مسألة ٧٣٩
التجريدHanafimasa’il 24764 to 24873
-
1/30021/3002
الكفالة عن ميت لم يترك وفاء
-
قال أبو حنيفة: لا تصح الكفالة عن ميت لم يترك وفاء.
-
وقال أبو يوسف: تصح الكفالة، وبه قال الشافعي.
-
والكلام في هذه المسألة يقع في فصول ثلاثة. أولها: في نفس المسألة، والثاني: مبني الكلام على سقوط الدين بالموت، الثالث: على طريقة أخرى، أن الدين ينقص.
-
أما الكلام في نفس المسألة فالدليل عليه: ما روي أبو موسى - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن أعظم الذنوب عند الله يلقاه بها [عبد] بعد الكبائر التي نهى الله عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء) ، ذكره أبو داود، ولو صح
-
1/30031/3003
الضمان عنه لم يكن لقوله:
-
(ولا يدع له وفاء) معنى.
-
ولأن المطالبة سقطت بهذا الدين على التأييد، فوجب أن لا يصح ضمانه، كما لو أبرأه صاحب الدين، أو استرق الحربي، أو وهب المولى العبد المدين من غرمائه.
-
ولا يلزم: إذا ترك وفاء، لأن المطالبة بالدين لم تسقط إذ الوصي يطالب به الوارث.
-
ولا يلزم: إذا استعار شيئًا فرهنه به ثم مات مفلسًا، لأن المطالبة تسقط عندنا ويأخذ صاحب الرهن رهنه،
-
ولا تصح الكفالة به، ذكر محمد في الزيادات ما يدل على ذلك.
-
قالوا: لا نسلم سقوط المطالبة على التأييد، لأنه يجوز أن يتبرع إنسان بالكفالة فيطالب.
-
قلنا: هذه مطالبة تجددت عندكم بعد أن كانت المطالبة سقطت عن المدين وعمن قام مقامه على التأييد، فالصف صحيح.
-
فإن قيل: المعنى في البراءة: أنها تمنع استدامة الكفالة، فلا تمنع ابتداءها.
-
قلنا: هذه المعارضة لا نسلمها إذا استرقى الحربي، لأن الرق لا يمنع الكفالة لو كانت عليه دون في دار الحرب بها كفيل، فاسترق لم تبطل الكفالة.
-
ولأنه قد يمنع ابتداء الشيء ما لا يمنع استدامته، ألا ترى: أن براءة المحيل لا تمنع استدامة الحوالة،
-
ولو وقعت الحوالة بعد البراءة لم تصح.
-
1/30041/3004
ولأن البراءة تسقط الدين في أحكام الدنيا، وتبقيه في أحكام الآخرة، فمنع الابتداء ولم يمنع من البقاء.
-
ولأنه دين طرأ عليه ما يمنع ابتداء المداينة، وأثر ذلك في منع الكفالة، كالحربي يسترق.
-
ولأن كل دين لا يصح ضمان المجهول منه لا يصح ضمان المعلوم، كمال الكتابة، ودين الحربي إذا استرق.
-
وأما الدليل على سقوط الدين بالموت: أن الدين لا يثبت إلا في محل، إما في ذمة أو عين، وليس ههنا عين مال يتعلق الدين بها، والذمة قد بطلت بالموت، لأن الذمة عبارة عن التزام الشيء، والموت ينافي الالتزام. يبين هذا: أن أهل الذمة سموا بذلك لالتزامهم لنا الجزية والتزامنا لهم ترك القتال والسبي، ويقال: بيننا ذمام، بمعنى أنه أمن تلتزم أحكامه.
-
ولأن الدين يحل على الميت بالموت،
-
ولو كانت ذمته باقية لبقي الأجل، لأنه يتعلق بما في الذمم ولا يتعلق بالأعيان، فلما سقط الأجل علم أ، هـ سقط، لأن الذمة بطلت وانتقل الدين إلى عين التركة، فلم يجز أن يثبت الأجل في الأعيان.
-
فإن قيل: إنما سقط الأجل، لأنه يثبت لحق الدين،
-
ولا حق له في تبقية الأجل.
-
قلنا: حقوق الميت تثبت لورثته إن لم يكن للميت حق في ثبوتها، ألا ترى: أنه لو أَبْرَأَ من دينه وهو أكثر من الثلث، أو وَهَبَ، بطل تصرفه فيما زاد على الثلث، وانتقل ذلك إلى ورثته وإن كان من حقوقه لنفذ تصرفه،
-
فلو صح ثبوت الأجل بعد موته انتقل إلى ورثته وإن لم يكن له في انتقاله إليهم حق.
-
ولأن ابتداء الدين لا يجوز أن يلزم الميت بوجه،
-
ولو كانت ذمته باقية لجاز أن تلزمه الديون المبتدأة، كالحي.
-
1/30051/3005
ولا يلزم: المجنون، لأن الدين يلزمه تابعًا له وإن لم يلزمه بعقوده. يبين ذلك: أن من كانت له ذمة في عين متعلق بها إذا تصرف لحقه من يملك التصرف يثبت بذلك التصرف على الذي في ذمته، كتصرف الوكيل والولي، فلما كان الوارث أو الوصي يبتاع الكفن لمنفعة الميت ولا يثبت ثمنه في ذمته، دل على أنه لا ذمة له.
-
ولا يقال: إن الميت تلزمه الديون المبتدأة إذا كان حفر بئرًا في الطريق فوقع فيها إنسان بعد موته، لأن هذا ليس بدين مبتدأ، وإنما يسند إلى الحفر السابق ويصير كالثابت من ذلك الوقت، ولهذا تقوم على الميراث والوصايا،
-
ولو كان حادثًا لم يبطل ما تقدمه من المواريث والوصايا.
-
ولأن الموت معنى يسقط مال الكتابة عن المكاتب، فجاز أن يسقط به سائر الديون، كالاسترقاق، وصحة العقد.
-
احتجوا: في هذا الفصل بما روي في حديث أنس - رضي الله عنه -، قال: (شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أتى بجنازة، فقيل له: تصلي عليها، فقال: أليس عليه دين، قالوا: بلى، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ما ينفعكم أن أصلي عليه وهو مرتَهَنٌ في قبره به) .
-
الجواب: أن الدين عندنا يسقط في أحكام الدنيا بسقوط المطالبة ولعدم محله، وهو باقٍ في أحكام الآخرة، والعقوبة تلحقه للتفريط الذي كان منه، فلم يكن في الخبر دليل.
-
قالوا: لو برئت ذمته بالموت برئ كفيله الذي يكفل عنه، ولم يصح أن يتبرع متبرع بالقضاء.
-
قلنا: إذا كان له كفيل فالدين له محل يتعلق به، وهو ذمة الكفيل،
-
1/30061/3006
فصار ذلك كالتركة في تعلق الدين بها،
-
فأما التبرع بقضاء الدين فمن أصحابنا من قال: لا يصح إلا أن تظهر له التركة فيحكم بصحة ذلك القضاء، ومنهم من يقول: يسقط بالقضاء العقوبة في الآخرة،
-
فلا يدل ذلك على بقاء الدين.
-
قالوا: يصح أن يبرئه من الدين،
-
ولو كان سقط لم تصح البراءة.
-
[قلنا: إنما تؤثر البراءة] في إسقاط حق الغريم عن المال الذي يجوز أن يظهر أو يسقط بها العقاب في الآخرة،
-
فأما أن يسقط الدين من ذمته فلا.
-
قالوا: لو كان الموت يوجب بطلان الذمة ونقل الدين إلى التركة لوجب إذا أبرأ الغريمُ الميتَ ألا تصح براءته، لأنه أبرأه بعد انتقال الدين، فصار كما لو أبرأ المحيل بعد الحوالة، فلما صحت الحوالة دل على أن الدين في ذمة الميت.
-
قلنا: الميت مطالب بالدين في أحكام الآخرة غير مطالب به في أحكام الدنيا،
-
فإذا أبرأه فقد أبرأه من حق ثابت فتسقط العقوبة ببراءته، وسقوطها يوجب سقوط الحق عن التركة فلذلك سقط.
-
وإذا ثبت أن الدين سقط لم تصح الكفالة به، كما لا تصح من ديون الحربي إذا استرق، والعبد إذا ملكه الغريم، وكالكفالة بعد البراءة.
-
وأما الطريقة الثالثة: وهي نقصان الدين، فلأن سقوط المطالبة على التأبيد على سقوط الدين، فلأن يدل على نقصانه أولى.
-
ولأن هذا الدين سقطت المطالبة به في أحكام الدنيا وبقيت في أحكام الآخرة، والمطالبة إذا ثبتت في الدين من وجه دون وجه دل على نقصانه، كدين
-
1/30071/3007
المولى على عبده يثبت من وجه دون وجه،
-
وكذلك دين العبد على مولاه،
-
وإذا ثبت أن الدين ناقص لم تصح الكفالة به، كدين الكتابة.
-
وعلى هذا قال أصحابنا: إن الزكاة لا تصح الكفالة بها، لأنها دين ثابت من وجه دون وجه، ألا ترى: أن الإنسان لا يحبس بها ولا يطالب مطالبة الديون.
-
واحتج المخالف: بما روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم إليه جنازة ليصلي عليها، فقال: هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله درهمان، فقال: صلوا على صاحبكم، فقال علي بن أبي طالب: هما عليَّ يا رسول الله، وأنا لهما ضامن، فصلى عليه، فلما فرغ من صلاته التفت إليه فقال له: جزاك الله عن الإسلام خيرًا، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك) .
-
رورى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - (قال: مات رجل فغسلناه وكفناه، وقدمناه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليصلي عليه، فقال: هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: نعم ديناران، فقال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: هما عليَّ يا رسول الله، فصلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -) ، فدل هذا على أن الضمان عن الميت الذي لا يخلف وفاء صحيح.
-
والجواب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي على من ترك وفاءً، ولم يصل على
-
1/30081/3008
من لم يترك وفاء.
-
وجواب آخر: أنه يحتمل أن يكون هذا ابتداء كفالة، ويحتمل أن يكون أخبر عن كفالة تقدمت الموت، واللفظ لفظ الخبر،
-
وإذا احتمل أحد الوجهين لم يصح الاحتجاج به مع الاحتمال.
-
فإن قيل: روي: (فتحملهما أبو قتادة) ، وهذا يدل على أنه ابتداء كفالة.
-
قلنا: لم تكن الكفالة معلومة، فلما أقر بها صار بإقراره محتملًا لَمَّا لم يكن يُعْلم أنه حامل له، هذا كما نقول: أوجب على نفسه بإقراره، فوجب عليه بالإقرار، والإقرار في الحقيقة إخبار عن إيجاب سابق، إلا أنه لم يعلم تقدمه إلا بإقراره.
-
قيل: أوجب على نفسه، فوجب عليه.
-
قالوا: روي حديث أنس (- رضي الله عنه -) (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ما ينفعكم من صلاتي عليه وهو في قبره مرتهن بدينه،
-
فلو قام أحدكم فضمن ما عليه صليت عليه، كانت صلاتي تنفعه) .
-
قلنا: هذه الزيادة لا تعرف،
-
ولو ثبت كان معناه: ضمن أن يَقْضِيَ، بمعنى أنه وعد أن يقضي، كما يقال: إن ضمن فلان أن يعين فلانًا بكذا، أو يقرضه كذا،
-
وإذا وجد ذلك فالظاهر أنه يفي فيصلي عليه، كما يصلي على من ترك وفاء.
-
قالوا: إذا كان اللفظ يحتمل معنيين وجب حمله على ما لا يؤدي إلى
-
1/30091/3009
تخطئة النبي - صلى الله عليه وسلم -، [وإنما يؤدي إلى تصويبه،
-
وإذا حملناه على ابتداء الضمان كان امتناعه من الصلاة] عليه صوابًا في الظاهر والباطن،
-
وإذا حملناه على استدامة الضمان كان امتناع النبي - صلى الله عليه وسلم - خطأ في الباطن، لأنه امتنع من الصلاة على من له ضامن ويجوز له الصلاة عليه، فكان حمل الخبر على ابتداء الضمان أولى.
-
قلنا: النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يطلع على الغيب،
-
فإذا امتنع من الصلاة، لأنه لا تركه له ولا ضامن في الظاهر، فقد عمل ما وجب عليه،
-
فإذا كان الأمر في الباطن
-
بخلاف ذلك ففعله في الظاهر صواب وليس بخطأ ألا ترى: أنا إذا علمنا الدين على زيد فشهدنا به عليه كانت الشهادة صحيحة،
-
وإن جاز أن يكون قضى الدين، أو أبرأ عنه،
-
فإن ثبت أنه قضى لم يكن الشاهد بالدين مخطئًا في شهادته، بل كان مصيبًا فاعلًا لما وجب عليه،
-
فلو لم يفعل أثم واستحق العقاب.
-
قالوا: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل هل هذا ابتداء ضمان أو غيره،
-
ولو اختلف الحكم لزمه أن يسأل.
-
قلنا: إذا كان للضمان جهة صحة وجهة فساد، حمل الأمر على الصحة، ولم يحمل على الفساد.
-
وجواب آخر: وهو أن هذا لم يكن على وجه الكفالة، وإنما كان وعدا بقضاء الدين والقيام بأدائه، وقوله: (هما عليَّ) ، معناه: (على القيام بأدائهما) ، كما نقول: عليَّ أن أحفظ مالك وأنفق عليه. يبين ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي قتادة: (هما عليك وفي مالك، وحق الرجل عليك والميت منهما بريء، فقال:
-
1/30101/3010
نعم)، والتأكيد إنما يكون في الوعد الذي لا يجب عليه الوفاء به، والأولى الوفاء.
-
فأما الكفالة التي يجب حكمها،
-
فإذا اعترف بها الكفيل لزمته،
-
ولو رجع عنها قُضِي عليه وأجبر على أدائها،
-
فلا يكون للتأكيد بالتكرار معنى، وليس يمتنع أن يتوقف - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة، لأنه لا وجه لقضاء الدين،
-
فإذا وُعِدَ بقضائه كان الظاهر منه الوفاء، لأن الظاهر القضاء، كما أنه إذا ترك مالا صلى عليه [وإن جاز أن لا يقضي الدين بأن تتوى التركة، إلا أن الظاهر لما كان القضاء صلى عليه] كذلك هذا.
-
قالوا: من صح الضمان عنه إذا كان له وفاء، صح وإن لم يكن له وفاء، كالحر.
-
قلنا: إذا ترك وفاء فقد ضمن الدين مع بقاء المطالبة به، فصح الضمان، ولم يترك فقد ضمن مع سقوط المطالبة بالدين عنه، وعمن قام مقامه على التأييد، فلم يصح، كالسائل التي بيناها.
-
قالوا: (من صح الضمان عنه إذا كان حيًّا صح الضمان عنه إذا كان ميتًّا، كما لو كان له وفاء) .
-
قلنا: نقول بموجبه، لأن الضمان عن الحي لا يصح إلا بدين ثابت، وبمثله يصح الضمان عنه بعد الموت،
-
فأما في مسألتنا فلا، لأن بعد الموت وبمثله لا يصح الضمان عن الحر، كما ذكرنا في الحربي إذا استرق، والعبد إذا وهب لغريمه.
-
ولأن من له وفاء المطالبة بدينه ثابتة، فصح ضمانه عنه،
-
ومن لم يترك وفاء لا يطالب بدينه في أحكام الدنيا، وإنما يطالب به في أحكام الآخرة فلا ينتقل إلى غيره، كمن مات وعليه صلاة وزكاة وحج لا ينتقل إلى غيره عندنا في جميع
-
1/30111/3011
الأحوال، وعندهم إذا لم يترك وفاء.
-
قالوا: من صح الضمان عن ضامنه إذا كان له ضامن، صح الضمان عنه إذا لم يكن له ضامن، كالحر.
-
قلنا: إنما لا يجوز الضمان عن ضامنه مع بقاء الدين على الضامن، فلذلك يصح مع بقاء الدين،
-
ولا يصح عن الضامن بعد سقوط الدين،
-
فلا [يصح الضمان عنه مع سقوطه.
-
قالوا: الموت لا يمنع استدامة الضمان،
-
فلا] يمنع ابتداء الضمان، أصله: جنون المضمون عنه وإتلافه.
-
قلنا: الموت عندنا لا يمنع الابتداء ولا الاستدامة، وإنما يمنع الضمانُ سقوطَ المطالبة عنه، وعمن قام مقامه على التأييد.
-
وقولنا: بموجب العلة.
-
فإن قيل: ذكر في الأصل، أنه إذا قال: إن مات قبل أن يقضي مالك عليه فأنا ضامن، فمات،
-
فإن ذلك جائز على الكفيل في قول أبي حنيفة.
-
قلنا: محمول عليه إذا ترك وفاء، أو نقول: إن هذا ليس بابتداء ضمان، وإنما يتعلق الضمان بسبب كان في حال الحياة، فلم يسقط الدين بالموت لبقاء ذمة تتعلق المطالبة بها، وقد ذكر أبو الحسن، عن ابن سماعة، عن محمد: أنه قال: لو قال: قد ضمنت لك مالك على فلان إن توى، فذلك جائز،
-
فإن مات فلان فلم يدع شيئًا، فهو ضامن، وهذا على قول محمد صحيح، لأن من أصلنا: أن ابتداء الكفالة يجوز بعد الموت،
-
فإذا تعلقت بشرط كان في حال الحياة أولى.