مسألة ١١٣٧
التجريدHanafimasa’il 37986 to 38059
-
1/48691/4869
إذا قال لامرأته أنت طالق ينوي ثلاثًا
-
قال أصحابنا: إذا قال لامرأته أنت طالق ينوي ثلاثًا، [لم يقع إلا واحدة،
-
وقال الشافعي: يقع ثلاثًا].
-
لنا: قوله تعالى: (الطلق مرتان فإمساك بمعروف) . ولم يفصل بين أن ينوي الثلاث، أو لم ينو،
-
وروي أن ابن عمر طلق امرأته في الحيض، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها،
-
[ثم ليطلقها طاهرًا، أو حاملًا] ، ولم يستحلفه أنه لم يرد ثلاثًا،
-
ولو احتمل اللفظ ذلك استحلفه، كما استحلف ركانة في البتة بالله ما أردت إلا واحدة.
-
ولأن قوله: أنت طالق، يقتضي طلقة واحدة، بدلالة إجماعهم على أنه إذا لم ينو شيئًا كانت واحدة.
-
وزعم الشافعي: أن اللفظ مشترك في تناول الواحدة والثلاث، ولابد لمدعي ذلك من دلالة إما شرعية،
-
وإما لغوية. فأما نحن فقد حملنا اللفظ على ما اتفقنا على تناوله.
-
1/48701/4870
ولأن قوله أنت طالق صريح، والنية لا تسلط على الصريح، فتصرفه من وجه إلى وجه،
-
وإذا سقطت النية، فكأنه أطلق اللفظ ولأنه صريح في الإيقاع،
-
[فإذا نوى به العدد لم يقع كمن قال] : أنت علي كظهر أمي، ونوى ظهارين.
-
ولا يلزم إذا قال: أنت الطلاق، لأن هذا ليس بصريح في الإيقاع عندنا.
-
ولا يلزم إذا قال: طلقي نفسك، لأنه أمر، وليس بصريح إيقاع ولأن ما لا يقع بإطلاق قوله: أنت طالق، لا يقع به، وبالنية، كالواحدة البائنة ولأن البينونة أقرب إلى صريح الطلاق من الثلاث، لأن الواحدة تصير بائنة بمضي المدة،
-
ولا تصير ثلاثًا أبدًا،
-
فإذا لم تعمل نيته في إيقاع البينونة بهذا اللفظ فلأن لا تقع الثلاث أولى ولأن الثلاث أحد نوعي البينونة،
-
فلا يقع بقوله: أنت طالق وإن نوى كالواحدة البائنة.
-
1/48711/4871
احتجوا بأن قوله: أنت طالق اسم فاعل يقال: طلقت وهي طالق، كما يقال: حاضت فهي حائض، وحملت فهي حامل، وخرج فهو خارج، وضرب فهو ضارب، واسم الفاعل يتضمن العدد، فدل ذلك على أنه يحسن أن يفسره بما شاء من المصادر.
-
فنقول: أنت طالق تطليقة واحدة، وتطليقتين، وثلاث تطليقات، كما يقول: أنت ضارب ضربة، وضربتين، وثلاث ضربات. وما يقال من العدد الذي لا يحصى.
-
ولو كان الاسم لا يحتمل العدد، لم يحسن أن يفسر به.
-
قلنا: إذا سلمنا أن طالق اسم فاعل على اختلاف فيه، لم نسلم أنه يتضمن العدد،
-
فإذا قال: أنت طالق مرتين فهذا ظرف زمان فإذا العدد بالمعنى لأن التقدير أنت طالق في زمانين، والفعل الواحد لا يكون في زمانين، فثبت أن التطليقتين من طريق المعنى.
-
فإذا قال: تطليقتين، فهذا مصدر وليس بعدد.
-
فإذا قال: ثنتين، احتمل أن يكون ظرف زمان، واحتمل أن يكون صفة المصدر، ويكون تقديره: أنت طالق [تطليقتين ثنتين،
-
فإن قال: ثلاثًا، احتمل أن يكون ظرف زمان، واحتمل أن يكون صفة المصدر فتقديره أنت طالق] ثلاثًا.
-
قالوا: لما حسن التفسير بالثلاث في قوله: أنت طالق ثلاثًا. دل على أنه يتضمن العدد.
-
1/48721/4872
قلنا: هذا غلط، لأن قوله (ثلاثًا) ليس بتفسير وإنما هو صفة للمصدر أو ظرف زمان، فكأنه قال: أنت طالق في ثلاثة أزمان وهذا يدل على أن ذلك التفسير إنما يكون بعدد مبهم تقدم. تقول: عندي عشرون، فيحتمل الدراهم، والدنانير، فتقول: درهما يتبين به ذلك المبهم.
-
وقوله: أنت طالق ليس بمبهم، وإنما هو كلام مفهوم،
-
فلا معنى للتفسير، ويدل عليه ما قالوا: إن التفسير لا يكون إلا في نكرة ولا يدخل فيه الألف واللام تقول: عشرون رجلًا،
-
ولا تقول عشرون الرجل.
-
فلما صح أن تقول: أنت طالق ثلاثًا، وأنت طالق الثلاث، علم أنه ليس بتفسير.
-
ويدل عليه أنهم قالوا: التفسير تدخل عليه من، ويكون المعنى في دخولها/ كالمعنى مع عدمها تقول: عشرون درهمًا وعشرون من الدراهم يا حبذا جبل الريان [من جبل] .
-
فكأنه قال: يا حبذا جبل الريان جبلًا ومعلوم أنه لو قال: أنت طالق من الثلاث لم يفد ذلك ما يفيده قوله: أنت طالق ثلاثًا. فعلم أن ذلك ليس بتفسير.
-
قالوا: لو قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا، وقعت ثلاث تطليقات،
-
ولا يجوز أن يقع بقوله: أنت طالق، لأنه لا يجوز أن يقع عليها الطلاق بلفظ بعد لفظ. ألا ترى: أنه لو قال لها: أنت طالق وطالق، وقعت الأولى ولم تقع الثانية.
-
قلنا: إذا قال: أنت طالق ثلاثًا وقع بهذه الجملة الثلاث وليس إذا دل
-
1/48731/4873
اللفظ على الثلاث بانضمام لفظ آخر إليه يدل على أنه يتضمنه.
-
ألا ترى: أن قولنا: عشرة إلا واحدًا يفيد تسعة لانضمام الاستثناء إليه.
-
ولا يدل ذلك على أن اللفظ يتضمنه قبل القرينة.
-
فأما غير المدخول بها، فإنما وقع عليها الثلاث بقوله: أنت طالق ثلاثًا، لأنها جملة واحدة تنعقد لفائدة بجميعها،
-
فلا يتعلق ببعضها، فإذا كان ذلك وقع الوقوع على تمام الكلام، ولم يقع ببعضه دون بعض وليس كذلك قوله أنت طالق، وطالق لأنهما جملتان كل واحدة منهما مفيدة، فتقع الأولى قبل الثانية.
-
ولهذا قال أصحابنا: فيمن أراد أن يقول: أنت طالق ثلاثًا، فلما قال: طالق مات قبل ذكر الثلاث لم يقع عليها شيء لأن الوقوع يكون عند تمام الجملة.
-
قالوا: كل لفظ لو أضافه إلى الزوجة ملكت إيقاع الثلاث بها، [وجب أن يملك هو إيقاع الثلاث بها] كقوله: أنت بائن، وأبيني نفسك.
-
قلنا: هذا يبطل بلفظ الخيار، لأنه إذا قال لها: اختاري ينوي ثلاثًا ملكت إيقاع الثلاث بهذا اللفظ عندهم،
-
ولو أوقع الزوج عليها بقولها: اخترت لم يقع ولأنه إذا (فوض) إليها فقد أمرها، والأمر يحتمل العدد فإذا أوقع
-
1/48741/4874
فقد وصف والوصف لا يتضمن العدد على ما بينا، والمعنى في قوله: أنت بائن. أنه إيقاع بينونة وهي على ضربين،
-
فإن نوى الثلاث فقد أراد أحد النوعين، فيحمل على ذلك،
-
فأما أن يقع من حيث العدد فلا.
-
ولأن قوله: أنت باين كناية، والكنايات تتسلط النية عليها فتصرفها من وجه إلى وجه، لأن أصل وقوعها يقف على النية، فكذلك كيفية الوقوع وأما الصريح،
-
فلا تسلط النية عليه لأن ابتداء وقوعه لا يقف عليها،
-
فلا يتصرف بها من وجه إلى وجه.
-
قالوا: كل لفظة صح استعمالها في المطلقة الواحدة، صح استعمالها في الثلاث، كقوله: [أنت خلية وأنت بائن.
-
قلنا: الخلية، والبائن لا يصح استعمالهما في الثلاث] عندنا وإنما نستعملها في البينونة العظمى، فتتبع البينونة العدد الذي يفتقر إليه، ويصير ذلك مضمرًا في الإيقاع فكأنه قال: بائن بالثلاث.
-
[وقوله: أنت طالق، لا يتضمن بينونة، حتى يصح أن يحصل على الثلاث] .
-
قالوا: لو اقترن به ذكر الثلاث وقع به ثلاث تطليقات،
-
فإذا اقترن به نية الثلاث وجب أن يقع به ثلاث تطليقات، كما لو قال: أنت بائن.
-
قلنا: لا نسلم أن الثلاث إذا اقترن بها طالق، وقعت الثلاث، كقوله:
-
1/48751/4875
أنت طالق، وإنما يقع بجملة الكلام ولأنه ليس إذا أفاد اللفظ معنى بانضمام غيره إليه، أفاده بانضمام النية إليه.
-
ألا ترى: أنه لو قال: عشرة إلا واحدًا أفادت تسعة،
-
ولو قال: عشرة ينوي تسعة لم يثبت الاستثناء بنيته، والمعنى في قوله: أنت بائن ما قدمنا.
-
قالوا: [لو قال] : أنت طالق للسنة. ونوى به الثلاث وقعت،
-
فلو كان قوله: أنت طالق لا يحتمل إلا تطليقة واحدة، كان قوله: للسنة راجعًا إليها، فكأنه تقع واحدة في وقت السنة.
-
قلنا: إذا قال للسنة فهذه الأيام كناية عن أوقات السنة وهي ذات عدد متى أضاف الطلاق وينوي ذو عدد إلى] أوقات ذات عدد، فكأنه أضافه إلى الثلاث، وقال: أنت طالق [ثلاثًا.
-
قالوا: لو قال لها: أنت طالق] وأشار بأصابعه الثلاث وقعت ثلاث تطليقات، واقترن النية إليه بقوله: أنت طالق أقوى من الإشارة
-
قلنا: هذا غير مسلم، لأن من قال: أنت طالق وأشار بأصابعه لم يقع لا واحدة، وإنما يقع الثلاث، إذا أشار وقال أنت طالق هكذا، يقوله إشارة إلى ماله عدد، كقوله أنت طالق ثلاثًا.
-
قالوا: لو قال لها: أنت طالق طلاقًا ونوى الثلاث كان ثلاثًا، وقوله طلاقًا مصدر، والمصدر لا يغير معنى الكلام، وإنما يؤكده فلولا أن قوله أنت طالق يتضمن الثلاث لم يفد المصدر ذلك.
-
وكذلك: أنت طالق الطلاق.
-
1/48761/4876
قلنا: قوله: أنت طالق الطلاق بمنزلة قوله: أنت طالق كل الطلاق، لأن الألف واللام تجري مجرى الكل فقد أراد بالكلام بعض ما وضع له وأما قوله: أنت طالق طلاقًا فقد روي بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يقع به إلا واحدة، وفرق بيه وبين الطلاق، لأن تنكيره يقصره على أن يكون مؤكدًا، ليس فيه زيادة على ما تتضمنه.
-
وذكر محمد في الأصل والجامع الكبير أنه يكون ثلاثًا، وسوى بينه وبين قوله: الطلاق وطلاقًا لأنه لا فرق بين قوله: أنت طالق الثلاث وأنت طالق ثلاثًا فكأنه قال: أنت طالق طلاقًا ثلاثًا،
-
ثم حذف الصفة وأرادها، وقد جاء حذف الصفة وإرادتها في القرآن قال تعالى: (يوصيكم الله في أولدكم) فأراد غير المملوك، فحذف الصفة وأرادها، وقال (وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما
-
1/48771/4877
السدس) أي [له أخ أو أخت] من أم وقد جاء حذف الموصوف وتبقية الصفة، قال الله تعالى (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق) أي: منافقون مردوا وكقوله: (ومنا دون ذلك) أي: ومنا فريق دون ذلك.
-
والذي قاله الشافعي: في هذه المسألة لا وجه له، لأنه جوز حذف الموصوف والصفة، والذي جاء حذف أحدهما، وهو اتساع فإذا حذفا قبح ذلك، واستعمل فيما لم يرد [عن العرب] والحذف اتساع فلا يجوز القياس عليه،
-
وإذا لم يصح حذفهما لم يجز أن يريد بقوله: أنت طالق الثلاث، ويصير كمن قال: أنت طالق طلاقًا ثلاثًا.