مسألة ١٠٣٢
التجريدHanafimasa’il 33817 to 33868
-
1/43231/4323
ولاية الفاسق
-
قال أصحابنا: الولي الفاسق إذا زوج ابنته جاز.
-
وقال الشافعي: لا يجوز.
-
لنا: قوله تعالى: {وأنكحوا الأيمى منكم والصالحين من عبادكم} .
-
وقوله: {فأنكحوهن بإذن أهله} ، ولم يفصل بين العدل والفاسق.
-
ولأنه يملك قبول النكاح لنفسه بنفسه، فملك الإيجاب، كالعدل.
-
ولأن الإيجاب أحد شطري العقد، فجاز أن تملكه الفاسق، كالقبول.
-
فإن قيل: تصرفه في حق نفسه لا يجوز أن يعتبر بتصرفه في حق غيره، بدلالة: أن الفاسق ينفذ تصرفه [في مال نفسه] ولا ينفذ في حق غيره، وهو ولده.
-
1/43241/4324
قلنا: تصرفه في حق والده في المال لا ينفذ؛ لأن الخيانة فيه تخفي،
-
فلا يؤمن أن يتم عليها ضرر، والخيانة في النكاح تظهر ولا تخفي، فيمتنع من إتمامها فلذلك افترقا.
-
ولأن الفاسق لا يتهم في حق ولده؛ لأن الفساق يبالغون في طلب الكفاءة وزيادة المهر مالا يبالغ العدول، فلم نسلم لهم التهمة.
-
ولأن الأب يملك التزويج بولاية خاصة، فاستوي فيه العدل والفاسق.
-
ولا يلزم: الحاكم؛ لأنه يملك بولاية عامة ولأنه عصبة له قول صحيح، فملك التزويج كالعدول.
-
ولأنه يملك تزويج أمته، فملك تزويج بنته كالعدل.
-
فإن نازعوا في الوصف، دللنا عليه: بأنه عقد يتضمن المنافع، كالإجارة.
-
ولأنه عقد بعوض فملكه الفاسق في أمته، كالبيع.
-
وقد قال الشافعي: إن الفاسق لا يجوز أن يزوج بوكالة،
-
فلا معنى لكلامنا معه في الوكالة، بل يدل على الوكالة فنقول: [إن الفاسق لا يمنع التصرف بالوكالة، كالبيع.
-
ولأن الرق يؤثر في التصرف مالا يؤثر فيه الفسق بدلالة أن العبد لا يملك تزويج نفسه] والفاسق يملك ذلك،
-
فإذا جاز أن يكون العبد وكيلا فالفاسق أولى.
-
احتجوا: بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا نكاح إلا بولي وشاهد عدل) والعدل صفة تتناول الولي والشاهدين.
-
1/43251/4325
الجواب أن قوله: (وشاهدي عدل) إضافة وليست بصفة فيتناول ذلك المضاف دون غيره.
-
ولو كان ذلك بصفة لقال وشاهدين وهذا غلط فيما قاله بين ممن ظنه.
-
قالوا: روى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) ،: (وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل) .
-
قلنا: هذا الحديث ذكره الدارقطني، عن عدي بن الفضل، عن ابن خيثم، عن سعيد بن جبير وعدي بن الفضل، قال يحيى بن معين: ليس بثقة، وليس البستي ظهرت المناكير في حديثه فسقط الاحتجاج به.
-
وقال أئمة الحديث: لم ينقل ف يالشهادة خبر صحيح، فكيف يقبل ما فيه من الزيادة المنكرة.
-
قالوا: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا نكاح إلا بشاهدين وولي مرشد) .
-
قلنا: هذا الحديث لا يعرف ويحفظ منهم أن الدارقطني لم يذكره ومخالفنا يرجع إلى قول ابن المنذر ويحتج به، فلم لا يحكى ما قاله ابن المنذر في
-
1/43261/4326
جملة أخبار الولي والشهود ورده بجميعها، وحكايته أن أئمة الحديث ترك العمل بها، على أنه لو ثبت هذا الخبر لم يكن فيه دلالة لأن المرشد من فعل الإرشاد لغيره، وقد يفعل الإرشاد لغيره من ليس برشيد في نفسه، يبين صحة هذا ما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأخنس بن شريق حين بلغه أنه عاد وبنى زهرة من نفر قريش دون بلوغ بدر أرشدهم وما كان رشيدا فلم يصح الاحتجاج به.
-
فإن قيل: مرشد اسم مدح، ولا يتناول الفاسق.
-
قلنا: لا يمنع أن يمدح الإنسان برشاده لغيره،
-
وإن ذم لنفسه؛ لأن الإنسان يمدح من وجه ويذم من وجه.
-
فإن قيل: مرشد معناه راشد، كما يقال في دعاء القنوت: (إن عذابك الجد بالكفار ملحق) معناه لاحق،
-
وقيل: معناه من له رشد، كما يقال: رجل ملحم إذا كان له لحم، ومثمر إذا كان له ثمر.
-
1/43271/4327
قلنا: مرشد جاري على اسم الفاعل يقال: أرشد فهو مرشد، ورشد فهو راشد وكل فعل على وزن دحرج فاسم الفاعل منه على مفعل بكسر الحرف الثالث، فنقول: أرشد غيره فهو مرشد ورشد فهو راشد،
-
وأما اسم الفاعل إذا كان ٢٣/ أمعنى النسب مثل لابن، وتامر فإنما هو مقصور على السماع وليس يلزم لذلك/ أن يكون جاريا على فعل، ألا ترى أنه لا فعل من لابن وتامر،
-
فأما ملحق فإن شئت كان على فعل من لحق فهو ملحق، ويكون المفعول محذوف، والمعنى: إن عذابك كان بالكفار ملحقا هوانا، أو ما جرى هذا المجرى.
-
قالوا: ولاية في حق الغير فوجب ألا تثبت للمسلم الفاسق، كولاية الفاسق الحاكم.
-
قلنا: لأن ولاية الحاكم أضعف بدليل أن الولي إذا تاب عادت ولايته، والحاكم إذا فسق ثم تاب لم تعد ولايته، فلم تعتبر أقوى الولايتين فأضعفهما.
-
ومن أصحابنا من قال: إن القاضي إذا فسق فهو على ولايته فإذا حكم نفذ حكمه إلا أن يخرجه الإمام من الولاية فعلى هذا الأصل غير مسلم، ولأن الفسق يخرج القاضي أن يكون قاضيا فيزول السبب الذي ثبت الولاية به، فلذلك زالت الولاية: والفسق لا يزال السبب الذي ولي الأب به وهو التعصيب مع صحة القول فلذلك لم تبطل ولايته.
-
1/43281/4328
فإن قيل: ولاية الأب ثابتة بالتعصيب والعدالة، فالفسق يزيل السبب.
-
قلنا: التعصيب هو السبب والعدالة عندهم شرط فزاله لا يرفع السبب ويجوز أن يقال: إن ولاية القاضي ولاية اختيار وتولية، يستحيل أن يختار الإمام الفاسق على العدول وولاية الأب ليست ولاية اختيار وتولية فالفسق لا يرفعها كولايته في حقوق نفسه.
-
قالوا: مسلم ليس من أهل الشهادة فلم يكن من أهل الولاية في النكاح كالعبد.
-
قلنا: الفاسق عندنا من أهل الشهادة ولو حكم الحاكم بشهادته نفذ حكمه ويبطل هذا على قولهم بالعبد [ليس من أهل الشهادة] وهو من أهل الولاية، والمعنى في العبد أنه ليس بعصبة والولاية من ذوي الأنساب تستحق بالتعصيب مع صحة القول وليس كذلك الفاسق؛
-
لأنه عصبة له قول صحيح كالعدل.
-
قالوا: إحدى الولايتين لم تثبت مع الفسق كالولاية في المال.
-
[قلنا: الفاسق ولايته] ثابتة حتى يمنعه القاضي من التصرف
-
وكذلك الوصي الفاسق؛ ولأن المال تخفى الخيانة فيه فلا يؤمن الفاسق عليه، والنكاح تظهر الخيانة فيه فلا يخاف من الفاسق فيه؛ لأنه إن خان ظهر ذلك عليه؛ ولأن
-
1/43291/4329
فسق الأب لا يؤمن معه إتلاف المال؛ فلذلك يخرج القاضي الأب من التصرف والنكاح لا يخاف من الفاسق فيه؛ لأن الفساق يتشددون في الأنكحة وطلب الكفاءة والاستظهار في المهر أكثر من تشدد العدول فلم يتهم الفاسق في النكاح فلذلك لم يخرجه الحاكم.
-
فإن قيل: الفاسق لا يستقبح الفسق،
-
فلا يؤمن من أن يزوجها بفاسق مثله.
-
قلنا: من لا يستقبح الفسق فهو كافر والفاسق يستقبح الفسق، وإنما يقدم عليه للشهوة ولا شهوة له في تزويجها بفاسق ولا غرض فالظاهر ألا يفعل ذلك.