مسألة ٩٣٧
التجريدHanafimasa’il 30919 to 30974
-
1/38931/3893
حكم إسلام الصبي العاقل وردته
-
قال أبو حنيفة ومحمد: إسلام الصبي الذي يعقل إسلام، وردته ردة.
-
وقال أو يوسف: إسلامه إسلام وردته ليست ردة.
-
وقال زفر: لا يكون إسلامه إسلاما ولا ردته ردة.
-
وقال الشافعي: يحال بينه وبين أهله ويسلم إلى مسلم حتى يبلغ فإن وصف الإسلام حكم بإسلامه وإن وصف الكفر أقر عليه.
-
ومن أصحابه من قال: إذا أسلم حكم بإسلامه من حين أسلم وهو صبي.
-
قالوا: وكلام الشافعي في كتاب الطهارة يدل على ذلك.
-
لنا: قوله- عليه الصلاة والسلام-: (كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه حتى يعرب لسانه فإما شاكرا وإما كفورا) فأتبعه أبويه في الدين ونقله عنهما إذا أعرب عن نفسه وقد وجد ذلك في مسألتنا فوجب أن ينتقل عن حكم أبويه إلى ما أظهر من الإسلام.
-
قالوا: أخبر - عليه السلام - أنهما يهودانه حتى يعرب عن نفسه ولم يقل أنه أعرب عن نفسه لزمه.
-
قلنا: نقله عن حكم الأبوين إذا أعرب لأن ما بعد الغاية يخالف، ما
-
1/38941/3894
قبلها ومن نقله عن حكمه يلزمه ما اعترف به.
-
دل عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أسلم عمير بن أبي وقاص وهو صبي وهاجر وتوجه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر قبل أن يحتلم فلما عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالسقيا كان يتوارى خلف الرجال حتى لا يرده فرده النبي - صلى الله عليه وسلم - فبكا فأجازه واحتلم في الطريق وحضر الواقعة وحمائل السيف تعقد عليه لصغره وأبوه مات على كفره وأمه كانت كافرة وهذا أمر مشهور يقوله أهل السيرة فدل على قبول إسلام الصبي.
-
ويدل عليه أن عليا - عليه السلام - أسلم وهو صبي ولم يحتلم وافتخر بالسبق إلى الإسلام فقال: سبقتكم إلى الإسلام حرا غلاما ما بلغنا أنه حلم لم يرد عليه الافتخار بالإسلام أحد.
-
فدل على صحة إسلامه.
-
فإن قيل قد اختلف في إسلامه فذكر أحمد بن حنبل في كتابه في فضائل الصحابة عن قتادة عن الحسن أنه قال: أسلم علي بن أبي طالب بعد خديجة وله خمسة عشر سنة أو ستة عشر سنة.
-
قلنا: هذا غلط؛ لأن أحمد وجماعة الرواة روا عن سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد قال: سمعت أبا محمد يقول لعمته فاطمة بنت
-
1/38951/3895
الحسين: إن السنة الثامنة والخمسون فيها مات أبي وفيها قتل الحسين وفيها قتل علي بن أبي طالب وأبا يحيى بن عبد الله بن الحسين فإنه قال إن علي قتل وله سبع وخمسون سنة وخطبه على الشهور التي رواها الناس وهي أصح خطبة يقول فيها: (أفسدتم علي رأيي بالعصيان ...
-
حتى قالت قريش: ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا رأي له [في الحرب] لله رأيهم ومن ذا يكون أعلم بها وأشهد لها ميراثا مني والله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ولكن لا رأي لمن لا يطاع وهو - رضي الله عنه - لم يشهد حربا قبل بدر وكانت في رمضان السنة الثانية من الهجرة وقد مضى قبلها من الإسلام خمس عشرة سنة فكيف يظن أنه أسلم وله خمس عشرة سنة؟) .
-
وقولهم: إن النبي ذكر في المعارف أنه قبل وله ثلاث وستون لا يلتفت إليه.
-
لأن طريق سفيان بن عيينة أصح الطرق وهو عن ولده، وأعمار الناس في العادة يعرفها أهلهم،
-
ثم قد نقلنا عنهم أنه قال: أسلمت وما بلغت أول الحلم وقد نقل فيه كلام أبي بكر وعمر وهو أليفه فيما يرويه من الشعر ويحكيه عن العرب من الخيار.
-
فإن قيل: يقولون تقتضي أنه أسلم وله خمس سنين
-
ومثله لا يعقل الإسلام.
-
قلنا: قد اختلف في مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة.
-
فإنه قيل أقل من خمس عشرة فقد أسلم في السنة السابعة ومثله يعقل الإسلام.
-
فإن قيل: الصبي إذا أظهر الإسلام مدح به وإن لم يصح كما يقولون أنه إذا صلى وصام لم يصح ذلك منه وإن كان يمدح به فيقال صبي ملازم الصلوات.
-
قلنا: الصحيح عندنا أن هذه العبادات تصح منه ولا تكون واجبة، وقد تكون الصلاة واجبة وغير واجبة ولا يكون الإسلام بأوله فإذا صح منه كان واجبا.
-
1/38961/3896
ولأن أحكام الإسلام على بصيرة فوجب أن يحكم بإسلامه كالبالغ).
-
ولأنه تصح صلاته وصيامه فيصح إسلامه كمن بلغ خمس عشرة سنة، ولأن الأحكام الشرعية تلزمه عندهم الزكاة وعندنا صدقة الفطر والعشر فجاز أن يصح إسلامه كالبالغ.
-
ولأن من وجب أن يزال يد الكفر عنه بإسلامه صح إسلامه كالعبد إذا أسلم.
-
ولأن إسلامه يتعلق به حكم من أحكام الإسلام وهو إزالة يد أبويه عنه فتعلق به جميع أحكام الإسلام كمن بلغ خمس عشرة سنة.
-
احتجوا: بقوله - عليه السلام -: (رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق والنائم حتى يتسيقظ.
-
قالوا: وهذا يقتضي سقوط التكليف عنه.
-
والجواب: أن هذا يقتضي سقوط التكليف الشرعي الذي يعرف من جهته - عليه السلام -، والإسلام عندنا من الأحكام العقلية.
-
ولأن الخبر يقتضي أنه لا يجب عليه الأحكام فليس المراد إذا لم يجب عليه الشيء لم يصح منه لأن العبادات الشرعية لا تلزمه وإن حدثت منه صحت.
-
احتجوا: بأنه تابع في الإسلام لغيره فوجب أن لا يصح إسلامه بنفسه كالصغير الذي لا يميز.
-
قلنا: إذا ثبت له حكم الشيء على وجه البيع فأولى أن ثبت له الحكم
-
1/38971/3897
بنفسه. ألا ترى أن المرأة تصير تابعة لزوجها في السفر والإقامة ولا يمنع ذلك أن ثبت لها حكم السفر والإقامة لفعلها.
-
ولأن الصبي الذي لا يعقل لم يوجد منه القصد إلى الإسلام فلا يحكم بإسلامه والعاقل قصد الإسلام وهو بعقله فحكم بإسلامه.
-
ولا يلزم على علة الأصل السكران لا نصدقه أنه لم يقصد إلى ما يقول.
-
قالوا: لا يستباح دمه بردته فلم يصح إسلامه كالمجنون.
-
قلنا: القتل عقوبة: والعقوبات من أحكام الشرع فلذلك لم يلزمه وأما اعتقاد الإسلام فهو من أحكام العقل فإن وجد العقل لزمه.
-
وقولهم: إن الإسلام يجب الشرع غلط، لأن الشرع فرع على العلم بالتوحيد والنبوة، وكيف يدل الفرع على أصله؟
-
ثم يقال لهم إذا عرف الصبي دليل التوحيد وبان هل يقولون أنه يتصرف عن هذا الاعتقاد ولا يعمل به؟ وهذا ليس بقول لأحد فلم يبق إلا أن يعتقده وهذا هو الإسلام.
-
فإن قيل: ليس يمتنع أن يتبين له الدلائل ولا يلزمه الاعتقاد كما أن دليل وجوب الصلاة تبين ولا يلزمه الصلاة.
-
قلنا: هذا غلط؛ لأنه إذا عرف التوحيد والنبوة بالعقل لزمه أن يعتقد وجوب الصلاة وغيرها من العبادات،
-
وإذا وجد شرط وجوبها ومن شروطها البلوغ؛ لأنها مما تصح أن تجب في حال دون حال وأما التوحيد فلا يصح أن يجب في حال دون حال فإذا كمل عقله وتصوره لم يعف وجوبه على شرط أخر.
-
قالوا: غير مكلف فلم يصح إسلامه كالمجنون.
-
قلنا: عن أردتم أنه غير مكلف لشيء لم نسلم؛ لأنه غير مكلف بالعقليات وإن أردتم أنه غير مكلف لبعض الأشياء فالفقير غير مكلف بالزكاة والحج.
-
ولا يدل على ذلك أنه غير مكلف بالإيمان.
-
1/38981/3898
قالوا: كل من لا يلزمه إقراره فإنه لا يلزمه إسلامه كالمجنون.
-
قلنا: لا نسلم؛ لأن إقرار الصبي يلزمه إذا أذن له في التجارة.
-
وبالإقرار قد لا يلزم البالغ في بعض الأحوال وهو المحجور عليه عندهم والمرتهن إذا أقر لوارثه عندنا.
-
ولا يدل على أن الإسلام لا يصح من هؤلاء.
-
قالوا: حكم يتعلق بالقول فلم يتعلق بقول الصبي كإقراره.
-
قلنا: لا نسلم؛ لأن الإسلام يتعلق بالاعتقاد. ولأن الإقرار يوجد مع التكليف فلا يلزم المقر وقد يلزمه كذلك الصبي يوجد منه الإقرار فيلزمه تارة ولا يلزمه أخرى عندان، وكما كان الإيمان يلزم البالغ الكامل بكل حال كذلك الصبي الكامل بكل حال.