينعقد النكاح بشهادة من لا تثبت شهادته، بدلالة: العبدين، وأولاد أحد الزوجين،
-
ومن ظاهره/ العدالة، والمعنى في الثبوت ما قدمنا.
-
قالوا: من لا يثبت النكاح بشهادته عند الإدلاء لا ينعقد بشهادته كالعبدين والصبيين والكافرين.
-
قلنا: هؤلاء لا يملكون قبول النكاح بأنفسهم فلا ينعقد بشهادتهم، والفاسق [يملك] القبول بنفسه فينعقد النكاح بشهادته.
-
أو نقول: إن هؤلاء ليسوا من أهل الشهادة، بدلالة: أنهم لو شهدوا فردت شهادتهم،
-
ثم زال المانع فشهدوا بتلك الشهادة تقبل، والفاسق من أهل الشهادة، بدلالة: إذا شهد فردت شهادته ثم تاب فأعادها، لم تقبل.
-
1/43651/4365
قالوا: ما اختص من بين نوعه بشهادة، كانت العدالة من شرطها كالشهادة بالزنا.
-
قلنا: النكاح لا يختص من بين نوعه بشهادة، وإنما يختص بتحمل لا يفتقر إلى غيره، والمعنى في الشهادة بالزنا: [أنها] تفتقر إلى عدالة الباطن والنكاح بخلاف ذلك.
-
أو نقول: إن الزنا لما اختص من بين نوعه بشهادة اعتبر في شرائطها ما اعتبر في الشهادة بالنوع، وفي مسألتنا: اختص هذا العقد بين سائر العقود [بتحمل الشهود فلا يعتبر فيه ما لا يحتاج إليه في صفة التحمل في سائر العقود] .
-
قالوا: التحمل يحتاج إليه للتوثيق عند الأداء، والفاسق لا يتوثق بشهادته.
-
قلنا: الشهادة لو اعتبرت للتوثيق عند الأداء جاز تركها كما يجوز في سائر العقود. فلما لم يجز تركها دل على أنها إنما طلبت ليصير العقد في حيز العلانية
-
1/43661/4366
ويفارق السر.