مسألة ١٥٣٣
التجريدHanafimasa’il 49793 to 49882
-
1/63071/6307
الجنين الميت في بطن الحيوان المذكى
-
قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا ذكي الحيوان فوجد في بطنه جنين ميت، لا يحل أكله.
-
وقال أبو يوسف ومحمد [رحمهما الله] : يحل أكله. وبه قال الشافعي رحمه الله.
-
لنا: قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} . وهو اسم عام لما مات حتف أنف ولما حله الموت، وهذا موجود في الجنين، فوجب أن يحرم بالظاهر.
-
فإن قيل: لا نسلم أنه ميته، بل هو مذكى.
-
قلنا: عندكم أنه مذكي حكمًا، والعرب لا تعرف الأحكام ولا تضع لها الأسماء.
-
فإن قيل: قال في آخر الآية: {إلا ما ذكيتم} . وهذا مذكى.
-
قلنا: لا نسلم ذلك،
-
فلا يخرج من علة التحريم إلا ما اتفقنا على دخوله في الاستثناء، ويدل عليه قوله تعالى: {والمنخنقة والموقوذة} . والجنين منخنق؛ لأن الظاهر أنه يموت باضطراب الأم، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (الذكاة في الحلق واللبة) .
-
وظاهره يقتضي أن ما لم يوجد فيه هذه الصفة فليس بذكاة.
-
فإن قيل: قد حصل الذكاة في الحلق.
-
قلنا: المراد بالخبر ذكاة الحيوان في حلقه، والجنين لا يقع في حلقه فعل، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (انهر الدم بما شئت) ، وقوله: (ما أنهر الدم، وفرى
-
1/63081/6308
الأوداج فكل). وهذا يدل على أن إباحة الحيوان موقوفة على إنهار دمه.
-
ولأنه من جنس الحيوان المشروط فيه الذكاة،
-
فلا يحل بغير عقر، أصله: غير الجنين.
-
ولأنه لا يخلو أن يكون في حكم الحيوان المقدور على ذكاته [فيشترط ذبحه] ، أو في حكم غير المقدور فيشترط عقره فلما لم يوجد فيه ذبح ولا عقر لم يحل.
-
ولأنه حيوان لو تمكن من ذبحه لم يحل إلا بالذبح،
-
فإذا تعذر ذبحه لم يحل بعقر غيره، كالشاتين إذا وقعتا في بئر إحداهما فوق الأخرى فعقر الأولى فماتت الثانية.
-
فإن قيل: الثانية لا تتبع الأولى في البيع فلم تتبعها في الذكاة، والجنين يتبع أمه في البيع فيتبعها في الذكاة.
-
قلنا: الجنين إذا انفصل حيًا فهو الذي يتبعها [في البيع،
-
ولا يتبعها في الذكاة باتفاق.
-
فأما إذا انفصل ميتًا فهو الذي يتبعها في الذكاة] عندهم،
-
وكذلك لا يتبعها في البيع عندنا.
-
ولأنه مات بألمها من الذبح، فصار كما لو انفصل حيًا ومات؛ فلذلك ينفرد عنها بالذكاة، بدلالة أنه لو مات ثم ذكيت كان ميته،
-
ولو خرج حيًا فلم يذبح كان ميته،
-
ولو ماتت فانفصل حيًا فذبح كان مذكى،
-
ولو ندت جاز أكلها بالعقر،
-
فإذا انفصل منها حيًا كان ذكاته الذبح،
-
فإذا انفرد عنها في إيقاع الذكاة فلم تحل إلا بفعل موقع فيه كالحيوان.
-
ولأنه يحتمل أن يكون مات بذبحها، ويحتمل أن يكون مات قبل ذبحها، فاجتمع فيه الحظر والإباحة، فكان الحكم للحظر دون الإباحة، كما لو رمى صيدًا فوقع في الماء.
-
احتجوا: بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) . وظاهره يقتضي أن
-
1/63091/6309
ذكاة الأم تبيحه، كما لو قال ذكوه فري أوداجه.
-
قلنا: إن الذكاة هي العقر إذا حصل بشرائطه، وذلك لم يوجد فيه.
-
وإنما زعم مخالفنا أن الشريعة جعلته مذكى بأمه، فانتقل عندهم فيه الاسم اللغوي إلى اسم شرعي.
-
قلنا: نحن نقول معناه: ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه. وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وكل واحد من التأويلين [محتمل و] عدول عن الظاهر. ومخالفنا يروم تخصيص قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} . وتخصيص القرآن باللفظ المحتمل المتجاذب في التأويل لا يصح.
-
على أننا نبعد في التأويل منهم؛ لأن حذف المضاف كثير في كلامهم واتسع حتى قرب من الحقيقة وتكرر في القرآن، قال الله تعالى: {فشربون شرب الهيم} . يعني: مثل شرب الهيم. وإلا فمعلوم أن شرب أهل الجحيم ليس كشرب الإبل العطاش.
-
وقال تعالى: {واشتعل الرأس شيبًا} . يعني شعر الرأس. وقال الشاعر:
-
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
-
يريد أمن دمن أم أوفي ومن هذا قول: خلد العربي حاتم الطائي. وذكر سيبويه أنهم قالوا: عليه نوح نوح الحمام، وله صوت صوت الحمام. وهذا مجاز ظاهر في استعمال العرب، وبه جاء التنزيل.
-
وإن عقر الأم ذكاة لجنينها لا تعرفه أهل اللغة.
-
فإن ادعى مخالفنا نقل الاسم فيه من اللغة إلى الشرع.
-
كان عادلًا عن الظاهر إلى إضمار اللفظ لما ذكرنا من غير عدول يوجب الاحتمال، لو تساويا فكيف وما ذكر مستعمل كثير فترجح على احتمالهم.
-
1/63101/6310
وقال مخالفنا: الذكاة عبارة عن حل الحيوان وطهارته وطيبته دون فري أوداجه، وإنما فري الأوداج سبب الذكاة التي هي الحل والطيب ليس بالذكاة. ألا ترى أن جميع أجزاء الحيوان ذكي،
-
فلو كانت الذكاة السن كان الاسم في أجزاء الحيوان مجاز. ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: (دباغ الأديم ذكاته) . يعني: حله وطهارته. فالاسم حقيقة لا مجاز، فكيف نسلم بترك الظاهر؟.
-
قلنا: الذكاة هي العقر الواقع بشرائطه والحل حكمها، هذا هو الاسم اللغوي.
-
وكذلك هو في عرف الشرع، بدلالة أنهم لا يقولون له: هذا ما ذكي، وهذا ثوب ذكي. بمعنى أنه طاهر.
-
فإذا ادعى مخالفنا أن الشريعة نقلت الاسم وجعلته عبارة عن التطهير الحاصل بالعقر.
-
احتاج إلى دليل النقل.
-
وقوله: أن يقال كل جزء من الحيوان مذكى: فذكي.
-
صحيح؛ لأنه جزء من الجملة المذكاة، وأهل اللغة جعلوا العقر في موضع الذبح ذكاة الجملة حقيقة؛ لأن الحيوان كالجزء الواحد، وألحقت الشريعة لشرائط هذا الاسم شرائط لا تعرفها أهل اللغة، كما شرطت في البيع شرائط لا تعرفها العرب،
-
ولا يوجب ذلك نقل أسمه.
-
فإن قيل: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) . يقتضي أن تكون ذكاته في حال استتاره؛ لأن الجنين هو المستحق. وعندكم تكون ذكاته مثل ذكاة أمه إذا كانت متوحشة [تعقر في بطنها] استوت ذكاته وذكاتها،
-
وإن كانت مستأنسة أفاد الخبر تحريم الجنين، لعدم شرط الإباحة فيه وهو أن يوقع مثل ذكاة الأم. على أنه قد سمي بعد انفصاله: جنينًا. قال حمل بن مالك: كنت بين جاريتين، فضربت إحداهما الأخرى، فألقت جنينًا ميتًا.
-
فإن قيل: هذا مجاز، ومعناه كان: جنينًا.
-
1/63111/6311
قلنا: العرب لا تلتزم في الاشتقاق التحقيق، ألا ترى أنهم قالوا: نجم. لظهوره فإذا أفل فهو نجم في الحقيقة، كذلك الجنين.
-
فإن قيل: لو كان المراد ما ذكرتم، لم يكن لتخصيصه بأمه في التشبيه فائدة، إذ حكم أمه وسائر الحيوان سواء.
-
قلنا: ولو شبهه بغير أمه لتوجه هذا السؤال، ولم يكن يشبهه بجملة الحيوان لاختلاف ذكاته، فخص التشبيه بالأم لاتفاق ذكاتهما في غالب الحال.
-
قالوا: روى أبو الوداك عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أحدنا ينحر الناقة ويذبح البقرة والشاة، فنجد في جوفها جنينًا، أفنأكله أم نلقيه؟ فقال: (إن شئتم فكلوه،
-
فإن ذكاة الجنين ذكاة أمه) . ولم يسألوه عن إلقاء الحي، فدل أن المراد به الجنين الميت.
-
قالوا: روى مجالد بن سعيد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الجنين يخرج ميتًا، فقال: (إن شئتم كلوه) .
-
قلنا: بل يجوز أن يكون سألوه عن الحي الذي حياته غير مستقرة وهذا هو الغالب في الأجنة، فظنوا أنه في حكم الميتة التي يجب إلقاءها، فبين - صلى الله عليه وسلم - أنه- وإن كان كذلك- حل بالذكاة كما تحل أمه بها.
-
وأما الخبر الثاني فقد رواه جماعة من الثقات عن مجالد بن سعيد ولم يذكروا فيه أنه خرج ميتًا. ورواه جماعة عن مجالد منهم: هشيم وأبو أسامة وعيسى بن يونس وغيرهم. وليس فيه هذه الزيادة، وإنما فيه أنه سئل عن الجنين يكون في بطن الجزور أو البقرة أو الشاه قال: (فكلوه،
-
فإن ذكاته أمه) . ولم تحفظ
-
1/63121/6312
هذه اللفظة. وهي قوله: (يخرج ميتا) . إلا من رواية السامر وهو ضعيف. فلم يجز ترك ظاهر القولين بمثل هذه الرواية،
-
ولو ثبتت هذه اللفظة حملنا على ما قارب الموت، كقوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} .
-
قالوا: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} : إنها الاجنة.
-
قلنا: روي أنها جميع الأنعام،
-
وكذلك روي عن الحسن. وهذا هو ظاهر العموم، وتخصيصه بالأجنة يحتاج إلى دليل.
-
ولأنه قال: {إلا ما يتلى عليكم} . يعني: سيتلى عليكم. فلم يمكن اعتقاد العموم، وإنما يفيد إباحة بعضها. وعندنا المذكى من الأجنة مباحة.
-
قالوا: ما دخل في بيع البهيمة، جاز أن يتذكى بذكاتها، أصله: أعضاؤها.
-
قلنا: الوصف لا يصح في الأصل؛ لأن الأعضاء هي الجملة المبيعة.
-
وقولوه: يدخل في بيعها.
-
يقتضي أن يكون جملة أخرى يقع البيع على الجملة فيدخل فيه.
-
ولأن الولد الداخل في البيع هو المنفصل حيًا، وذلك لا يذكى بذكاتها بانفاق.
-
ولأن الولد دخل في البيع؛ لأنه لو لم يدخل فيه، بطل البيع باستثناء فيه. وتحريم أكل الولد لا يمنع تذكية الأم؛ بدلالة الحامل كالمتولد مما لا يؤكل لحمه.
-
ولأن المعنى في الأعضاء أنها لا تنفرد عن الأصل بالذكاة، فجاز أن يلحقها ذكاتها، والجنين يجوز أن ينفرد عنها بالذكاة، فلم يتبعها في أحكامها.
-
قالوا: ما عتق من الآدمية بإعتاقها، جاز أن يتذكى من البهيمة بذكاتها، أصله: أطرافها.
-
1/63131/6313
قلنا: أطرافها لا تعتق، وإنما تعتق الجملة التي الأطراف فيها،
-
فإن صح أن يقال: إن الأطراف تعتق بعتقها، جاز أن يقال: إنها تعتق الأطراف.
-
فأما الولد: فيسري إليه عتقها. فيصح أن يقال: إن الولد لا يعتق بعتقها، إلا أن ينفصل حيًا، وذلك لا يتذكى بذكاتها، وإنما يتذكى ما مات بذكاتها عندهم، وذلك لا يعتق بإعتاق الآدمية. والمعنى في الأطراف ما قدمنا.
-
قالوا: مخلوق في الجوف من جنس ما يؤكل، فجاز أن تسري إليه الذكاة، أصله: الكبد والكرش.
-
قلنا: الآلة لا تسري إلى ما في جوفها، ولكنه يتذكى في نفسه بذبحها،
-
فأما أن تثبت ذكاتها ثم سرى إليه فلا.
-
ولأن الكبد لا ينفرد عنها في الإباحة، فصار مذكى بذكاتها. ولما جاز أن ينفرد الجنين عنها بالحظر إذا كان ولدًأ، جاز أن يفارقها في ذكاته.
-
قالوا: من جنس الحيوان المأكول، خرجت روحه بعقر مباح كالأم.
-
قلنا: لا نسلم أن روحه خرجت بعقر الأم، لجواز أن يكون مات قبل ذلك، وجواز أن يكون مات بعد موتها باضطرابها. والمعنى في الأم أن العقر حل فيها فجاز أن يبيحها، والجنين من جنس الحيوان الذي شرطه فيه العقر، فلم يحل من غير عقر.
-
قالوا: الجنين في حكم الجزء منها، بدلالة أنه يعتق بعتقها يدخل في بيعها.
-
قلنا: وهو في حكم الحيوان المنفرد، بدلالة جواز انفراده عنها في الذكاة وفي الإباحة إذا كان متولدًا، وينفرد عنها بالوصية ويورث عنه إرثه.
-
وأما دخوله في البيع: فليس لأنه في حكم عضو، لكن لأنه لو لم يدخله لفسد البيع باستثنائه.
-
وأما عتقه بعتقها: فلأنه لو لم يعتق ينفصل مملوكًا من جزء، والجزء لأهل المملوك.