مسألة ١٤٩٩
التجريدHanafimasa’il 48389 to 48520
-
1/61851/6185
إذا غلب أهل الحرب على أموالنا
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : إذا غلب أهل الحرب على أموالنا التي يملكها بعضنا على بعض بالعقود، فما يحرزوها بدارهم ملكوها.
-
وقال الشافعي رحمه الله: لا يملكونها.
-
لنا: قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} . فسماهم الفقراء، وأخبر انه كان لهم ديار وأموال، فلولا أن ملكهم زال عنها لم يسموا فقراء.
-
فإن قيل: عندكم رباع ملكه [لا يملك] .
-
قلنا: روى الحسن عن أبي حنيفة أنها تملك.
-
ولأن الأعنة تملك عندنا.
-
فإن قيل: أضاف ذلك إليهم.
-
قلنا: أضافه إليهم حال إخراجهم، وعندنا أنهم لم يملكوها عند الإخراج.
-
قالوا: سماهم فقراء، لأنهم لا يتوصلون إلى الانتفاع بها.
-
قلنا: لو كان كذلك لسماهم أبناء السبيل، كما من هذه حاله في آية الصدقات وعطفه على الفقراء وحكم العطف غير حكم المعطوف عليه. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة) . وذكر فيها الغازي وابن السبيل، فدل أنه سمي غنيًا.
-
1/61861/6186
فإن قيل: هو فقير في عادة أهل اللغة، لأنهم يقولون لمن وقع ماله في البحر، افتقر، ولمن أخذ السلطان ماله: أفقره.
-
قلنا: هذه العادة لا تعرفها العرب،
-
فلا يقابل بها الكتاب والسنة.
-
قالوا: إنما سماهم فقرا؛ لأنهم أعرضوا عن أموالهم.
-
قلنا: قال الله تعالى: {الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} . فدل على أنهم لم يعرضوا وإن أقهروا وغلبوا.
-
فإن قيل: إن هذه الآية نزلت قبل إباحة القتال، فكيف يملك بالقهر؟.
-
قلنا: هذا سؤال على القرآن، والرجوع إلى ما دل عليه القرآن أولى، على أن عندنا أنه - صلى الله عليه وسلم - لما استقر في دار الهجرة، تميزت الداران وانفردت كل واحدة من الدارين حكمًا، ويدل عليه [ما روي] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له لما دخل مكة: هلا نزلت دارك؟
-
فقال: (وهل ترك لنا عقيل من ربع؟) وقد كان باع دار النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدل أنها تملك؟
-
فإن قيل: كان نقضها وخربها.
-
قلنا: لو كان كذلك لم يعرض عليه النزول فيها، فدل أنها لم تخرب إذا كانت تصلح للنزول.
-
فإن قيل: عندكم أنها لا تملك.
-
قلنا: قد بينا أن الحسن روى عن أبي حنيفة أنها تملك.
-
وعلى الرواية الأخرى يجوز بيع الأبنية، فلم يزل - صلى الله عليه وسلم - فيبطله ملك غيره.
-
فإن قيل: لم يكن - صلى الله عليه وسلم - نزل، وإنما كان ينزل في دار أبي طالب، فلما مات أبو طالب ورثه عقيل دون جعفر وعلي؛ لأنهما كانا مسلمين فباعهما بالإرث.
-
قلنا: لو كان باع ملك نفسه لم يلم على ذلك، فظاهر قوله: (وهل
-
1/61871/6187
ترك لنا عقيل من ربع؟) ذم له.
-
ولأنهم أضافوا الدار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وظاهر الإضافة الملك.
-
قلنا: السكنى فلا تقتضي الإضافة عند مخالفنا؛ لأنه قال: إذا حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارًا استأجرها، لم يحنث.
-
فأما على قولنا فلو كانت إضافة سكنى؛ لم يجز أن يطلق مع زوال السكنى.
-
فإن قيل: قد أضاف إضافة الملك،
-
وإن كان قد زال الملك.
-
قلنا: لأن المضيف لم يعلم أن الكافر يملك بالغلب فأضاف على اعتقاده في بقاء الملك، فبين له - صلى الله عليه وسلم - خلاف ما اعتقده،
-
فأما إضافة السكنى مع زوال السكنى مشاهدة فلا تصح.
-
ويدل عليه ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من أسلم على مال فهو له) . ظاهر يقتضي أنه إذا أسلم وفي يده غنمه من المسلمين يكون له، وما روى أبو يوسف عن الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس أن رجلاً وجد بعيرًا له [قال المسلمون] أصابوه، فقال - صلى الله عليه وسلم - (إن أصبته قبل أن يقسم فهو ذلك،
-
وإن أصبته بعدما قسم تأخذه بالقيمة) . ففرق - صلى الله عليه وسلم - بين الحالتين، فلولا أنه يملك لكان له في الحالتين بغير شيء.
-
قالوا: الحسن بن عمارة طعن عليه الحفاظ وقالوا: إنه قليل الضبط.
-
قلنا: هذا حديث تابعه عليه مسعر بن كدام ذكره صالح بن أحمد في الكتاب الذي سمعه هو وأبوه من علي بن المديني. قال علي بن المديني: سمعت ييى ابن سعيد القطان يقول: حدثنا الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاووس
-
1/61881/6188
عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. [وذكر الحديث. قال علي: وسألته: مسعر بن كدام. فقال: هو من حديث عبد الملك] ولكني لا أحفظه فهذا يحيى بن سعيد القطاع وحاله في التيقظ والتحفظ معروفة، أخذ هذا الحديث عن الحسن بن عمارة وصححه مسعر ورواه علي بن المديني وأحمد بن حنبل عن مسلم، وحسبك بهذه الطبقة علمًا بالحديث.
-
فإن قيل: فلو كان أهل الحرب ملكوا ذلك لم [يستوفى] وجوده قبل القسمة وبعدها.
-
قلنا: هذا اعتراض على النص، والرجوع إلى النص أولى.
-
على أن الفرق ظاهر؛ لأن الغنيمة قبل القسمة على حكم ملك أهل الحرب، وما ملك بغير عوض فما دام على حكم ملكه يثبت حق مالكه الأول فيه كالرجوع في الهبة،
-
فإذا قسمت الغنيمة فلم تبق لملك الحربي أثر وتجدد ملك مع رفع ذلك في سهمه فصار كالهبة إذا زال ملك الموهوبة عنها سقط الرجوع، فأثبت - صلى الله عليه وسلم - الرجوع بعوض كما أثبت للشفيع.
-
فإن قيل: إنه - صلى الله عليه وسلم - أثبت لصاحبه بعد القسمة
-
وكذلك نقول؛ لأنه يستحق بعد القسمة فيرد على صاحبه ويدفع الإمام القيمة من بيت المال حتى لا يفسخ القسمة فيضر بالمسلمين، فقد اتفقنا على أخذ المال بالقيمة إلا أنا اختلفنا في القيمة لم يلزم.
-
قلنا: ظاهر قوله: (تأخذه بالقيمة) . يلزمه كما يقال: إن المبتاع يأخذ المبيع بالثمن. فيفهم منه من يلزمه، ألا ترى أن المستحق يأخذ ما استحقه من يد المشتري من الغاصب ويرجع المشتري على الغاصب بالثمن،
-
ثم لا يصح أن يقال: أخذها المستحق بالثمن.
-
ولو كان الأمر على ما قاله المخالف، لا شتبه الأمر، وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.
-
1/61891/6189
ولأنه - صلى الله عليه وسلم - ... أصحب القيمة؛ فدل على أن حق الأخذ ثبت بها ولم يتقدم عليها كما تقول: أعطيت هذا أو ذاك. وعند مخالفنا حق الأخذ سابق لوجوب القمة. على أنه قد روي في خبر آخر ما يؤيد الخبر الأول ويسقط هذا التأويل.
-
روى سفيان الثوري عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة: أن رجلًا أصاب له العدو بعيرًا فاشتراه منهم رجل، فجاء به فعرفه صاحبه، فخاصمه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (إن شئت أعطيته ثمنه الذي اشتراه به وهو لك، وإلا فهو له) .
-
وكذلك رواه حماد ابن زيد عن سماك بن حرب. فهذا يدل على تملكهم، وإيجاب الثمن لا يمكن تأويله على وجوبه في بيت المال حتى لا تفسخ القسمة، فصار إيجاب الثمن في هذا الخبر على المالك يدل على أن القيمة في الخبر الأول وجبت على المالك.
-
ويدل عليه: إجمال السلف، ذكر محمد في السير الكبير عن أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وزيد بن ثابت وابن عمر أن أهل الحرب يملكون على المسلمين بالسبي إلا أنهم اختلفوا، فقال أبو بكر الصديق، لا يعود حق المالك الأول أبدًا إلا بتمليك يرضي من ملك عليهم.
-
وهو قول الحسن والزهري.
-
وروى جابر عن حيوة عن قبيصة بن ذؤيب أن عمر بن الخطاب قال فيما أحرز المشركون فأخذه المسلمون فعرفه صاحبه، قال: إن أدرك قبل القسمة فهو له،
-
وإن جرت فيه السهام فلا شيء له. وعن أبي عبيدة مثله. وذكر
-
1/61901/6190
سليمان ابن يسار عن زيد بن ثابت مثله.
-
وروى حماد بن سلمة عن قتادة عن خلاس أن علي بن أبي طالب قال: ما أحرزه العدو فهو جائز. وعن شريح مثله.
-
ولا يعرف لهم مخالف.
-
ولأن كل طائفتين يملك أحدهما على الأخرى بالقهر والغلبة،
-
فإن الآخر يملك على صاحبه بذلك أيضًا، أصله: الترك والروم وعكسه أهل البغي والعدل.
-
فإن نازعوا في هذا الأصل، دللنا عليه بما روي أن المغيرة بن شعبة خرج مع قوم من المشركين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم إنه استفزهم في بعض الطريق وقتلهم وأخذ مالهم، فجاء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال - صلى الله عليه وسلم -: (أما إسلامك فمقبول،
-
وأما المال فمال غدر لا حق لك فيه) . ولم يأمره برده على ورثتهم، فدل على أنه قد ملكه ملكًا محظورًا، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من أسلم على مال فهو له) .
-
ولأنه حربي يملك ماله عليه بالغلبة في داره، أصله: إذ غلب عليه المسلم.
-
وإذا ثبت هذا الأصل صح القياس عليه.
-
ولأن سبب الملك يعود إلى فعل آدمي، فجاز أن يملك به على المسلم كالشراء.
-
ولا يلزم الإرث؛ لأنه يعود إلى فعل الله تعالى.
-
ولأن هذا آكد من البيع؛ لأنه يملك به الأجزاء ويملك به من غير تراضٍ، فلما جاز أن يملك الكافر بالشراء فبالقهر أولى.
-
ولأن وجوب الرد والضمان بالتلف، وكل واحد منهما معنى يتعلق بأخذ المال،
-
فإذا لم يجب الضمان بأخذ الحربي عند التلف كذلك الرد والضمان.
-
ولا يلزم أخذ الدين؛ لأنه ليس بمال.
-
ولا يلزم الباغي؛ لأنه لا يلزمه الضمان بالتلف ويلزمه رد العين؛ عندنا يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى.
-
ولأنه مال مأخوذ على طريق القهر والغلبة، فجاز أن يتعلق به الملك،
-
1/61911/6191
أصله ما أخذه المسلمون منهم.
-
ولا يلزم ما أخذه البغاة.
-
ولأن التعليل لأخذ مال المسلم في الجملة،
-
فلا يلزمنا أعيان المواضع.
-
قالوا: المعنى فيما أخذه المسلمون بالغلبة أنه أخذ بقهر مباحٍ، وليس كذلك ما يأخذونه منا لأنه أخذ محظور.
-
قلنا: السبب المحظور يجوز أن يساوي المباح في وقوع المال، بدليل البيع الفاسد على أصلنا، وعلى الأصلين الأب إذا استولد جارية ابنه انتقلت الجارية إليه مع تعلق الحظر بالسبب،
-
وكذلك المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان فأخذ مالهم.
-
قالوا: لما جاز أن يملك المسلم بالغلبة أحرارهم وأمهات أولادهم، فكذلك لا يملكون أموالنا.
-
قلنا: لا فرق بينهما، لأنا نملك عليهم بالقهر كما نملك عليهم بالعقود، وأحرارهم وأمهات أولادهم نملك عليهم بالعقود فكذلك بالغلبة. [ولما لم تملك أحرارنا وأمهات أولادنا علينا بالعقود فكذلك لا تملك بالغلبة] .
-
قالوا: المعنى في العقود أنه يجوز أن يملك بها بعضنا على بعض، فجاز أن يملكوا بها علينا، والغلبة لا يملك بها بعضنا على بعض كذلك لا يملكون علينا.
-
قلنا: علة الأصل تبطل بالإرث؛ لأن بعضنا يملك به على بعض ولا يملكون به علينا، وعلة الفرع لا تصح؛ لأن بعضنا لا يملك على بعض بالغلبة،
-
ثم يجوز أن يملك بعضهم على بعض بها، كذلك يجوز أن يملك على بعضنا بالغلبة ويملكون علينا.
-
قالوا: أهل الحرب لو أبق إليهم عبيدنا لا يملكون، كذلك أموالنا، ولما ملكنا عبيدهم إذا أبقوا إلينا جاز أن نملك أموالهم.
-
قلنا: عندنا يملكونهم إذا أخذوهم من أيدينا؛ لأن أيدينا يتعلق بها التمليك،
-
فأما عبيدهم إذا أبقوا إلينا زالت أيدي الموالي عنهم فأخذناهم من أيدي أنفسهم وعندهم نملك عليهم ما في أيديهم من المال بالعقود كذلك بالغلبة.
-
1/61921/6192
احتجوا: بقوله تعالى: {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم} .
-
فمن على المسلمين بذلك،
-
ولو كان الكفار يملكون مثلهم لبطل الامتنان.
-
قلنا: هذا خطاب لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فموضع الامتنان أنه وجد تمكينهم من ديارهم وأموالهم،
-
ولا تمكن الكفار من أموالهم وديارهم،
-
وإن كان لو مكنهم لملكوها.
-
ويجوز أن يقال: إنه من علينا بذلك؛ لأنه يحصل لنا من وجه مباح ولا يحصل لهم مثله من وجه مباح، فهذا وجه الامتنان.
-
احتجوا: بحديث عمران بن الحصين: سبيت امرأة من الأنصار، وكانت ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أصيبت مثلها، فأفلتت ذات ليلة من الكفار ومن وثاقهم، فجعلت كلما أتت بعيرًا فمسته رغا فتركته حتى أتت الناقة فمستها فلم ترغ، فقعدت على عجزها ثم صاحت بها فانطلقت، فطلبت من ليلتها، فلم يقدر عليها، فجعلت لله عليها إن أجارها الله تعالى لتنحرنها، فقالوا: والله، لا تنحرها حتى يأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
فأتوه فأخبروه، فقال: (بئس ما جازيتها، لا وفاء لنذر في معصية،
-
ولا نذر فيما لا يملكه ابن آدم) . وأخذ ناقته.
-
فقالوا: فلو كانوا ملكوها لملكتها الأنصارية عليهم وصح نذرها فيها، فلما لم يصح؛ علم أنها لم تملكها.
-
قلنا: إن عندنا يملكون بالغلبة والحيازة إلى دارهم، وليس معنى أنهم بلغوا بالسرح إلى دارهم. وحكاية الفعل إذا احتملت سقطت، والظاهر هذا، لأنهم لو حصلوا في دارهم لتعذر على المرأة النجاة منهم.
-
قالوا: في الخبر: (فأحرزوها) .
-
قلنا: إن ثبت هذا، جاز أن يكون إلى عسكرهم وموضع نزولهم.
-
قالوا: روي: أنهم كانوا يسرحونها في السرح.
-
قلنا: هذا يكون في موضع النزول.
-
قالوا: لو كان الحكم يختلف لسألها.
-
1/61931/6193
قلنا: إذا عرف حد دار الإسلام على الموضع الذي بلغوا تقدر المدة فلا يحتاج إلى المسألة،
-
ولو ثبت أنهم أحرزوها فإنما بطل نذرها؛ لأنها نذرت في دار الحرب، وإنما ملكت لأنها تملك بالحيازة إلى دار الإسلام، فنذرها في غير ملك ولا مضاف إلى ملك فلم يلزم الوفاء به.
-
فإن قيل: لو كان كذلك، لكانت قد ملكتها وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يأخذها منها بغير قيمتها، فلما روي أنه أخذها ولم يذكر دفع القيمة دل على أنها لم تملك.
-
قلنا: لم ينقل في هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ ناقته إلا عبد الوهاب الثقفي، وليس عبد الوهاب كحماد بن زيد فتقبل زيادته عليه على طريق أصحاب الحديث، لأنهم لا يقبلون زيادة من ليس بحافظ على حافظ، وعبد الوهاب ليس بحافظ، وحماد بن زيد في أعلى درجة الحفاظ.
-
على أنه لو ثبت أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - الناقة، جاز أن يكون أعطاها قيمتها، وليس في الخبر ما ينفي ذلك.
-
قالوا: من لا يمل رقبة غيره بالقهر والغلبة، لا يملك ماله بها كالمسلم مع المسلم.
-
قلنا: لا يجوز أن يقال: لما ملك بهذا السبب ما لا يملك بالعقود لم يملك به ما يملك بالعقود بدليل الميراث، ورقابنا لا تملك بالعقود فلم تملك بالغلبة، ورقابهم تملك بالعقود فملكت بالغلبة؛ لأن أهل الحرب إذا باع بعضهم بعضًا وقد قهره صح بيعه، فلذلك يملك بالغلبة والأصل غير مسلم؛
-
لأن عندنا المسلمون يملك بعضهم على بعض بالغلبة؛ لأن من أسلم في دار الحرب ثم غلبنا على الدار غنمنا أمواله التي ليست في يده وغنمنا عقاره وإن كان في يده. والمعنى في المسلمين أن أحدهما لما لم يملك على الآخر بالقهر، لم يملك الآخر عليه، والمسلم الحربي لما ملك أحدهما على الآخر بالقهر جاز أن يملك الآخر به.
-
قالوا: قهر محظور، فوجب ألا يملك به قياسًا على غصب المسلم مال المسلم.
-
1/61941/6194
قلنا: يبطل بالمسلم إذا قاتلهم بأمان فأخذ أموالهم عصبًا، وقد دل على هذا قصة المغيرة، فمنازعتهم فيه رد للنص.
-
ولأن الأسباب المحظورة يجوز أن يقع بها الملك كالمبتاع على سوم غيره والبيع عند أذان الجمعة ووطء الأب جارية الابن إذا أعتقت.
-
فإن قيل: المحظور الوطء وذلك لا يملك به، وإنما يملك بالعلوق وهو من فعل الله تعالى فلا يوصف بالحظر.
-
قلنا: إنما يملك بالعلوق من وطئه، فالوطء أحد السببين كالإيجاب، وتم بالعلوق كما تم الإيجاب بالقبول، والمعنى في المسلمين مما قدمنا.
-
قالوا: مملوك مسلم، فلا يملك عليه بالقهر والغلبة كأم الولد والمدبر والمكاتب.
-
قلنا: قولكم مملوك لمسلم لا تأثير له؛ لأن عندكم أنهم لا يملكون أموال أهل الذمة.
-
ولأن هذه العلة نصبت لإبطال علتنا، فالواجب أن تستوفي أوصافها، وعندنا يملك بالقهر والغلبة ما يصح أن يملك بالعقود؛ لأن الخلاف بيننا في هذا السبب هل يملك به أم لا، وأم الولد لا تملك لمعنى فيها لا للسبب،
-
فلا معنى لذكرها كما لو اختلفا في عقد هل تملك به أم الولد، لم يملك به غيرها. والمعنى في أم الولد والمكاتب: أنهما لا يملكان بالعقود ولا يملكان بالقهر، وسائر الأموال تملك بالعقود، فجاز أن تملك بالقهر.
-
قالوا: مال مسلم مأخوذ قهرًا، فكان صاحبه أحق به، أصله إذا وجده قبل القسمة.
-
قلنا: قبل القسمة المال على حكم مال أهل الحرب، ولهذا يجوز للإمام أن ينفل، فجاز للمسلم أن يأخذه كما لو وجده في أبنيتهم، وبعد القسمة استقر حق المسلمين فيه، ولهذا لا يجوز النفل، فلم يجز أن يأخذه بغير عوض. أو نقول: قبل القسمة لما جاز للإمام أن يملك هذا المأخوذ بغير عوض [بأن ينفله، جاز أن يرده بغير عوض] .
-
1/61951/6195
قالوا: كل مال لو وجده قبل القسمة، أخذه بغير شيء إذا وجد بعدها أخذ بغير شيء كالعبد إذا أبق إليهم.
-
قلنا: الآبق إذا فارق دار الإسلام زالت يد المولى عنه وثبتت يده على رقبته،
-
فإذا فارق من يد يتعلق بها التمليك [لم يملكوه كما لو باع العبد رقبته بغير إذن مولاه هو مأخوذ من يد المولى وبه يتعلق بها ما حكم بالقهر] .
-
قالوا: هذا موجود في الدابة إذا ندت.
-
قلنا: لا يد لها على نفسها، فحكم يد المالك باقية عليها حتى تتجدد يد أخرى.
-
قالوا: ما خصه الإسلام عن التمليك لا يملك بالنهب،
-
[فإذا دخل دار الحرب فوجده في غير يده.
-
ولأن عندنا لا يملك بالنهب]، وإنما يملك بالغلبة والحيازة فيما يملك بالعقود، فنقول بموجب ما ذكروه.
-
ولأن الملك إذا كان يقع بالحيازة إلى الدار والمسلمان في دار واحدة والمعنى في المسلمين ما قدمنا.