مسألة ١١٩
التجريدHanafimasa’il 3820 to 3854
-
1/5341/534
إذا سجد على أنفه دون جبهته جاز
-
قال أبو حنيفة: إذا سجد على أنفه دون جبهته جاز.
-
وقالا: لا يجوز مع القدرة. وهو قول الشافعي.
-
لنا: قوله تعالى {اركعوا واسجدوا} فظاهره يقتضي وجوب ما يسمى سجودا، وذلك موجود وإن لم يضع جبهته؛ لأن السجود هو الالتصاق بالأرض، يقال: سجد البعير إذا وضع جرانه على الأرض، ولأنه موضوع للسجود في الوجه، فصار كجانب الجبهة.
-
ولا يقال: إن قلتم لمسنون السجود لم يوجد في الأصل،
-
وإن قلتم لمفروضه، لم نسلم في الفرع؛ لأنا نريد [أنه] قد شرع السجود عليه،
-
ولا يعني شيئا مما ذكروه.
-
قالوا: المعنى في الجبهة أنه يسقط فرض السجود بها، وليس كذلك الأنف؛ لأنه يسقط فرض السجود بغيره، فلم يجز الاقتصار عليه.
-
1/5351/535
قلنا: على الفرع تبطل بجوانب الجبهة؛ لأن كل جزء منها يسقط الفرض بغيره،
-
ولو اقتصر عليه جاز. ولأن الأنف والجبهة عظم واحد،
-
فإذا جاز الاقتصار في السجود على أحد جانبيه جاز على الآخر، ولأن من كان بجبهته عذر انتقل فرض السجود إلى أنفه،
-
فلو لم يكن محلا للفرض في الأصل لم ينتقل إليه الفرض، كالخد والذقن، وطرده جوانب الجبهة.
-
قالوا: لا ينتقل الفرض إليه، وإنما يلزمه أن يقرب جبهته في الأرض غاية التقريب وذلك لا يمكن إلا بإلصاق انفه من الأرض؛ فلذلك لزمه،
-
ولو أمكن تقريب الجبهة من غير إلصاق الأنف بأن تقابل أنفه حفره جاز.
-
قلنا: الدليل على أن الفرض ينتقل إلى الأنف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجرى الجبهة والأنف في السجود مجرى واحدا، بقوله: (مكن جبهتك وأنفك من الأرض) وروى عكرمة قال: مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رجل ساجد لا يضع أنفه على الأرض، فقال: (من صلى صلاة لا يصيب/ أنفه ما يصيب الجبين لم تقبل صلاته) ،
-
وإذا تعلق فرض السجود بهما ثم عجز عن أحدهما لم يسقط عن الأخر، كجوانب الجبهة.
-
احتجوا: بحديث ابن عباس قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسجد على سبع: يديه، وركبتيه، وأطراف أصابعه، وجبهته. فحصر السجود بالجبهة.
-
1/5361/536
قالوا: وروى رفاعة بن رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ... إلى أن قال:
-
ثم يسجد فيمكن جبهته من الأرض) .
-
والجواب: أن العباس وسعدا رويا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (أمرت أن اسجد على سبعة أعظم) فذكر الوجه؛ وهذا يدل على مساواة غير الجبين له، وهو زائد، فالرجوع إليه أولى.
-
وقد روي عن طاووس [أنه قال] في هذا الخبر: الأنف والجبين عظم واحد. ولأن خبرهم يقتضي السجود على الجبهة ولا ينفي غيره، وخبرنا يقتضي وجوب الأنف، فوجب الجمع بينهما.
-
ولا يقال: إن خبركم يقتضي وجوب السجود على جميع الوجه، وذلك لا يجب باتفاق، فليس لكم أن تحملوه على وجوب الأنف إلا ولنا أن نحمله على وجوب الجبهة؛ لأنا نحمله على وجوب الجبهة والأنف وقيام كل واحد منهما مقام الآخر، وهذا أولى؛
-
لأنه أقرب إلى الظاهر.
-
ولا يقال: خبركم ذكر فيه الوجه مجملا، وخبرنا فسر فيه الواجب من الوجه؛ لأن خبرنا ذكر فيه جميع ما يتعلق به حكم السجود، وخبرهم فيه بعض ذلك، فالرجوع إلى خبرنا أولى.
-
قالوا: اختلف التابعون على وجهين: منهم من قال: السجود على الجبهة
-
1/5371/537
واجب دون الأنف، ومنهم من قال: يجب عليهما.
-
فمن قال: يجب على الأنف دون الجبهة خالف إجماعهم.
-
قلنا: إجماع التابعين لا يحتج به على أبي حنيفة؛ لأن خلافه معتد به عليهم. ولأن من قال بوجوب السجدة على الجبهة لم ينقل عنه أن الأنف لا يقوم مقامها، فلم يجز إثبات مذهب لهم بالاستدلال.
-
قالوا: جاز بالسجود على الجبهة مع القدرة عليه فلم تجز صلاته، كما لو سجد على خده.
-
قلنا: شرط القدرة لا تأثير له في الأصل؛ لأنه لا يجوز السجود على الخد مع العجز والقدرة، ولأن الخد لم يشرع السجود عليه، فلم يجز الاقتصار عليه، ولما كان الأنف قد شرع السجود عليه في الوجه جاز الاقتصار عليه.
-
قالوا: فرض يتعلق بالجبهة فلم يجز إقامة غيره مقامه، كالطهارة.
-
قلنا: نقلب هذه العلة فنقول: فاستوى فيه الأنف والجبهة، كالطهارة. ولأن كحل الطهارة لا يقوم بعضه مقام بعض، ومحل السجود يجوز الاقتصار على بعضه، بدلالة جوانب الجهة.
-
قالوا: عضو هو محل لفرض السجود فلم يقم عضو آخر مقامه في الفرض، قياسا على سائر أعضاء السجود.
-
قلنا: الأنف والجبهة عضو واحد في باب السجود،
-
وإذا اقتصر [على] أحدهما فلم يقم عضو مقام عضو، بل اقتصر على بعض محل السجود، وبمثل ذلك يجوز في سائر الأعضاء؛ لأنه لو اقتصر على كفه أو بعض أصابع رجله جاز.