مسألة ١٢٠٣
التجريدHanafimasa’il 39925 to 39988
-
1/51301/5130
إطعام مسكين واحد ستين يومًا
-
قال أصحابنا: إذا أطعم في الكفارة مسكينًا واحدًا ستين يومًا أجزأه.
-
وقال الشافعي: عشرة لا يجوز حتى يستوفي عدد المساكين.
-
لنا: قوله تعالى: (فكفرته إطعام عشرة مسكين من أوسط ما تطعمون أهليكم) .
-
ووجه الدلالة من الآية: أن المصدر قد يراد به المفعول به، قال سيبويه وقد يجيء غير مخالف يعني المصدر والمفعول به، تقول: رويت ريًّا، وأصابه ريه، وطعمت طعمة، وأصاب طعمة، ونهل نهلًا وأصاب نهلة، كما قالوا: الحلب، وهم يريدون اللبن، ويقولون: حلب حلبًا يريدون الفعل الذي هو مصدر، وقد يجيء المصدر على المفعول، وذلك لبن حلب إنما يراد محلوب، وكقولهم: الخلق إنما يريدون المخلوق، ويقولون: الدرهم ضرب الأمير، إنما يريدون مضروب الأمير، هذا
-
1/51311/5131
كلام سيبويه فقوله: إطعام إنما يريد المفعول به؛ لأن المصدر وإن كان بلفظه بدلالة وصفه بقوله: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) ذو فعل لا يضاف إلى ما هو بعضه،
-
ولا تقول أكلته أفضل قديد، وما تطعمون إنما هو المطعوم؛ فدل على أن الموصوف هو المطعوم، ولأنه حق خرج من المال فما جاز دفعه إلى اثنين جاز دفعه إلى واحد كالزكاة، ولأنه مسكين لم يستوف قوت يومه من كفارة فجاز الصرف منها إليه، كسائر المساكين.
-
فإن قيل: المعنى في غيره من صرف المساكين أنه لم يستوف قوت يومه من هذه الكفارة، وليس كذلك في مسألتنا لأنه استوفى قوت يومه منها، فلم يجز صرفها إليه كاليوم الأول.
-
قلنا: علة الأصل تبطل بالمسكين الذمي، وعلة الفرع لا تصح، لأن المسكين تجد له في كل يوم خلة، فسد خلته في اليوم الثاني كسد خلة غيره ولأن الدفع/ عندكما أن المدفوع معتبر،
-
ثم جاز أن يتكرر المدفوع في غير واحد
-
1/51321/5132
إلى المساكين بأن يدفع إلى مسكين ثم يبتاع ما دفع إليه أو يستوهبه فيدفعه إلى آخر، لذلك يجوز أن يتكرر الدفع في أعيان إلى مسكين واحد، ولأن ما جاز أن يتكرر الدفع في غير واحد جاز أن يتكرر على مسكين واحد.
-
أصله: الزكاة والدفع في كفارتين.
-
فإن قيل: المعنى فيه أنه يجوز تكراره في عام واحد، فجاز في أيام.
-
قلنا: لا يمنع أن يجوز التكرار في وقتين،
-
ولا يجوز في وقت واحد كما يجوز الوقوف بعرفة في وقتين، بحجتين ولا يجوز في وقت واحد، ولأنه أحد بدلي كفارة الظهار؛ فجاز أن يستحق تفريقه في ستين يومًا كالصيام.
-
احتجوا: بقوله تعالى: (فإطعام ستين مسكينًا) .
-
قالوا: وإطعام فعل يتعدد، فيجب أن يتكرر الفعل إلى العدد،
-
فإذا أعطى مسكينًا واحدًا ولم يوجد العدد فلا يجزيه.
-
قلنا: قد بينا أن المصدر يحتمل أن يكون مفعولًا، وإطعام يتعدى إلى مفعولين كما يتعدى فعله، تقول: أطعمت زيدًا خبزًا، فقوله: فإطعام ستين مسكينًا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المصدر قد عدى إلى مفعول واحد وحذف المفعول
-
1/51331/5133
الثاني، فيكون المسكين منتصبًا على التفسير، والوجه الثاني: أن يكون مسكينًا أحد المفعولين، وستين في المفعول الثاني والمفسر محذوف، والتفسير فإطعام طعمة ستين مسكينًا، ويتنوع حذف المفسر لدلالة ضربت عليه، ففي كلا الوجهين حذف، وفي الوجه الأول حذف أحد المفعولين، وفي الوجه الثاني حذف المفسر من أحد المفعولين.
-
فقال أبو حنيفة: يجوز الأمران.
-
قال مخالفونا: إذا احتمل كان أولى؛ لأن الله تعالى قال: [في كفارة اليمين فكفارته إطعام، فسماه كفارة وإذا حملتموه على المفعول لم يكن كفارة.
-
قلنا: قد بينا أن آية كفارة اليمين لا تحتمل إلا ما ذكرناه؛ لأنه وصف الإطعام بقوله: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) فلا معنى للترجيح، واللفظ لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، على أنهم إذا حملوا الإطعام على المصدر فالإطعام فعله، وذلك ليس بكفارة، كما أنا نحمله على الطعام وليس بكفارة.
-
قالوا: أجمعنا على أن وجوب إخراج الكفارة استفيد من هذه الآية،
-
فإذا حملناها على التقدير لم يفد وجوب الإخراج.
-
قالوا: إذا قدرنا الآية بما ذكرنا، أفادت تقدير المدفوع، وتقدير المدفوع إليه. وعلى قولكم، أفادت تقدير المدفوع خاصة.
-
قلنا: وأفادت وجوب تكرار الدفع عندنا، وهذه فائدة أخرى غير تقدير المدفوع.
-
1/51341/5134
قالوا: الآية خرجت على سبب وهو قصة أوس بن الصامت، وقد قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - (أطعم ستين مسكينًا) فصار هذا هو المراد بالآية.
-
قلنا: قد أفادت عندنا جواز الأمرين، وفسر النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يتعجل به الإباحة التي قصدها.
-
احتجوا: بقوله - صلى الله عليه وسلم - في قصة المظاهر: (أطعم ستين مسكينًا) .
-
قلنا: كل واحد منهما سأل عما يعمل به الإباحة،
-
فلو أمره بدفع الإطعام في ستين يومًا تأخرت، فذكر له عدد المساكين ليتعجل بالإباحة في المال.
-
قالوا: مسكين استوفى قوت يومه من كفارة فإذا أعطى منها لم يجز، كما لو أعطاه ثانيًا في اليوم الأول.
-
قلنا: المعنى في اليوم الأول استوفى قوت يومه منها؛ فلم يجز أن يدفع إليه، وفي اليوم الثاني لم يستوف قوته منها، فجاز الدفع إليه كما يجوز الدفع إلى غيره.
-
قالوا: عارضتم ما نقلناه وزيادة، لأنا قلنا: استوفى قوت يوم، فقلتم: استوفى قوت يومه.
-
قلنا: هذا غلط؛ لأنا اعتبرنا يومًا معروفًا، واعتبرتم يومًا منكرًا، والمنكر
-
1/51351/5135
أعم، وقد عارضنا بأقل من أوصافكم فقولنا أولى.
-
قالوا: هذا الاعتبار الذي ذكرتموه يبطل بما لو سرق منه الطعام في اليوم الأول، لا يجوز الدفع إليه، ولم يستوف قوت يومه.
-
ويبطل بما لو بقي الطعام عنده إلى اليوم الثاني وجاز الدفع إليه من كفارة أخرى، لأنه غير ما أخذ من الكفارة الأولى.
-
قلنا: هذا غلط لأن الله تعالى ذكر الكفارة بلفظ الإطعام وذلك يفيد التمليك، وقال: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) والأصل تطعمون مرة ومرتين وثلاثًا.
-
قالوا: سقط من الإطعام أن يكون مرتين، والتمليك يقوم مقام ذلك عندنا،
-
ولو أطعم المسكين في يوم فجاع لم يجز أن يطعمه ثانيًا كذلك إذا سرق ما أعطاه،
-
ولو أعطمه بعد ما أكل أكلتين من كفارة جاز لذلك إذا ملكه من كفارة أخرى،
-
فأما إذا بقي الطعام عنده إلى اليوم الثاني، هو أن يبقي الشبع إلى اليوم الثاني،
-
فلا يمنع ذلك من إطعامه منها.
-
قالوا: ذو عدد موصوف لا يجوز الأخذ بغير الصفة؛ فلا يجوز
-
1/51361/5136
الإخلال بالعدد كالشهود.
-
قلنا: لا نسلم أنه ذو عدد من المساكين، وإنما هو عدد من الأفعال، وذلك يجوز الإخلال به. لا نسلم أنه لا يجوز الإخلال بالصفة؛ لأنه لو دفعها إلى الفقير بدل المسكين أو ابن السبيل والمكاتبين جاز وينتقض برمي جمار لأنه ذو عدد موصوف، لا يجوز الإخلال بالصفة عند مخالفنا؛
-
لأن الرمي بغير الحجارة لا يجوز، فيرمي بحجر واحد مرة بعد مرة، والمعنى في الشهود أن المقصود غالب الظن بقول اثنين،
-
فإذا أخبره واحد فالظن الثاني هو الأول فلا يستفيد به معنى، وليس كذلك الإطعام؛ لأن المقصود سد الخلة، فما يدفعه في اليوم الثاني يحصل به سد خلة لم توجد في اليوم الأول.
-
قالوا: قدر الله تعالى المدفوع إليه نصًا بقوله سبحانه: (فإطعام ستين مسكينًا) وأبو حنيفة قدر اجتهادًا فقال: صاع، فجوز الإخلال بالتقدير المنصوص عليه، ولم يجز الإخلال بالتقدير المجتهد فيه.
-
1/51371/5137
قلنا: نسلم أن الله تعالى قدر العدد على ما ذكرتم،
-
ولا نسلم أن تقدير الصاع اجتهاد بل بالنص، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمظاهر: أطعم ستين مسكينًا وسقا من تمر.
-
قالوا: صدقة أمر بصرفها إلى عدد من المساكين؛
-
فلا يجوز صرفها إلى واحد، كالوصية.
-
قلنا: هذا غير مسلم؛ لأنه قال في الجامع: إذا أوصى بثلثه للمساكين، جاز صرفه على مسكين واحد عند محمد،
-
ولا يجوز في قول أبي يوسف أقل من اثنين، وليس عن أبي حنيفة رواية،
-
ولو سلمنا لم يدل؛ لأن الوصية يعتبر فيها لفظ الموصي،
-
ولو أمر الله تعالى غيره يعتبر فيها المقصود، بدلالة أن الموصي للمساكين لا يجوز له العدول عنه إلى غيرهم، والإطعام في الكفارة يجوز صرفه إلى غير المساكين.
-
ولو قال: أعتق عبدي لأنه أسود؛ لم يجز أن يعتق غيره من غيره،
-
ولو قال الله تعالى: أعتقوا أفريقيًا لأنه أسود عتق كل أسود.
-
قالوا: إذا دفع الكسوة إلى مسكين واحد في عشرة أيام جاز عندكم، ومعلوم أنه لا يتجدد في اليوم الثاني حاجة إلى الكسوة.
-
1/51381/5138
قلنا: إذا كسي المسكين في اليوم الثاني لم يجز ذلك عن الكسوة، احتجنا إلى أن يجوز عن الإطعام؛ لأن من أصلنا أن الكسوة إذا لم تجز عن نفسها جازت عن الإطعام؛ لأن من أصلنا، أن من أعطى خمسة أثواب قيمتها إطعام عشرة مساكين لم يجز عن الكسوة، وجازت عن الإطعام،
-
فإن كان في مسألتنا تجوز الكسوة بدلًا عن غيرها، فجوازها عن نفسها أولى.