مسألة ٩٢٠
التجريدHanafimasa’il 30460 to 30518
-
1/38211/3821
هبة الأب لابنه وحكم الرجوع فيها
-
قال أصحابنا: إذا وهب الأب لابنه لم يصح له الرجوع،
-
وكذلك كل ذي رحم محرم.
-
وقال الشافعي: يجوز للأب الرجوع فيما وهب لولده،
-
وكذلك الجد، وكذلك الأم والجدات.
-
لنا: ما روى حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها) .
-
1/38221/3822
ولأنه ذو رحم محرم من النسب،
-
فلا يرجع فيما وهب له كالابن إذا وهب لأبيه.
-
ولا يلزم إذا وهب لأخيه وهو أجنبي؛ لأن الأصل والفرع يستويان وإن احترزت فعل فلا يرجع فيما ملكه عليه بالهبة كالابن فيما وهب لأبيه، ولأن كل شخصين إذا وهب أحدهما الآخر لم يجز له الرجوع فيها،
-
فإذا وهب الآخر له لم يجز له أيضا كالآخرين.
-
ولا يلزم هبة العين للفقير؛ لأنه إذا وهب لا على وجه الصدقة جاز له الرجوع كما يجوز للفقير أن يرجع فيما وهب له.
-
ولأنه يعتق عليه إذا ملكه فلا يجوز له الرجوع فيما ملكه عليه بالهبة أصله: ما وهب الابن للأب.
-
احتجوا: بما روى عمرو بن شعيب عن طاووس عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا يحل لرجل أن يعطي عطية
-
1/38231/3823
أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي لولده).
-
الجواب: أن هذا الخبر تكلم عليه أصحاب الحديث وقالوا: رواه ابن جريج عن الحسين بن مسلم عن طاووس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا وهذا الطريق أحسن وأصح.
-
ولهذا قال الشافعي: لو اتصل حديث طاووس لقلت به.
-
قالوا: روى سالم عن ابن عمر قال: [سمعت عمر يقول:] من
-
1/38241/3824
وهب هبة فهو أحق بها، حتى يثاب منها بما يرضى.
-
ولو كان سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف ما سمعه من أبيه لروى ما سمعه ولا يرجع إليه،
-
ولو ثبت لم يكن فيه دليل.
-
لأنه يقتضي تحريم الرجوع في الموهوب إلا على الأب، وكان يقول: لأن الأجنبي [لا يحل له] الرجوع حتى يوافقه الموهوب له على الفسخ، أو يحكم بذلك حاكم إلا الأب فإنه يجوز أن يرجع فيأخذ ما وهبه بغير حكم،
-
ولا رضا للنفقة على نفسه عند الحاجة.
-
فقد قلنا بالظاهر وأثبتنا الفرق بين الأب والأجنبي على ظاهر الخبر.
-
فإن قيل: ليس لتخصيص الأجنبي من مال كما وهبه الأب له معنى لا يجوز له الأخذ من كل ماله.
-
قلنا: فائدة التخصيص التفريق بين الأجنبي والأب فيما وهباه.
-
احتجوا: بما روي عن النعمان بن بشير قال: ذهب بي أبي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول الله إني نحلت ابني هذا غلاما فجئت لأشهدك عليه فقال: (أكل ولدل نحلت مثل هذا؟) قال: لا فقال: النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا) .
-
1/38251/3825
وروى انه قال: (فاردده) ، وروي: (فأرجعه) ، وروي: (هذا جوز فأشهد عليه غيري) .
-
وهذا يدل على أن للوالد أن يرجع فيما وهب؛ لأنه قال: (اردده) أو قال: (أرجعه) .
-
والجواب: أن هذا الخبر اختلف في متنه فروى الشعبي عن النعمان ابن بشير بقوله: أعطاني أبي عطية فقالت أمي عمرة بنت رواحة لا أرضى حتى تشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أعطيت ابني من عمرة عطية وأني أشهدك.
-
فقال: (أكل ولد أعطيت مثل هذا) قال: لا. قال: (فاتق الله، واعدلوا بين أولادكم) .
-
وليس في هذا ذكر الرد،
-
ولا الرجوع فتعارضت الألفاظ في رواية النعمان بن بشير، وروى أبو الزبير عن جابر: قال: قالت امرأة بشير لبشير: انحل ابني غلامك وأشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول إن ابنه فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي وقالت لي: أشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (أله
-
1/38261/3826
أخوة؟ ) قال: نعم قال: (أكلهم أعطيته؟) قال: لا قال:
-
(فإن هذا لا يصلح وإني لا أشهد إلا على حق) .
-
وهذا يدل على أن مسألة بشير كانت قبل أن يفعل شيئاً، وهذا خلاف ما رواه النعمان، وحديث جابر أولى بالقبول لأنه كان حينئذ رجلاً، وكان النعمان صبياً صغيراً.
-
ولأن أمر ضبط جابر لما سمعه،
-
ولا يظن مثل ذلك بالنعمان، فالرجوع إلى رواية جابر أولى.
-
وقد روي أن النعمان خطب بالكوفة، وذكر القصة إلى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إني لا أشهد على جور) قال النعمان: فرجع أبي في وصيته، وهذا يدل على أنه كان على وجه الوصية، والرجوع عن الوصية جائز.
-
وقد أجاب أصحابنا عن هذا الخبر بأنه يحتمل أن يكون لم يقبضه؛ فلذلك يجوز له الرجوع.
-
قالوا: قوله فاردده يدل على القبض.
-
قلنا: يكون معناه: اردد العقد، وارجع عنه.
-
قالوا: النعمان كان صغيراً، لأنه أو من ولد بعد الهجرة من الأنصار ويكون الوالد قابضاً له عقب الهبة.
-
قلنا: قدي هب، ولا يصير قابضاً إذا كان العبد موهوباً أو مؤجراً، أو يجوز أن يقال أن بشيراً أراد أن يعرف الحكم، فوهب هبة لم يمضوا حتى
-
1/38271/3827
يعرف حكمها فلم يصر قابضاً لها عقب العقد؛ لأن الأب إذا قال: أنا أهب لابني الصغير هذا العبد،
-
ولا أمضي الهبة حتى أنجز لم يصر قابضاً عقب العقد، حكمه حكم من وجب لأجنبي ثم قال له: سلم الهبة وديعة لي لم يصر قابضاً بذلك ولا يملك،
-
وإذا احتمل الخبر هذا سقط التعلق به.
-
قالوا: اتفقنا على جواز الرجوع في الهبة فجوزتم ذلك للأجنبي.
-
ونحن قلنا: يجوز للأب فكان الأب أولى؛ لأن منزلة الاختصاص مع الولد ما ليس للأجنبي فإثبات الرجوع له أولى.
-
قلنا: الأب وصل رحم ابنه بهبته له، وفي عوده قطع للرحم، وليس في رجوع الأجنبي قطع الرحم، وهبة الابن حصل فيها الثواب الكامل، وذلك لا يوجد في هبة الأجنبي فلذلك اختلفا.
-
قالوا هبة لمن جعل ماله له فكان الرجوع فيها ما لم يتعلق بها حق الغير قياساً على العبد.
-
قلنا: الوصف غير مسلم؛ لأن العبد لا مال له، وإنما المال للمولى فكيف يقال جعل ماله له، ومال الابن لم يجعل مال الأب، وإنما يثبت التصرف فيه عند الحاجة،
-
فأما غير ذلك فلا، والمعنى في العبد أن الهبة لم تخرج من ملكه فصارت كهبة الأب قبل القبض.
-
[وأما هبة الابن فقد ملكها وحصل له صلة الرحم الكامل فصار كهبة الابن للأب] .
-
1/38281/3828
قالوا: كلما يتشرط فيه الإحسان من حكم الهبة فإنه يجوز للأب أن يختص به في ولد قياساً على الإيجاب والقبول ..
-
قلنا: نقلب فنقول فحكم الأب مع ولده فيه حكم الأخ مع أخيه، أصله: الإيجاب والقبول؛ لأن قبوله قائم مقام قبول ابنه.
-
[ولو قيل الابن جاز فكذلك الأب ولا يجوز أن يقوم مقام ابنه] في الفسخ.
-
لأن الابن الصغير لو فسخ لم يصح، فكذلك الأب إذا قام مقامه،
-
وإن كان الابن كبيراً،
-
ولا ولاية عليه فلا يقوم فسخه مقام فسخ الابن.