مسألة ١٥١٩
التجريدHanafimasa’il 49266 to 49354
-
1/62611/6261
الأخذ من الحربي إذا دخل دارنا بأمان
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : إذا دخل الحربي دارنا بأمان، أخذ الإمام من ماله مثل ما يأخذ أهل الحرب من تجارنا،
-
فإن لم يعلم ما يأخذونه، أخذ منه العشر، ويؤخذ من الذمي إذا مر بماله في كل حول نصف العشر.
-
وقال الشافعي رحمه الله: إذا شرط عليه في الأمان أخذ شيء من ماله، أخذ منه،
-
وإن لم يشرط لم يؤخذ منه،
-
وأما الذمي فلا يؤخذ منه أكثر من الجزية، إلا أن يريد دخول الحرم،
-
فلا يدخله إلا إذا أذن الإمام،
-
وإن شرط على المعاهد أخذ شيء، جاز كما يجوز إن شرط على الحربي.
-
لنا: ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عماله: خذوا من الحربي العشر،
-
ومن الذمي نصف العشر،
-
ومن المسلم ربع العشر. حدثني بذلك من سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
وروى عمر بن الخطاب أنه قال لعماله: إذا مر بكم الحربي فخذوا منه ما يأخذون من تجارنا،
-
فإن لم تعلموا ما يأخذون، فخذوا العشر،
-
ومن الذمي نصف العشر،
-
ومن المسلم ربع الشعر. وهذا بمحضر الصحابة من غير خلاف.
-
فإن قيل: فيه إضمار: خذوا العشر وإن كانوا يأخذون مثله. وعندنا فيه إضمار: إن كنتم شرطتموه.
-
قلنا: ليس في الخبر عندنا إضمار؛ لأنه أوجب العشر إذا لم يعلم ما
-
1/62621/6262
يأخذون من غير شرط، وأوجب في مال مطلقًا، وعندكم يحتاج إلى شرطين: دخول الحرم، والشرط. وهذا خلاف ظاهر الخبر.
-
وروي أن عمر بن الخطاب ولى أنس بن مالك البصرة، فولى أنس ابن سيرين مولاه العشر فقال له: توليني المكس من عملك. فقال له أنس: هذا كتاب عمر، فاعمل بما فيه. فكان فيه: خذوا من الحربي العشر،
-
ومن الذمي نصف العشر،
-
ومن المسلم ربع العشر.
-
ولأنهم استفادوا حظر المال بدخولهم، فوجب أن يلزمهم حق يؤخذ من مالهم كما لو عقدنا الذمة.
-
ولأن ما جاز أن يؤخذ من مال الكافر بالتراضي، جاز أن يأخذ الإمام بغير شرط، أصله: الجزية.
-
ولأنه استفاد وحظر دمه وماله، فوجب أن يلزمه حق يأخذه الإمام كما لو شرط عليه.
-
احتجوا: بأنه قال: لم يشرط الإمام. فوجب أن يكون محظورًا بالأمان المطلق، أصله: ما زاد على العشر.
-
قلنا: ما زاد على العشر ليس بمحظور إن كانوا يأخذون مثله من تجارنا.
-
ولأن ما زاد على العشر لم يتقدر من حقوق المال المأخوذ من المسلمين، فلم يقدر به ما يؤخذ من مال الكافر، والعشر ونصف العشر يقدر به حق يؤخذ من مال المسلمين، فجاز أن يتقدر به حق يؤخذ من مال الكفار.
-
قالوا: مال لم يشرط فيه عوض، فصار كما لو عقد الهندنة لأهل الردة وأذن لرسولهم أن يدخل دارنا برسالة.
-
قلنا: إذا عقد الهدنة لأجل الردة، لم تجب عليهم الجزية، ألا ترى أنه لا يجوز ابتداؤهم بما فلم يلزمهم بغير شرط، وقد تلزم الجزية بغير شرط وهو المستأمن إذا أقام في دارنا أكثر من سنة، كذلك يجوز أن يختلف في باب الأمان لمن هو في دارنا أو من دخل دارنا،
-
وأما الرسول فيؤخذ مما معه العشر عندنا.
-
1/62631/6263
قالوا: مال يؤخذ من الكفار،
-
فلا يعتبر فعلهم فيه، أصله: الجزية.
-
قلنا: عندنا أنهم إذا أخذوا من تجارنا الجزية، أخذنا منهم الجزية.
-
وأما الجزية: فلو تغيرت في حق أهل الذمة، لم يصح لأنهم من أهل دار الإسلام فلم يجر فيهم فعل أهل الحرب، والحربي من أهل الأمان فيعتبر مثل هذا السبب في تجارنا.
-
قالوا: الاعتبار بفعل أهل الحرب بأنهم إن كانوا إذا عاهدوا نهبوا وقتلوا فلم يجز أن يفعل مثل ذلك وأخذ عشر مقدر يجوز أن يفعل بالشرط.
-
لأن لا نقتدي بهم في أفعالهم، ولكن الغرض استمرار الأمان لتجارنا وتجارهم لتصل المنافع بيننا وبينهم إذا أخذنا منهم مثل ما يأخذون منا كان داعيًا إلى تبقية الأمان، لأنهم لا يكررون ذلك، فتكثر بذلك منافع دار الإسلام.
-
1/62641/6264
مسألة ١٥٢٠ -
-
عقد الذمة مع الكفار
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : إذا عقد الذمة مع الكفار، لم ينتقض شيء مما يأتونه إلا أن يتحيزوا ويتهادنوا بدار الحرب متحيزين بها.
-
وقال أصحاب الشافعي [رحمهم الله] : إذا امتنعوا من مال الجزية أو جريان أحكام المسلمين عليهم أو امتنع بعضهم وقاتلوا، كان ذلك نقضًا لعهدهم وجهًا واحدًا. وسبعة أشياء فيها جهان: الزنى بمسلمة، وإصابتها بنكاح، أو يفتن مسلمًا عن دينه، أو يقطع على المسلمين الطريق، أو يكون جاسوسًا لأهل الحرب، أو يدل على عورات المسلمين، أو يقتل مسلمًا.
-
قالوا: فإن لم يكن شرط في عهدهم أنهم إذا خالفوا فيها يكون نقضا لعهدهم،
-
فإن شرط كان ذلك نقضا وعليه نص الشافعي.
-
ومن أصحابه من قال: لا يكون ذلك نقضًا وإن شرط.
-
وأما سب النبي - صلى الله عليه وسلم - وسب القرآن، فقال المروزي: يكون نقضًا للعهد قولًا واحدًا. وقال غيره: هو كالسبعة التي قدمناها.
-
وأما إذا رفعوا أصواتهم بالتوراة والإنجيل وأظهروا ضرب الناقوس والخمور والخنازير وتطاول البنيان على بناء المسلمين وتركوا القمار والزنى، فليس بنقض العهد وإن شرط في العهد أنهم ينقضون.
-
لنا: ما روى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب [عن أبيه]
-
1/62651/6265
عن عبد لله بن عمرو أن قومًا من اليهود قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: السام عليك. فقال - صلى الله عليه وسلم -: (السام واللعنة عليكم) . ولم ينقض عهدهم بذلك.
-
وروى قتادة عن أنس أن يهوديًا سلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: السام عليك. فقال - صلى الله عليه وسلم -: (أتدرون ما قال؟) قالوا: نعم، ورجع مثل ذلك. فقال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا سلم عليكم أحد من الكفار، فقولوا: وعليكم) .
-
وروى الزهري قال: أخبرني عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عدة من اليهود على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: السام عليك. ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة. فقال - صلى الله عليه وسلم -: (مهلًا يا عائشة،
-
فإن الله تعالى يحب الرفق في الأمر كله) . فقلت: يا رسول الله، ألم تسمع؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: (قد قلت: وعليكم) .
-
وهذا سب له - صلى الله عليه وسلم -،
-
ولو كان من مسلم حل دمه، ولم يقتلهم النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
وروى زيد بن أرقم قال: سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل من اليهود، فاشتكى أيامًا، فأتاه جبريل فقال: إن رجلًا من اليهود عقد لك عقدًا، وجعلها في بئر كذا
-
وكذا. فأرسل - صلى الله عليه وسلم - فأخرجها من البئر، فكأنما نشط من عقال، فما رأى ذلك الرجل مما صنع في وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا ولا خبر به. وهذا قصد الإضرار به في جسده وهو أكثر من السب.
-
وروى شعبة عن هشام بن زيد عن أنس أن امرأة يهودية أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها فقيل له: ألا تقتلها؟ فقال: (لا) .
-
فإن قيل: ذكر الواقدي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل اليهودية.
-
1/62661/6266
قلنا: روينا أنه لم يقتلها،
-
وإن ثبت فيجوز أن يكون قتلها؛ لأنه تكرر منها ذلك الفعل، فقتلها للسعي في الأرض بالفساد.
-
فإن قيل: النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتلها لضعف الإسلام وأن يده تظل عليهم.
-
قلنا: إن عجز عن قتلها لم يعجز عن بيان وجوب ذلك، فلما لم يبين ذلك دل على أنه يجب؛ لأن أهل الذمة يسبون الله تعالى ويقولون له ولد، والمجوس يقولون ضد وهو أم بين فلا ينقضون العهد بذلك، فسب النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله.
-
ولأنه نوع كفر فلا ينقض بذلك العهد كسائر أنواعه، لأنهم لو سبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في كنائسهم وبيعهم لم ينقضوا به العهد وما لا ينتقض العهد في كنائسهم لا ينتقض به في غيرها كضرب الناقوس وإظهار الخنازير.
-
ولأن الجزية دين عليهم، والامتناع منها كالامتناع من سائر الديون يؤخذ بغير اختيارهم.
-
ولأن امتناعهم من جريان أحكام الإسلام عليهم أم رحظر بالأمان،
-
فإذا فعلوا وهم في أيدينا لم ينتقض العهد كإظهار الخمر والخنزير.
-
ولأنه عقد قام بيننا وبينهم،
-
فلا يفسخ بقولهم كعقد البيع.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} إلى قوله: {وهم صغرون} . قالوا: فأمر بترك قتلهم شرط إعطاء الجزية،
-
فإذا امتنعوا وجب القتال لعدم الشرط.
-
قلنا: القتال سقط بالتزام الإعطاء، وقد التزموا فسقط قتالهم. وليس في الآية تكرار الإعطاء،
-
فلا يجوز قتالهم إذا امتنعوا بظاهر الآية.
-
قالوا: روي أن رجلًا قال لابن عمر: [إني سمعت] راهبًا سب النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال عبد الله بن عمر: لو كنت سمعته أنا لقتلته، إنا لم نعطهم الأمان على ذلك. قالوا:
-
ولا يعرف له مخالف.
-
قلنا: رواه حصين بن عبد الرحمن عن رجل عن ابن عمر وهم لا يقولون
-
1/62671/6267
بالمراسيل.
-
ولأن هذا القول لا يعلم انتشاره، وتقليد الصحابي فيما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلافه لا يجوز
-
قالوا: معنى يحقن دم الكافر، فوجب أن ينتقض بسبهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، أصله: الإسلام. ولأن الإيمان آكد في عقد الذمة،
-
فإذا انتقض بسبهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالذمة أولى.
-
قلنا: المعنى في الإسلام أنه ينتقض باعتقاد الكفر،
-
فلا ينتقض بسب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
قالوا: عقد أمان، فوجب أن ينتقض بالمخالفة فيما انعقد، أصله: الهدنة.
-
قلنا: الهدنة خالفوا وتحيزوا،
-
وأما إذا لم يتحيزوا وكانوا في أيدينا فإنا نلزمهم الجزية بغير اختيارهم.
-
قالوا: ما كان نقضًا للعهد إذا وجد من العدد الكثير، كان نقضًا إذا وجد من العدد القليل، أصله جناية أهل الهدنة.
-
قلنا: الحكم عندنا لا يختلف بالقلة والكثرة؛ لأن جملة أهل الذمة لو امتنعوا ولم يتحيزوا لم يكن ذلك منهم نقضًا، والواحد إذا تحيز وامتنع كان ذلك منه نقضًا.
-
وكذلك أهل الهدنة إذا خالف الواحد منهم فلم يرضوا ما فعل، فذلك ليس بنقض من جماعتهم.
-
قالوا: حقن الدم يتعلق ببذل الجزية وجريان أحكام المسلمين عليهم، فما امتنعوا منه يجب أن يعود إلى الإباحة، كما لو امتنع المسلم من الشهادتين.
-
قلنا: الإباحة [إنما كانت لأنهم حرب لنا، ولهذا تزول الإباحة] من غير جزية، فالهدنة والامتناع لا يعود به حربًا،
-
فإذا تحيز عاد سبب الإباحة فعادت.
-
فأما المسلم إذا جحد الشهادتين: فلم تعد الإباحة الأولى، وإنما تجددت إباحة أخرى، بدلالة أن الإباحة الأولى ترتفع بالاسترقاق والجزية، وهذه الإباحة لا ترفع إلا بالإسلام، فعلم أن الإباحة الأولى لم تعد بجحود الشهادتين، فلم نسلم الحكم في الأصل.