مسألة ٧٥٣
التجريدHanafimasa’il 25301 to 25394
-
1/30631/3063
التوكيل في الخصومة
-
قال أبو حنيفة: توكيل الحاضر الصحيح لا يلزم الخصم إلا برضاه.
-
وقال في الأصل: لا يقبل توكيل الحاضر إلا من عذر، وقال في الشفعة: الوكالة باطلة.
-
وقال الطحاوي: وليس للحاضر أن يوكل إلا عن عذر.
-
وهذا يدل على أن الوكالة لا تصح،
-
والأظهر: أنها صحيحة، إلا أنه لا يلزم الخصم الجواب عنها.
-
وأما الغائب والمريض فيقبل توكليهما، والمخدرة ظاهر الأصل يقتضي: أنها لا توكل، وكان أبو بكر الرازي يقول: إنها كالمريض.
-
وقال أبو يوسف، ومحمد: الوكالة جائزة، وعلى الخصم أن يجيب الوكيل.
-
1/30641/3064
وبه قال الشافعي.
-
لنا: حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا ابتلي أحدكم بالقضاء، فليسو بينهما في المجلس والنظر والإشارة،
-
ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر) .
-
وروي: (من ولي القضاء بين اثنين، فليسو بينهما في المجلس والنظر) ، وليس من التسوية أن يكون أحدهما في منزله والآخر على باب الحكم يناظر الوكيل ويدخل معه.
-
فإن قيل: إذا جوز القاضي للحاضر أن يوكل كما وكل خصمه فقد سوى بينهما، والخصم هو المختار لترك المساواة حين لم يوكل.
-
قلنا: قد لا يقدر أحدهما على التوكيل، وقد لا يأمن وكيله، فإذا
-
1/30651/3065
ألزمناه الحضور مع التوكيل وهو لا يتمكن من التوكيل، فقد تركنا التسوية.
-
ولأن عند مخالفنا: إذا وجبت اليمين وجب على المستحلف أن يحضر،
-
فلا يجوز أن يستنيب،
-
ويجوز لخصمه أن يوكل من يستوفي اليمين، وهذا ترك التسوية بينهما في مجلسه ومخالفة للخبر.
-
ولأنها استنابه فيما يختص بحضرة الحاكم، فلم يلزم الخصم حكمها ابتداء من غير عذر، كالشهادة على الشهادة.
-
ولأن ما يختص بحضرة القاضي لا يلزم الاستنابة فيه ابتداء، كالشهادة.
-
فإن قيل: التوكيل يصح إذا رضي الخصم، والشهادة لا تصح.
-
قلنا: لأن المانع من الشهادة على الشهادة مع القدرة حق الله تعالى فلم يسقط برضا غيره، والمنع من التوكيل لحق الخصم فسقط برضاه.
-
قالوا: دعوى الوكيل والموكل سواء، فلم يقف أحدهما على العجز عن الآخر، وقول شهود الفرع يخالف قول شهود الأصل، لأنهم يثبتون الشهادة دون المشهود به.
-
قلنا: لا فرق بينهما؛ لأن الوكيل يباينه ثم يذكر الدعوى.
-
والجواب أن الخصم يذكر الدعوى خاصة، وشهود الفرع يذكرون استنابتهم أولاً،
-
ثم يذكرون الشهادة التي يأتي بها شهود القضاء، فهما من هذا الوجه سواء.
-
قالوا: على الحاكم مشقة في قبول الفرع مع حضور الأصل، لأنه ١٧٣/ب يحتاج إلى تأمل وبحث عن حال شهود/ الأصل والفرع،
-
وإذا اقتصر على شهود الأصل لم يحتج إلى هذا البحث، والتوكيل مع القدرة لا مشقة على القاضي في سماع دعوى الوكيل.
-
1/30661/3066
قلنا: لو كان امتناع قبول الشهادة لهذا المعنى لوجب إذا رضي القاضي بتحمل هذه المشقة أن يجوز سماع الشهادة؛ لأنه أسقط حق نفسه، وأنه لا فرق بينهما، لأن القاضي يلحقه مشقة بالوكالة، لأنه محتاج إلى ثبوت الوكالة والنظر في صفات الوكيل وهل هو ممن تصح وكالته أم لا، ويجتهد في جواز إقراره أو إبطاله،
-
وإذا سمع الدعوى من الموكل كان أيسر وأسهل، ولا فرق بينهما.
-
قالوا: ليس على المدعي ضرر في الامتناع من قبول شهود الفرع، لأنه يثبت حقه بشهود الأصل، وعليه ضرر إذا لم يسمع من وكيله، لأنه ممن يكون لا يلحن بحجته،
-
فإذا لم يسمع من وكيله أضربه.
-
قلنا: قد يضره رد شهود الفرع؛ لأنهم يكونون في المجلس، فيتعجل ثبوت الحق،
-
فإذا ردوا احتاج إلى إحضار شهود الأصل فتأخر حقه.
-
فأما قولهم: إن في منع التوكيل إضرارا به؛ لأنه لا يلحن بحجته، ففي قبوله إضرار بخصمه، لأنه لا يقدر على مقاومة الوكيل ومحاجته، فلم يجز إلحاق الضرر به.
-
ولأنه توكيل في الخصومة؛ فلم يلزم الخصم قبوله ابتداء من غير عذر، أصله: إذا وكل صبيًا مأذونًا.
-
ولأن كل من لا يلتزم وكالته المتعلقة بالشرط، لا يلزم وكالته مطلقة، كالصبي والمجنون.
-
ولأنه استنابه في الخصومة على من اختلف في جواز إقراره عليه، فصار كما لو وكل صبيًا، وهذه المسألة مبنية على أن المدعى عليه يلزمه الحضور.
-
وقال الشافعي: لا يلزمه، وإنما يقال: احضر أو وكل.
-
1/30671/3067
لنا: قوله تعالى:} وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون {، فذمهم بترك الحضور.
-
ولا يقال: إنما ذمهم بالإعراض،
-
ومن وكل فلم يعرض، لأنه قد أعرض عن الحضور بنفسه، والذم يتناول الإعراض بكل وجه، يبين ذلك: قوله تعالى:} وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين {، فذمهم على الإعراض عن الإتيان الذي يفعلونه إذا كان الحق لهم.
-
ويدل عليه: حديث الحسن (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من دعي إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب، فهو ظالم لا حق له) ، ذكره الدارقطني، فذمه على ترك الإجابة، فدل: أنها واجبة.
-
وروي: (أن امرأة استعدت على زوجها فأعطاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هدبة من ثوبه، وقال: قولي له: لم يحضر ولم يقل أو يحضر وكيله) .
-
ولأن البينة أحد ما يقطع به الخصومة، فجاز أن يجب على المدعى عليه أن يحضر لأجلها، كاليمين إذا وجبت عليه.
-
ولأن المدعي أحد المتداعيين؛ فجاز أن يستحق عليه الحضور، كالمدعى عليه الحد والقصاص.
-
ولأن من تقطع الخصومة بقوله إذا لم يلحقه مشقة في الحضور،
-
1/30681/3068
جاز أن يجب عليه الحضور، كالشاهد.
-
قلنا: حق لزمه، فلا ينتقل إلى غيره بغير رضاه، كالحوالة.
-
أو نقول: الحضور للخصومة قد لزمه، وهذا معنى يتفاوت الناس فيه تفاوتا ظاهرًا؛ لأن فيهم من يستعين بنيابة، فيصور الباطل بصورة الحق، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنكم لتختصمون إلى، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض) ،
-
فإذا كان كذلك لم يجز نقل ما لزمه إلى غيره إلا برضا خصمه، كما أن الدين لما لزمه كان الناس يختلفون في الذمم اختلافًا ظاهرًا، لم يملك نقل الدين من ذمته إلى ذمة غيره إلا برضا خصمه.
-
ولا يلزم: المريض والمسافر، لأن الحضور لا يلزمهما.
-
ولا يلزم: إذا وكل بقضاء الدين؛ لأن الوكيل إذا شدد لم يدفع أكثر من الحق، ولم يأخذ أقل منه، وذلك غير مستحق، والوكيل بالخصومة يثبت ما ليس بحق.
-
احتجوا: بما روي (أن عليا (رضي الله عنه) وكل أخاه عقيلاً عند أبي بكر وعمر، فلما كان عثمان أمر عقيل، فوكل عبد الله بن جعفر، وكان يقول: إن للخصومة قحمًا،
-
وأن الشيطان يحضرها، وإني أكرهها)، فهذا يدل على أن
-
1/30691/3069
التوكيل إلى اختياره.
-
الجواب: أن هذا يدل على جواز التوكيل،
-
وكذلك نقول: وإنما للخصم أن يمتنع، ولم ينقل: أن خصوم عليّ امتنعوا فألزموا خصومة وكيله، فلم يكن في التوكيل ومخاصمة خصومه باختيارهم دليل.
-
والظاهر منهم الرضا لوجهين، أحدهما: أنهم كانوا يرون تعظيمه وتوقيره،
-
ولا يكلفونه بالحضور، والثاني: أنه أقوم بالخصومة من عقيل وأفقه وأعرف بمواقع الحجج، والظاهر أن الخصم لا يختار مخاصمة أشد الخصمين، وأنه إذا خاصمه أضعفهما رضي به.
-
قالوا: توكيل في حقه؛ فوجب أن لا يفتقر في المطالبة إلى رضا خصمه، كما لو وكله في قبض حقه بعد ثبوته.
-
قلنا: الوكالة في القبض إنما يختلف الناس فيها، لأن منهم السهل الذي يأخذ دون حقه، ومنهم الصعب الذي يستوفي حقه، وترك بعض الحق لا يجب، فلم يختلف الواجب باختلاف من يتولاه، وليس كذلك الخصوم، لأن العارف بها يصور الباطل بصورة الحق، فيثبت ما لا يجب ويسقط ما يجب، فلما اختلف ذلك باختلاف الولي وقف على الرضا.
-
قالوا: كل وكالة لا تفتقر إلى رضا الخصم مع المرض والسفر كذلك مع الحضور والصحة.
-
قلنا: لا يخلو أن تكون الوكالة من المدعي المريض أو المدعي عليه [فإن كان المريض هو المدعى عليه] فالحضور لا يمكنه إلا بضرر، فسقط عنه
-
1/30701/3070
للعجز، فجاز أن يوكل،
-
وإن كان المدعي هو المريض فهو لا يقدر على الحضور،
-
ولو لم يجز له التوكيل أدي إلى تأخير حقه، وفي ذلك ضرر عليه، وهذا المعنى لا يوجد في الصحيح القادر.
-
فإن قيل: حقوق الآدمي المحضة لا تسقط بالأعذار، وإنما تؤثر الأعذار في حقوق الله تعالى.
-
قلنا: قد تؤثر في حقوق الآدمي؛ ألا ترى: أن المفلس يسقط عنه الحبس للعذر، والمريضة لا يلزمها تمكين زوجها من الوطء، لأجل الضرر،
-
وكذلك الحضور إن كان حقا لآدمي سقط بالعذر.
-
فإن قيل: المرض ليس بعذر في التوكيل؛ لأن القاضي ينفذ إلى المريض من يحكم بينه وبين خصمه.
-
قلنا: المرض يمنع المخاصمة واستيفاء الحجة، كما يمنع الحضور.
-
قالوا: فالأعذار تؤثر في تأخير الحقوق، لا في إسقاطها.
-
قلنا: العذر إذا أخر الحق أسقطه في الحال،
-
وإن كان المدعى عليه مريضًا، فخصمه بالخيار: إن شاء الله أخر الحق،
-
وإن شاء خاصم الوكيل،
-
وإن أكن المدعي هو المريض ففي تأخير الحق ضرر به، ولذلك جاز له أن يقيم غيره مقامه.
-
قالوا: من لا يعتبر رضاه في صحة التوكيل لا يعتبر في لزومه، كالحاكم.
-
قلنا: الوصف غير مسلم على ظاهر لفظ الكتاب والمختصر، والوكالة موقوفة عندنا،
-
فأما أن نقول صحت، فلا.
-
ولأن الرضا قد يؤثر في تمام الشيء وإن لم يؤثر في صحته، ألا ترى: أن رضا المقر له لا يعتبر في صحة الإقرار ويعتبر في تمامه، لأنه لو رده بطل، وإن لم يرده
-
1/30711/3071
حتى مات المقر له ثبت، فلولا أنه صح لم يلزم بالموت،
-
وأما الحاكم فلا يعتبر رضاه في انتقال الدين بالحوالة، وجاز أن يعتبر في انتقال الخصومة، [ولما كان رضا الخصم يعتبر في انتقال الدين بالحوالة، جاز أن يعتبر في انتقال الخصومة] بالوكالة، والوديعة.
-
قالوا: المقصود من التوكيل تصرف الوكيل،
-
وإذا صحت الوكالة وجب أن يشتمل على جواز التصرف.
-
قلنا: لا نسلم صحتها، بل نقول: إنها موقوفة على ما بينا.
-
قالوا: الدليل على أن الحضور ليس بمستحق: أن الخصم لو بعث بما يدعي عليه، لم يكلف الحضور.
-
قلنا: الحضور مستحق لا لنفسه، لكن لإثبات الحق واستيفائه،
-
فإذا بذل الحق سقط ما طلب الحضور لأجله، فسقط الحضور. يبين ذلك: أنه لما لم يلزمه عندهم لم يكن مستحقًا.
-
قال الشافعي: إن كان المانع من التوكيل أنه مقيم مقامه من هو أقوى بالخصومة منه، فيجب إذا وكل من هو دونه في الخصومة أن يجوز.
-
قلنا: المانع من الوكالة أمران، أحدهما: هذا الذي ذكر، والآخر: ما في ذلك من ترك التسوية، وكون أحد الخصمين في داره، والآخر بباب القاضي،
-
فإذا استناب من هو دونه في الخصومة وأجزناه يثبت الحكم بأحد العلتين،
-
ثم هذا لا يصح، لأنه لا يمتنع أن يقف الوكالة للاختلاف الذي ذكره، فيعتبر الرضا فيها في جميع الأحوال، كما أن الحوالة بالدين امتنعت بغير تراض لاختلاف الذمم،
-
ثم لو نقل الحق إلى ذمة أوثق من ذمته، لم يجز إلا برضا خصمه، كذلك هذا.