مسألة ٤٦١
التجريدHanafimasa’il 14158 to 14295
-
1/18331/1833
يجوز للمحرم أن يزوج، ويتزوج
-
قال أصحابنا: يجوز للمحرم أن يُزوَّج، ويتزوج.
-
وقال الشافعي: لا يجوز أن يتزوج،
-
ولا يزوج وليته، ولا يكون وكيلاً للولي ولا للزوج، ولا يوكل بالتزويج.
-
وإذا زوج الإمام بالإمامة، فله فيه وجهان، الصحيح من المذهب: أنه يجوز أن يكون شاهدًا.
-
ومن أصحابه من قال: لا تنعقد شهادته.
-
ويجوز أن يراجع قولاً واحدًا.
-
ولو وكل المحرم من يزوجه فزوجه بعد ما تحلل جاز. لنا: قوله تعالى:
-
1/18341/1834
{وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم} . وقال تعالى: {فأنكحوا ما طاب لكم من النساء} /. وروى مسروق، عن عائشة رضي الله عنهما: قالت: (تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعض نسائه، وهو محرم) . روى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس - رضي الله عنه -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة بنت الحارث، وهو محرم) .
-
فإن قيل: روى سليمان بن يسار، عن ابي رافع، قال: (تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال وكنت أنا الرسول بينهما) .
-
وروى يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة عنها قالت: (تزوجني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسَرِفَ، ونحن حلالان) .
-
قالوا: وروى ميمون بن مهران، عن صفية بنت شيبة (أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
-
1/18351/1835
ملك ميمونة وهو حلال، وخطبها وهي حلال).
-
قلنا: حديث عائشة، وأبي هريرة رضي الله عنهما، ليس فيه ذكر ميمونة فيعارضه ما يقولونه، وإنما هذا من حديث ابن عباس، وحديثه أثبت من حديث يزيد بن الأصم، وأبي رافع؛ لأن سليمان بن يسار لم يلق أبا رافع، مات أبو رافع في خلافة عثمان، وسن سليمان لا يحتمل أن يشاهده.
-
وروى مالك ابن أنس، عن سليمان بن يسار: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا رافع مولاه، ورجلا من الأنصار، فزوجاه ميمونة، وهو بالمدينة قبل أن يخرج، فهذا مالك يرويه موقوفًا، ويرويه مرفوعًا مطر الوراق، وليس هو في منزلته في الضبط والإتقان.
-
وأما حديث يزيد بن الأصم، عن ميمونة، فأصله: عن يزيد بن الأصم: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو حلال) ، وليس فيه: عن ميمون بن
-
1/18361/1836
مهران، وهو أعلم الناس بالحديث، يعني: بحديثه.
-
وروى عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس - رضي الله عنه -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة، وهو محرم، قال عمرو: فحدثني ابن شهاب عن يزيد بن الأصم: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نكح ميمونة، وهي خالته، وهو حلال) ، قال عمرو: فقلت للزهري وما يدري يزيد بن الأصم؟
-
أعرابي بوَّال على عقبيه، أتجعله مثل ابن عباس؟)، فلم ينكر الزهري ذلك،
-
ولا رفعه عنه، فكيف يجوز أن يقابل بهذه الأحاديث حديث ابن عباس وعائشة؟.
-
أما حديث صفية بنت شيبة:
-
فلا يعرف، ولا يرويه ميمون بن مهران عنها، وإنما يرويه عن يزيد.
-
قالوا: وقد روى مطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس، وعائشة - رضي الله عنهم -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو حلال) .
-
قلنا: رواه سلام أبو المنذر، عن مطر الوراق وسلام متروك الحديث.
-
قالوا: ذكر أبو داود عن سعيد بن المسيب: أن ابن عباس وهم في الحديث.
-
قلنا: لا يقبل هذا من ابن المسيب،
-
فإن رتبة ابن عباس فوق هذا.
-
1/18371/1837
وكيف هذا وهو لما رد على ابن عمر قوله: (إن المحرم لا يزوج) ، روى هذا الخبر محتجًّا به عليه، وقد وافقته عليه عائشة، ووافقها أبو هريرة.
-
وقد روى هذا الحديث سعيد بن جبير، وطاووس، وجابر بن زيد، وهم فقهاء يحتج بقولهم، ورواه عن هؤلاء أئمة، مثل: عمرو بن دينار، وأبو أيوب السجستاني، وعبد الله بن أبي نجيح، وأبان بن صالح،
-
ثم لو تساوت الروايات كان ما ذكرناه أولى؛ لأن ابن عباس، وعائشة أضبط من يزيد بن الأصم، وحديث أبي رافع غير متصل، والحديث عن ميمونة لا يصح، وإنما هو عن يزيد، وقد بينا كلام عمرو بن دينار عليه.
-
فإن قيل: ابن عباس كان في ذلك الوقت صبيًّا، والرجوع إلى رواية الرجال أولى.
-
قلنا: لم يرجح أحد رواية الكبير على رواية الصغير؛ لأنه يضبط ما يشاهده، وما لكم تقولون إذا احتججتم بحديثه في التشهد وفي تفسير القرآن؟ كيف وقد انضم إليه رواية عائشة وأبي هريرة؟.
-
قالوا: أبو رافع كان السفير بينهما.
-
قلنا: الرسول يكون أعلم بالرسالة من غيره،
-
فأما بصفات المرسل فلا، وأبو رافع يجوز أن يكون فارق النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حلال، فأحرم بعده،
-
فمن كان معه وقد فارقه أعلم بحاله.
-
قالوا: فميمونة أعرف؛ لأنها هي المعقود عليها.
-
قلنا: قد بينا أن الحديث لا يصح عنها، ويبين ذلك: ما روي أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى ميمون بن مهران، يأمره أن يسأل يزيد بن الأصم عن ذلك،
-
1/18381/1838
فقال يزيد: (تزوجها وهو حلال) ، فقال عطاء: (ما كنا نأخذ هذا إلا عن ميمونة، وكنا نسمع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهو محرم) ،
-
فلو كان الحديث عند يزيد بن الأصم عن ميمونة، لذكره عطاء حين قال: (ما كنا نأخذ إلا عنها) .
-
قالوا: وقد روى مالك بن أنس، عن سليمان بن يسار: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا رافع ورجلاً من الأنصار، فزوجاه ميمونة قبل أن يخرج من المدينة) ، ومعلوم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أحرم قط إلا من الميقات بذي الحليفة، فعلم: أنه خفي على ابن عباس - رضي الله عنه - وقت العقد.
-
قلنا: ففي حديث يزيد بن الأصم الذي رجعتم إليه عن ميمونة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج بها بِسَرِفَ، وهو بقرب مكة، وهو كان لا يؤخر الإحرام عن الميقات، فعلم: أنه كان محرمًا، فيجوز أن يكون إيفاد النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة، والعقد وقع بعد مسيرة منها، وحصوله بِسَرِفَ،
-
ثم إن خبرنا أولى؛ [لأن راوينا عرف الإحرام عند العقد، ولم يعرف ذلك راويهم، فالمثبت أولى] ،
-
ويجوز أن يكون عقد عليها عقدين، أحدهما بعد الآخر، صادف أحد العقدين: الإحرام، والآخر: الإحلال؛ ولأن هذا: من أثبت الإحرام عند العقد استفيد بروايته، حكم شيء محرم، لا يستفاد بالخبر الآخر حكمه، وما استفيد به حكم أولى.
-
قال مخالفونا: ما نقلتموه محمول على اعتقاد الراوي، أنه كان محرمًا،
-
1/18391/1839
فإن ابن عباس ذهب إلى: أن من قلد الهدي صار محرمًا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلد الهدي بالمدينة، واعتقد: أنه كان محرمًا بالتقليد.
-
قلنا: ابن عباس اعتقد: أن من قلد اجتنب ما يجتنبه المحرم،
-
فأما أن يقول: إنه محرم فلا.
-
ثم قد علم أن ابن عباس ما خالف غيره في هذه المسألة، وإنما هي مسألة اجتهاد، فكيف يقطع بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتقد ما يعتقده هو،
-
ثم هو احتج على ابن عمر بهذا الحديث مع علمه أن ابن عمر يخالفه في التقليد.
-
قالوا: رويتم: أنه فعل، وروينا: أنه نهى،
-
فإذا ثبت لكم الفعل، فيكون هو مختصًا به.
-
قلنا: الصحابة رجعوا في هذا الحكم إلى قوله وفعله هل كان حلالاً أو حرامًا؟، فدل: أنهم اعتقدوا أن حكم غيره وحكمه سواء في ذلك.
-
ولأنا لا نعلم أن نهيه بعد فعله، فيجوز أن يكون فعل بعد ما نهى عنه، فيكون ناسخًا لما قالوا في استقبال القبلة: إنه لما حول مقعدته بعد ما نهى، كان ذلك نسخًا للتوجه في البيوت.
-
قالوا: من روى أنه كان حلالاً أولى؛ لأنه يفيد أنه تحلل من إحرامه.
-
قلنا: هذا غلط؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من العمرة بمكة، أراد أن يولم لتزويج ميمونة، فمنعته قريش من ذلك، فكيف يحمل الخبر على المحلل من الإحرام عند العقد؟.
-
1/18401/1840
قالوا: من نقل أنه كان حلالاً نقل العقد وسببه؛ لأن صحة العقد تتعلق بالإحلال.
-
ومن روى: أنه كان محرمًا، لم ينقل سبب العقد؛ لأن جوازه لم يكونه محرمًا.
-
قلنا: لا نسلم أن الإحلال سبب لجواز العقد، وهو جائز عندنا في حالتي الإحرام والإحلال.
-
قالوا: من روى: أنه كان محرمًا، وكيف كان يحتج ابن عباس به على ابن عمر ويقابله بمثله؟، فيقول من روى: أنه كان حلالاً، أي أنه كان في الحل.
-
ومن روى: أنه كان محرمًا، يعني: أنه كان عقد الإحرام فقط هذا،
-
ومن طريق المعنى هو: أن هذه عبادة لا تمنع الرجعة،
-
فلا تمنع ابتداء التزويج، كالصوم والاعتكاف.
-
قالوا: المعنى في الصوم: أنه لا يمنع دواعي الجماع.
-
قلنا: الاعتكاف يمنع دواعي الجماع،
-
ولا يمنع العقد، والصلاة تمنع وتحرم دواعي الجماع،
-
ولا تمنع النكاح؛ ولأن كل حالة جاز أن يعقد فيها البيع، جاز أن يعقد فيها النكاح، كحال الإحلال.
-
ولا يلزم من له أربع نسوة حال العقد؛ لأنه يعقد في هذه الحالة لغيره.
-
ولأنه يجوز له شراء الجارية للوطء: فجاز أن يتزوج، كالحلال. أو سبب يتوصل به إلى استباحة الوطء، كشراء الجارية، واستبرائها، ومسها.
-
فإن قيل: الشراء يقصد به ملك الرقبة والإحرام لا يمنع منه، والنكاح يقصد منه تملك الاستباحة والإحرام يمنع منها.
-
قلنا: لا فرق بينهما،
-
فإن البيع يملك به الرقبة ويستبيحها بالملك،
-
1/18411/1841
والنكاح يملك به الاستباحة، ويستوفى بالملك، والإحرام لا ينافي ملكه الرقبة،
-
ولا يملك الاستباحة، ويمنع من الاستمتاع بهما فاستويا.
-
ولأنه نوع عقد، فلم يمنع الإحرام، كعقد البيع،
-
ولا يلزم شراء الصيد؛ لأنه بعض النوع.
-
قالوا: المعنى في البيع: أن الإحرام لا يمنع من استيفاء مقاصده؛ لأن المقصود منه التملك، بدلالة: أن يشترى ممن لا يحل له، والنكاح يمنع الإحرام استيفاء مقاصده.
-
قلنا: المقصود بالنكاح استيفاء الاستباحة؛ بدلالة أنه يتزوج الطفلة، والإحرام ينفي أحدهما دون الآخر، كما أن المقصود بالشراء الملك والانتفع بالمملوك، والإحرام يمنع أحدهما فلا يمنع الآخر.
-
وعلة الفرع تبطل بالرجعة؛ لأن الإحرام ينافي مقاصدها، ولا يمنع نفسها.
-
: البيوع لا يقع فيها التحريم؛ بدلالة أنه يشتري من لا يحل له وطؤها، فلهذا لم يمنع الآخر، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن النكاح يمنع منه التحريم، بدليل: أنه لا يتزوج من لا تحل له، فلهذا يمنع الإحرام.
-
قلنا: البيع قد يؤثر فيه التحريم؛ بدلالة الخمر والخنزير، والنكاح لا يمنعه التحريم، بدلالة تزويج الحائض والصائم والمعتكف.
-
ولأن الولاية شرط من شرائط النكاح:
-
فلا ينفيه الإحرام، كالشهادة، وهذا أصل مجمع عليه، وإنما خالف فيه الاصطخري، وخلافه لا يعتد به على الإجماع.
-
1/18421/1842
قالوا: الشاهد ليس له فعل في العقد في حال إحرامه، ومع ذلك فلا يجوز، والصغيرة المحرمة لا يجوز تزويجها، وليس لها في العقد فعل؛ ولأن من جاز أن ينعقد النكاح بشهادته: جاز أن ينعقد النكاح، كالحلال.
-
احتجوا بما روى مالك، عن نافع، عن نبيه بن وهب عن أبان بن عثمان، عن عثمان بن عفان [- رضي الله عنه -] عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح فيها أن ينكح أو ينكح غيره) .
-
قلنا: نبيه بن وهب لا يجري مجرى الفقهاء الذين رفعوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعن ابن عباس - رضي الله عنه -،
-
فلا يعارض برواية مثله رواياتهم،
-
ولا له موضع في العلم،
-
ولا أخرجه أحد في الصحيح، وكان الرجوع إلى ما قاله الفقهاء وأئمة الحديث أولى.
-
على أن حقيقة النكاح الوطء لكنه يقضى، كأنه قال: لا يطأ المحرم،
-
ولا تمكن المحرمة من نفسها لتوطأ، والتمكين في الوطء النكاح، وقال الشاعر:
-
1/18431/1843
ومن أيم قد أنكحتها رماحنا
-
فإن قيل: ففي الخبر: (ولا يخطب) .
-
قلنا: لا يلتمس الوطء ولا يراجع بذكره، فسمى فعله خطبة، كما سمى المراجعة في ذكر العقد خطبة.
-
فإن قيل: النكاح في الشرع: هو العقد؛ قال الله تعالى: {فأنكحوا ما طاب لكم من النساء} .
-
قلنا: وقد عبر بالنكاح عن الوطء؛ قال الله تعالى: {والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك} .
-
فإن قيل: الاسم يتناولها، فيجب أن يحمل عليها.
-
قلنا: لا يجوز أن يحمل على العقد، وقد عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حال الإحرام، فلم يبق إلا أن يحمل على الوطء.
-
قالوا: فقد روى أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يتزوج المحرم، ولا يزوج) .
-
قلنا: رواه أبان بن أبي عياش، عن أنس - رضي الله عنه -، وقال شعبة: لأن
-
1/18441/1844
أزني سبعين مرة أحب إلي من أن أروي عن أبان.
-
ومن أصحابنا من قال: الخبر محمول على العقد إذا لم تدعه نفسه إلى الوطء ولا يحل له، كما أن القبلة في حال الصوم محرمة على من لا يأمن على نفسه؛ ولهذا عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛
-
لأنه أمن على نفسه، وهذا كما قالت عائشة: (وأيكم أملك لإربه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) .
-
ومنهم من قال: إن الخبر أن المحرم يجب أن يكون تشاغله بالعبادة يمنعه من تشاغله بالنكاح. وهو كقوله عليه الصلاة والسلام: (المحرم الأشعث الأغبر) .
-
ومعلوم: أنه لا يحرم الغسل عليه وإن أزال ذلك شعثه، [لكن تشاغله بالعبادة يمنعه من إزالة شعثه] .
-
وقد ذكر الدارقطني أخبارًا لا يتشاغل بمثلها، لكن ذكرناها لتعلم صورتها، فمنها: حديث عكرمة بن خالد، قال: (سألت عبد الله بن عمر عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل، وهو خارج من مكة وأراد أن يعتمر أو يحج، فقال:
-
1/18451/1845
لا تتزوجها وأنت محرم، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك)، رواه ابن عتبة قاضي اليمامة، وهو ضعيف.
-
وذكر حديث نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (المحرم لا ينكح [ولا ينكح ولا يخطب] ،
-
ولا يخطب على غيره) رواه الضحالك بن عثمان الحزامي، عن نافع، وهو ضعيف، وقد شك في إسناده.
-
والعجب من الدارقطني وهو أعلم بهذه الأحاديث،
-
وأن هذه الأحاديث لا يلتفت إليها،
-
ولا يخرج مثلها، يرويها ويمسك عن الطعن فيها تلبيسًا على من يعني بقوله،
-
ولا يكشف ما مورده.
-
قالوا: روى مثل قولنا عن عمر، وعلي، وابن عمر، ويزيد بن ثابت،
-
1/18461/1846
ولا مخالف لهم.
-
قلنا: روى جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم (أن ابن مسعود كان لا يرى بأسًا أن يتزوج المحرم) .
-
[وروى عطاء، عن ابن عباس - رضي الله عنه -: (أنه كان لا يرى بأسًا أن يتزوج المحرمان) ]، وروى ابن أبي فديك، عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، قال: سألت أنس بن مالك عن نكاح المحرم، فقال: (وما بأس به، وهل هو إلا كالبيع) .
-
قالوا: معنى يثبت به تحريم المصاهرة: فوجب أن يمنع منه الإحرام، كالوطء بملك اليمين، أو بالشبهة، أو بنكاح فاسد.
-
قلنا: ذلك الفعل، فلا يعتبر أحدهما بالآخر؛
-
فإن وطء الجارية محرم،
-
ولا يحرم العقد عليها، وإيقاع الفعل في الطيب والمحيط ممنوع منه،
-
ولا يحرم العقد عليهما، كذلك في مسألتنا.
-
ولأن الوطء بجنسه في إفساد العبادة، فلذلك منع منه فيها، والنكاح نوع عقد ليس له مدخل في إفساد ما دخل عليه، فصار كعقد البيع والإجارة.
-
قالوا: عبادة تحرم الوطء والطيب: فوجب أن تمنع النكاح، كالعدة.
-
قلنا: الوصف غير مؤثر في الأصل،
-
فإن العدة التي تحرم الطيب والتي لا تحرمه، هي وعدة الرجعة سواء في تحريم النكاح.
-
1/18471/1847
وقد عدل بعضهم عن هذا الوصف، فقالوا: محرمة الوطء، والقبلة، فوجب أن لا يحل عقد النكاح عليها، أصله: المعتدة.
-
وهذا يبطل بالمصلية، والمعتكفة.
-
ثم المعنى في المعتدة: أن المعقود عليها على حكم ملك غيرها، فلم يجز عقده عليها، كما لا يجوز بيع الرهن، وفي مسألتنا: لم يتعلق بالمعقود عليها حق غير العاقد، فصارت قبل الإحرام كهي بعده.
-
قالوا: العقد من دواعي الجماع: فوجب أن يمنع الإحرام منه، كاللمس للشهوة والقبلة.
-
قلنا: يبطل بشراء الجارية؛ ولأن اللمس والقبلة استمتاع والإحرام يحرم الاستمتاع، والعقد ليس باستمتاع، وإنما هو تملك لما دونه يستمتع به، فصار كشراء الطيب.
-
فإن قالوا: المقصود بالنكاح الاستمتاع، والنكاح مقصوده هذا، والإحرام يمنع الاستباحة والاستمتاع: فوجب أن يمنع العقد؛ أصله: الصيد.
-
قلنا: يبطل بشراء الطيب والجارية.
-
فإن قالوا: المقصود من شراء الطيب الملك.
-
قلنا: والمقصود من النكاح الملك، ببدلالة أنه يعقد على من لا يصح الاستمتاع بها، وهي الصغيرة.
-
ثم المعنى في الصيد: أن عقد البيع لا يتم إلا بالقبض، والصيد لا يصح قبضه عقيب العقد، فلم يصح العقد عليه، والنكاح لا يقف صحته على القبض،
-
ولا الاستمتاع عقيب العقد، بدلالة نكاح الصغيرة.
-
ولأن الصيد منع من إيقاع الفعل في حال الإحرام من جميع الجهات، فمنع من العقد عليه، والمرأة لم يمنع من إيقاع الفعل فيها بكل وجه، بدلالة: أنه يجوز أن يقبلها ويلمسها بغير شهوة ويسافر بها/ ويرفعها إلى الراحلة ويحطها، فصارت كالطيب الذي لا يمنع من إيقاع الفعل فيه من كل وجه، فيجوز العقد عليها.