هل على النباش قطع أم لا
التجريدHanafimasa’il 46621 to 46717
-
1/59961/5996
قال أبو حنيفة ومحمد: النباش لا يقطع.
-
وقال أبو يوسف: يقطع. وبه قال الشافعي.
-
والكلام في هذه المسألة يقع في مواضع: أحدها: أنه لا يسمى سارقا. والدليل عليه: أنهم خصوه باسم فقالوا: نباش. وطريق التفريق في الأسماء أن ينفرد كل فعل باسم. فدل ذلك أن كل واحد من الأمرين لا يسمى باسم الآخر إلا أن يجل دليل الاشتراك.
-
ولأن أهل المدينة يسمونه مختفي،
-
ولا يسمون السارق بذلك، ولأن السارق عندهم من أخذ الشيء مستخفيا. ولهذا يقولون سارق النظر. وهذا لا يكون إلا فيما أخذ وهو محفوظ وهذا لا يوجد في الكفن.
-
فإن قيل: روي عن عائشة أنها قالت: (كيف يقطع سارق أحيائنا ولا يقطع سارق موتانا) ).
-
قلنا: هذا محمول على سارق مال الميت،
-
ولو ثبت أنها قالت ذلك في الكفن بيانا للاسم وإنما هو بيان للحكم. ولأنهم لا يعملون الأسماء. فكأنها قالت: حكمه حكم السارق.
-
1/59971/5997
فإن قيل: تسميته نباشا لا ينفي اسم السارق، وإنما هذا نوع من السرقة تقولهم نقاب.
-
قلنا: الظاهر من إفراد الفعل باسم أنه لا يشارك غيره في اسمه.
-
فإذا ثبت الاشتراك في موضوع فهو خلاف الظاهر.
-
وإذا ثبت أن اسم السارق لا يتناوله، الحد [في السارق] ورد في السارق فلا يجوز نقله إلى غيره بالقياس.
-
الفصل الثاني: أن الكفن ليس بمملوك لأنه لا يخلو إما أن يكون ملكا للميت أو للوارث.
-
ولا يجوز أن يكون ملكا للميت. لأن الموت ينافي الإملاك ولأنه يمنع البقاء على الملك فأولى أن يمنع الابتداء. ولأنه ينفي ملك منفعة البضع، وملكها أوسع من ملك المال. بدلالة أن العبد يملكها ولا يملك المال فكان نفي ملك المال أولى.
-
ولا يجوز أ، يكون ملكا للوراث. لأنه يستحق عليه فإذا نقده لم يكن على ملكه كالدين والوصية. ولأن الوارث عند مخالفنا لو نبش الكفن قطع. ويستحيل أن يقطع في ملكه. ولأن الموت ينافي الإملاك فلا يختص بعين دون عين.
-
فإن قيل: ملك الميت يزول عما لا حاجة به إليه، وبه إلى الكفن حاجة فلا يزول ملكه عنه كتقدير فيه وما أوصى به للفقراء.
-
قلنا: لا يزول ملكه عن جميع ذلك بالموت ويقف على حق الغرماء والموصي لهم،
-
فإذا ردوا الوصية وأبرأوا من الدين زال الموقوف وحكمنا بانتقال الملك إلى الورثة في ذلك.
-
فإن قيل: هلا قلتم: إن ملك الكفن يقف على حكم ملك الميت.
-
قلنا: إنما يقف على حكم ملكه تعلق حق الغير به تعلقا مراعى.
-
فإذا نقد ما تعلق به [المراعي دون أن يسقط] الحلق المتعلق به وملكه الورثة. والكفن يتعلق به حق غير الميت حتى يقف ملكه فيه.
-
فإن قيل: لو أكل الميت سبع كان الوارث أحق بالكفن.
-
قلنا: لأنه مستحق عليهم بجهة بطلت تلك الجهة فعاد إلى ملكهم
-
1/59981/5998
كما لو أوصى الميت بوصية فردها الموصى له فملكها الوارث لبطلان الجهة التي استحقت لها. ولذلك قال محمد: في المسجد إذا استغني عنه عاد إلى ملك بانيه
-
وكذلك إذا أبرأوا الغرماء من الدين [فملكها الوارث] ولا يملكون قبل البراءة،
-
ولو تبرع متبرع بتكفين الميت زال ملكه عن الكفن.
-
فإن أكله سبع عاد الكفن إلى ملك المتبرع.
-
فإن قيل: الوارث خصم للنباش في رد الكفن فدل أنه ملكه.
-
قلنا: المودع خصم في رد الوديعة إلى يده ولا يملكها. ولأنه يخاصم لتبقيه الفرية التي وجهها وإذا كان هذا قلنا: كل عين ليس لها مالك معين من الآدميين ولا هي موقوفة [على حكم ملك مالك] بعقد لم يقطع فيها كمال بيت المال.
-
ولا يلزم مال الكاتب. لأنه موقوف على ملك بعقد.
-
فإن قيل: السارق من المودع يقطعه المودع وليس بمالك.
-
قلنا: العين ملك المودع، والمودع قائم مقامه في المطالبة بها.
-
فإن قيل: المعنى في مال بيت المال أن للسارق فيه حقا فلا يقطع كما لا يقطع في سرقة مال مشترك. ولأن مال بيت المال وضع لصيانة المسلم عن الفقر كما أن مال الابن لصيانة أبيه عن الفقر.
-
ثم لا يقطع الأب في سرقة مال الابن كذلك السارق من بيت المال.
-
قلنا: الحربي المستأمن إذا سرق مال بيت المال لم يقطع وليس بشريك فيه.
-
الفصل الثالث في المسألة: أن الكفن ليس بمحرز في القبر.
-
الدليل على ذلك أنه إن سرق من القبر وليس فيه ميت لم يقطع، وانضمام الميت إلى الكفن وهو لا يحس كضم حجر إليه. ولأنه لو سرق من القبر غير الكفن من الأموال لم يقطع،
-
ولو كان حرزا لنوع من المال كان حرزا لجميع المال
-
1/59991/5999
كالبيوت. ولأن البقعة تصير الحرز لمعنى هي عليه كالبيوت أو للحافظ، والقبر لم يوضع للحفظ ولا هناك حافظ فلم يكن حرزًا للدواب الدنانير.
-
قلنا: ليس نقول ذلك. شريحة البقال حرز لجميع الأموال كما أن صحن الدار حرز للجوهر إذا بدر فيه وإن لم تجر العادة بحفظ الجوهر كذلك.
-
فإن قيل: من وضع النار في القبر بسبب التفريط فدل أنه حفظ.
-
قلنا: كلاهما يضيع إلا أن أحدهما فيه غرض صحيح.
-
فلا يلزم عليه، والآخر بلا غرض فيه فيلام عليه كما أن آكل الطعام لا لوم عليه، وآكل الجوهر يلام على أكله، فكلا الفعلين يضيع.
-
فإن قيل: قال تعالى {ألم نجعل الأرض كفانًا، أحياء وأمواتًا} فأخبر أن الأرض تحفظ الآدمي.
-
قلنا: ليس إذا كان حرزًا للآدمي لزم أن تكون حرزًا للكفن. لأن عند مخالفنا قد يكون الموضع حرزًا لشيء دون شيء،
-
ثم الكفن الضم، فأخبر الله تعالى أن الأرض تضم الميت حتى لا تبدده اختلاف الرياح وتأكله السباع والهوام وليس هذا من الحرز في شيء.
-
فإن قيل: لا معنى لاعتبار الحرز في القبر، وعندكم أن القبر لو كان في دار لم يقطع أخذ الكفن منه، وقد أخذه من حرز.
-
قلنا: إذا كان القبر في الصحراء لم يجب القطع لمعان. منها: عدم الحرز،
-
فإذا أخذ من قبر في دار لم يقطع. لأنه ليس بمملوك. ولأن الآخذ ليس بسارق،
-
ولا يمتنع أن يعلل الحكم بعلة تتعلق بجميعها تارة وبكل واحد منها على الانفراد أخرى.
-
الفصل الرابع: في تفسير المسألة: والدليل عليه ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا قطع على مختفي) والمختفي: النباش بلغة أهل المدينة.
-
1/60001/6000
وروى الزهري أن نباشا أخذ في زمن مروان فاجتمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانوا متوافقين أنه يضرب ولا يقطع، وعن زيد بن ثابت أنه لا يقطع.
-
وقولهم: إن ابن المنذر قال لا يثبت ذلك ليس بصحيح. لأن الطحاوي روى بإسناد صحيح.
-
فلو طعن ابن المنذر في الإسناد سمع طعنه.
-
فإما أن نقول: لم يثبت فهذا نفي،
-
ولا يقبل في مقابلة الإثبات. ولأن كل موضع لو سرق منه الدراهم والدنانير لم يقطع لمعنى يعود إلى الحرز لم يقطع إذا سرق الثياب كالصحراء. ولأنه لو سرق ما زاد على الكفن من القبر لم يقطع. كذلك إذا أخذ الكفن لأن كل واحد منهما من تركه الميت.
-
ولأن كل بقعة إذا أخذ منها المال لم يقطع فانضمام الميت إلى المال لا يوجب القطع كالحرز المأذون في دخوله. ولأن أخذ النباش يستقر به الضمان فلا يجب به القطع فأخذ الغاضب. ولأن أطراف الميت لا يجب بإتلافها ضمان فلا يجب بأخذ كسوته قطع كالحربي.
-
قالوا: ينتقض بالمرتد.
-
قلنا: لا يجب القطع في حاله. لأن من الفقهاء من قال: هو ينتقض بالزاني إذا حكم الحاكم برجمه.
-
قلنا: أطرافه مضمونه. بدلالة أن من قطع يده ثم دخل شبهة ضمن.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} .
-
قالوا: والسارق اسم عام يجمع أنواعًا كنقاب وطرار. ولهذا قالت عائشة: (كيف يقطع سارق أحيائنا ولا يقطع سارق موتانا) ؟ فسمت النباش سارقًا.
-
وقولهم: مقبول في اللغة.
-
قلنا: قد بينا أن النباش خص باسم، والظاهر أنه لا يشارك غيره، وعلى
-
1/60011/6001
لغة أهل المدينة. يقال له: مختفي. فلم نسلم أنه يسمى سارقًا على الإطلاق.
-
وقول عائشة بيان للحكم. لأن الصحابة لا يعلم بعضهم بعضًا الأسماء اللغوية. فكأنها قالت حكمة حكم سارق الأحياء.
-
وقولهم: إن السارق من أخذ المال على وجه الاستخفاء ليس بصحيح. لأن الميت لا يستخفى منه.
-
قالوا: روى البراء بن عازب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من غرق غرقنا ومن حرق حرقنا ومن نبش قطعناه) .
-
قلنا: هذا خبر لا أصل له. وما حكي عن موضع صحيح ولا سقيم.
-
فإما نقلت هذه الألفاظ في خطبة زياد. ولأن النبش لا يتعلق به القطع باتفاق، وأنه يتعلق عندهم بأخذ الكفن. فكيف علق - عليه السلام - القطع بما لا يتعلق به؟
-
قالوا: قال الله تعالى: {إنما جزءوا الذين يحابون الله ورسوله} . الآية تقتضي أن قاطع الطريق [إذا أخذ] كفن ميت في تابوت في القافلة فلم يجب القطع.
-
قلنا: ليس عن أبي حنيفة في وجوب الحد على قاطع الطريق بأخذ الكفن رواية؛ ولأن المراد بالآية إذا أخذوا مالًا مملوكًا باتفاق. وذلك في الكفن عندنا.
-
قالوا: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (القطع في ربع دينار) .
-
قلنا: المراد به القطع على السارق، ونحن لا نسلم أن هذا السارق.
-
قالوا: روي أن ابن الزبير قطع نباشا بعرفات. وهذا موضع يحضره الناس من كل فج، ولم ينكر ذلك أحد وقالت عائشة: (سارق موتانا كسارق أحيائنا) .
-
1/60021/6002
قالوا: روي أن ابن مسعود أخذ نباشا. فكتب إلى عمر. فكتب عمر يقطع.
-
قلنا: من الإجماع في زمن مروان. روه الزهري وهو الثبت فيما يرويه عن السيرة بالمدينة.
-
وأما خبر ابن مسعود فلو كان صحيحا لنقله أهل الكوفة،
-
ولو ثبت بالإجماع في زمن مروان لسقط ما قبله من الخلاف.
-
وما روي من فعل ابن الزبير يجوز أن يكون نباشا سرق فقطع بسرقته؛ وعرف بفعل النبش، وإن قطع بغيره.
-
كما روي ابن الزبير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع المخزومية التي كانت تستعير الحلي وتحبسه.
-
قالوا: من وجب القطع بسرقته سترته كالحي يجب القطع بسرقة سترته وإن لم يجب ستر عورته وهو الصبي والصغير. وتنتقض العلة بالحربي.
-
فإن القطع لا يجب بسرقة سترته،
-
وإن وجب ستر عورته.
-
والمعنى في الحي أن الضمان يستقل بإتلاف أطرافه فوجب القطع بسرقة أثوابه،
-
وإن كانت أطراف الميت لا تضمن بالإتلاف لم يقطع بسرقة سترته، أو نقول سترة الحي لو سرق منها الدراهم لم يقطع. كذلك إذا سرقها لم يقطع.
-
قالوا: حكم يتعلق بالسرقة فجاز أن يتلق بالكفن أصله الضمان.
-
قلنا: وجوب الضمان أوسع ووجوب القطع أضيق. ألا ترى أن السارق من بيت المال ومن الحرز المأذون في دخوله والمختلس يجب عليهم دون القطع، ولأن الضمان في الكفن يجب بحق الوارث، والقطع لا يجب لحقه. لأن عند مخالفنا لو نبش القبر قطع.
-
ولأن الضمان يجب في أخذ مال بيت المال كذلك لا يجب في أخذ الكفن. [وكما لم يجب القطع في أخذ مال بيت المال. كذلك لا يجب في أخذ الكفن] .
-
1/60031/6003
قالوا: سرق نصابا في حرز مثله من غير شبهة فوجب قطعه إذا كان من أهل القطع أصله [السارق من] الحي.
-
قلنا: لا نسلم أنه سرق.
-
فإن قالوا: أخذ بطل بالمنتهب.
-
فإن قالوا: اَخذ على وجه الاستخفاء بطل بمن أخذ من حرز مأذون له في دخوله.
-
فلا نسلم أنه أخذ من حرز مثله. لأن الكفن لا يوضع في القبر ليحرز، وإنما يوضع للبذلة والفساد ولا يكون محرزا.
-
فإن قالوا: إنما يوضع للمنفعة وإن فسد بها كما يلبس الثوب الحي لينتفع به. وإن بلي بلبسه.
-
قلنا: الميت يوضع للفساد والبلى فكذلك كفنه، والحي محفوظ فكذلك ثيابه أيضا وإن كانت تبلى بالاستعمال.
-
والمعنى في غير الكفن أنه مأخوذ من مكان لو أخذت منه الدراهم لم يقطع كذلك إذا أخذ الثياب.