مسألة ١٣٠٠
التجريدHanafimasa’il 42547 to 42638
-
1/54691/5469
قتل الحر بالعبد
-
قال أصحابنا رحمهم الله: يجب القصاص على الحر بقتل العبد.
-
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجب.
-
1/54701/5470
لنا: قوله تعالى:} وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس {ولم يفصل.
-
فإن قيل: لم يكن في بني إسرائيل مملوك، لأن الغنائم لم تبح إلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
قلنا: قد ثبت بالنقل الصحيح أن هاجر كانت مملوكة لإبراهيم عليه السلام، فدل على أن الرق كان فيمن قبلنا.
-
فإن قيل: إن الآية لم تتناول العبد لأنه قال فيها} والعين بالعين والأنف بالأنف {.
-
قلنا: الآية قد أريد بها العبد إذا كان قاتلًا، (فظاهره) يقتضي.
-
1/54711/5471
(وجوب) القصاص بطرف العبد لو (لا) قيام (الليل) .
-
ويدل عليه قولته تعالى: } ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا {ولم يفصل.
-
ولا يقال: إن هذا في العبد، (لان العبد) [يقدر حرًا] بالموالاة.
-
قلنا: [التعميم] يعم لمولى العبد وولي الحر، فلما ذكر لفظًا عامًا في جميعهم ذكر المولى الذي يعم الحر والعبد.
-
فإن قيل: الحر بالعبد سرف، وقد قال الله تعالى: } فلا يسرف في القتل {.
-
قلنا: السرف في القتل التجاوز في الفعل الحد المستحق.
-
ويدل عليه قوله تعالى: } الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى {فأوجب القصاص على الأنثى لقتل الأنثى ولم يفصل.
-
فإن قيل: قوله:} الحر بالحر {دليله أن الحر لا يقتل بالعبد.
-
قلنا: دليل الخطاب ليس بحجة عندنا، ولأن النطق يقوم عليه،
-
1/54721/5472
وهذا أولى من الدليل المختلف في كونه حجة.
-
ويدل عليه قوله تعالى: } ولكم في القصاص حياة {.
-
وقال (- صلى الله عليه وسلم -) : (العمد قود) . وقال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: قتل نفس بغير نفس) . وقال: (من قتل عبده قتلناه) (فمفهومه) أن من قتل عبد غيره قتل، ونسخ اللفظ لا يسقط مفهومه.
-
1/54731/5473
فإن قيل: روي في الحديث (من جدع جدعناه) مفهومه أن من (جدع) غيره جدعناه. وقد نسخ هذا المفهوم كما نسخ المنطوق.
-
قلنا: لم ينسخ المنطوق. لكن (خصصناه) بدليل آخر.
-
ولأن كل من جاز أن يستوفى القصاص من قاتله الحر جاز ابتداء أصله الحر.
-
ولأن الرق معنى يستحق به الولاية،
-
فلا يمنع وجوب القصاص على قاتله الحر (كالصغر) والجنون.
-
ولأنه نقص لا يوجب إباحة الدم،
-
فلا يمنع وجوب القصاص ابتداء على القاتل الحر أصله الأنوثة.
-
ولأن الدم معنى لا يملكه المولى من عبده، وهو مما يملك مكان العبد، كالحر أصله الطلاق.
-
ولا يلزم القصاص في الطرف، لأن العبد كالأحرار فيها. ألا ترى أن الأحرار يجري بينهما القصاص عليه بقتله ابتداء أصله الحر.
-
(ولأن يد) العبد في دمه أقوى منها في ماله، بدلالة أن المولى يملك إزالة يده من المال ولا يملك إتلاف الدم،
-
ولو أقر بما في يده من المال نفذ إقراره،
-
1/54741/5474
ولو أقر بقصاص لم ينفذ.
-
فإذا جاز أن يجب على الحر القطع بسرقة ما في يده من المال، فلأن يجب عليه القتل ابتداء بقتله أولى.
-
ولأن فضيلة القاتل (الحر) لو منعت وجوب القصاص كان طريناها بعد الوجوب تمنعه، كفضيلة الأب. في علمنا أن القاتل العبد إذا أعتق (استوفى) القصاص منه دلالة على أن هذه الفضيلة لا تمنع الوجوب.
-
ولأن ما سقط بالشبهة لأجل أنه أكثر مما وجب منه، بدلالة أن العبد إذا زنا لم يكمل حده إذا أعتق.
-
فلو كان دم الحر أكثر من دم العبد لكان طريان الحرية يمنع الاستيفاء حتى لا يستوفى أكثر مما وجب.
-
ولأن تفاوت الأعداد في الجنس أقوى من تفاوت الصفات بدلالة أنه لا يجوز بيع قفيز حنطة بقفيزين ويجوز بيع قفيز جيد برديء.
-
ثم ثبت أن تفاوت الأعداد لا يمنع وجوب القصاص إذا قتل الجماعة واحدًا،
-
وكذلك زيادة الصفة في القاتل لا تمنع وجوب القصاص.
-
وعكسه الأطراف على أصلنا ما منع تفاوت الأعداد القصاص حتى لا نقطع يدين بيد واحد، كان تفاوت الصفات مثله حتى لا تقطع يد الحر بيد العبد،
-
1/54751/5475
ولا تقطع اليد الصحيحة (باليد الشلاء) .
-
احتجوا: بقوله تعالى:} الحر بالحر والعبد بالعبد {.
-
قلنا: هذا يدل على جريان القصاص بين الحرين والعبدين ولا ينفى غيره.
-
فإن قيل: فما فائدة التخصيص؟.
-
قلنا: قد بينا أن الله تعالى يخص الحكم بالذكر، ويوقف ما سوى المذكور على الاجتهاد. وهذه فائدة معقولة لا تحتاج معها إلى غيرها. ولكن هذا التخصيص لم يمنع (قتل العبد بالحر) والذكر بالأنثى،
-
وإن كان خص الأنثى بالأنثى، كذلك لا يصح أن يمنع قتل الحر بالعبد. وقد روي عن ابن عباس [- رضي الله عنه -] أن قبيلتين من العرب تفاضلتا، فكان الأفضل يقول: أحراركم كعبيدنا ورجالكم كنسائنا، فرد الله تعالى هذا القول، وأخبر أنه لا يجوز لأحد التفاضل أن (يقتل) غير القاتل.
-
احتجوا: بما روى (جوبير) - - - - - - - - - - - - - - - - -
-
1/54761/5476
عن الضحاك عن عبد الله بن عباس [- رضي الله عنه -] عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( «لا» يقتل حر بعبد) وروى إسماعيل بن مسلم الملكي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
قلنا: هذان خبران ذكرهما الدارقطني.
-
فأما خبر جوبير فرواه عنه
-
1/54771/5477
عثمان البري، وهو عثمان بن مقسم مولى كندة من أهل الكوفة، تركه أحمد بن حنبل ويحيى بن كعين ومالك وسيفان الثوري بالكذب.
-
وأما إسماعيل بن مسلم الملكي.
-
قلنا: (الآثار تبعه) ، أصله من البصرة، وضعفه ابن المبارك، وتركه يحيى بن القطان وابن مهدي، وسئل يحيى
-
1/54781/5478
ابن معين عنه فقال: ليس بشيء. وقد عدد أصحاب (الحديث) المناكير التي انفرد بها لا أصل لها.
-
ولأن القتل هو الاستيفاء،
-
ولا خلاف في استيفاء القتل من الحر بالعبد، وإنما يمنع مخالفنا الوجوب، فليس لهم العدول عن هذا الظاهر إلا ولنا أن نحمله على عبد نفسه.
-
قالوا: روى وكيع عن إسرائيل عن جابر عن الشعبي قال: قال علي - رضي الله عنه -: «من السنة ألا يقتل مسلم بكافر ولا يقتل حر بعبد» .
-
قلنا: جابر الجعفي قد رددتم خبره، وقال الدارقطني (في كتابه) أنه كذاب. وذكر حديث ليث - - - - - - - - - - - - -
-
1/54791/5479
عن الحكم قال: قال علي وابن مسعود [رضي الله عنهما] : «إذا قتل الحر (متعمدًا) فهو قود».
-
وقولهم: إنه مرسل. لا يصح، لأن مراسيل الحكم أقوى من مسأنيد (جابر) الجعيفي. وقد ذكروا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه جده أن أبا بكر- - - - - - - - - -
-
1/54801/5480
وعمر [- رضي الله عنه -] كانا لا يقتلان الحر بالعبد. ورواه الحجاج بن أرطاة عن (عمرو) .
-
وقد طعن مخالفونا (على) الحجاج بن أرطأة، وقالوا في رواية عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أنه مرسل. وسكتوا عن الطعن حين طعنوا بروايته.
-
وإذا ثبت من قول ابن مسعود [- رضي الله عنه -] وجوب القصاص (بينهما) لم يصح الاحتجاج بقول غيره من الصحابة.
-
قالوا: كل شخصين لا يجوز القصاص بينهما في الأطراف السليمة لم يجب القصاص بينهما في النفس، كالمسلم والمستأمن والأب والابن.
-
قلنا: تفاضل مؤثر في الأطراف، بدلالة أنه لا يقطع الصحيحة بالناقصة الأصابع ولا بالشلاء. وهذا المعنى لا يمنع القصاص في النفس (بدلالة) أن (صحيح) البدن يقتل بأشل البدن، فكذلك [لا]
-
1/54811/5481
(يمنع) التفاضل بالحرية من القصاص في النفس، [وهوان الرق] والملك لا يقع في (الروح) ، وإنما يقع في البدن (وفي) الطرف، والمقصود المماثلة في الطرف، والملك يمنع ذلك.
-
قلنا: وهوان الرق لا يوجد في الروح، وإنما يوجد في البدن حكمًا،
-
فأما روح العبد فهي كاملة كروح الحر.
-
فأما [المستأمن] فقد تكلمنا عليه من المسألة الأولى.
-
وأما الأب والابن، فلأن الأب لا يجوز حبسه في ديون الابن، فلم يجز الاقتصاص فيه في حقوق ابنه،
-
ويجوز أن يحبس الحر في ديون العبد، (فكذلك) يجوز أن يقتص منه وإن ابتدأ حربه في حال الحرية.
-
قالوا: كل قصاص لا يجري بين المستأمن والمسلم لا يجري بين الحر والعبد كالقصاص في الأطراف.
-
قلنا: الأطراف يجري مجرى ضمان الأموال، بدلالة أنها تكون عمدًا محصنًا أو (شبهة) فلا يجب القصاص فيها، فكذلك اعتبرت المماثلة. والأنفس ليس فيها ضمان (الأموال) ، فلم تعتبر فيها المماثلة. ولأن الأطراف يؤثر فيها النقص، والأنفس لا يتصور فيها النقص.
-
لأن محل القصاص في الحر والعبد سواء. وإنما يؤثر في الأنفس معنى الإباحة، وذلك لا يوجد في دم العبد. وقد قال بعضهم: إن اليد الشلاء ميتة، (فلذلك) لا يجب (بقطعها) - - - - - - - - - - - - - - - - -
-
1/54821/5482
القصاص وهذا غلط. لأنها لو كانت ميتة تلاشت وفسدت ولم تبق،
-
وإن كانت لا تصير مذكاة في الشاة بذكاة الأصل.
-
لأن الذكاة لا تفعل إلا في (الحي) ، ولم يجب بقطعها أرش.
-
قالوا: الشعر يضمن ولا يفسد وإن كان ميتًا عندكم.
-
قلنا: غلط (عندنا) الشعر لا حياة فيه،
-
فأما أن نقول إنه ميت فلا، وعدم الحياة لم يمنع الضمان كالشجر.
-
فإن قيل: لو كان القصاص (سقط) في طرف العبد (للتفاضل) ، قطع طرف العبد بالحر والمرأة بالرجل كما تقطع الشلاء بالصحيحة.
-
قلنا: النقصان متى كان شاهدًا منه أن (يؤخذ) الأكمل بالأنقص، ولم يمنع أخذ (الناقص) بالكامل بالتراضي.
-
وإن كان النقص من طريق الحكم منع أن يؤخذ الناقص بالكامل وإن حصل (بالتراضي) ، كما لو قطع (الرجل) يمين رجل ولا يمن له، ولم يقطع يساره بيمين المقطوع وإن رضي بذلك.
-
قالوا: النفس أكمل حرمة من الطرف،
-
فإذا لم (يؤخذ) طرف الحر بطرف العبد فنفسه أولى.
-
قلنا: لما كانت حرمة النفس أعظم من حرمة الطرف جاز أن يقتص من الحر لانتهاكه الحرمة العظمى، ولم يقتص من طرفه لانتهاكه الحرمة الناقصة.
-
قالوا: فالرق لا تأثير له في عبد نفسه، لأن المكاتب لو قتل عبده لم يقتص منه، ولم يكن منقوصًا بالرق.
-
قلنا: والمعنى الصحيح أن حقوق العبد ثبت للمولى، فأوجب على
-
1/54831/5483
المولى القصاص لعبده [لو وجب] له، والإنسان لا يثبت له على نفسه قصاص, وهذا المعنى في عبد غيره لا يوجد.
-
قالوا: كل [شخصين] يحد أحدهما بقذف صاحبه ولا يحد الآخر بقذفه مع عفته ولم يقتل به كالمسلم والمستأمن والمولى وعبده.
-
وقد تكلمنا على هذا القياس فيما مضى، وبينا أن القذف يسقط الحد فيه لعدم الإحصان، وهذا لا يمنع القصاص، كما لو قذف الكبير الصغير والعاقل المجنون لم يحدا فقذفهما،
-
وإن وجب القصاص عليهما بقتلهما.