مسألة ٤٢٣
التجريدHanafimasa’il 13016 to 13204
-
1/17041/1704
القِران أفضل من التمتع والإفراد
-
قال أصحابنا: القِران أفضل من التمتع والإفراد، وذكر الطحاوي: أن التمتع أفضل من الإفراد. وأصحابنا يقولون: هذا مذهبه خاصة.
-
وقال الشافعي: الإفراد والتمتع، فقال في عامة كتبه: الإفراد أفضل، وقال في اختلاف الحديث: التمتع أفضل.
-
والقِران أفضل من حجة مفردة،
-
وأما إفراد الحج أو العمرة: بأن يأتي بالحج ثم يعتمر بعد الأشهر فذلك أفضل من القرِان. والكلام في هذا يقع في فصول:
-
أولها: أن القرِان أفضل.
-
والثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج حجة الإسلام التمام قارنًا.
-
والثالث: أن دم القرِان دم النسك.
-
فأما الدليل في نفس المسألة: فما روى الأوزاعي، وعلي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس عن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بالعقيق يقول: (أتاني الليلة آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقال: قل: لبيك بعمرة في حجة) فأقل أحوال الأمر: أنه يحمل على الفضيلة.
-
1/17051/1705
فإن قيل: ذكر هذا البخاري في الصحيح وفيه: (قال: عمرة في حجة) .
-
قلنا: ذكر أبو داود اللفظين جميعًا، وذكرهما الطحاوي من الطرفين اللذين ذكرناهما، وفيه قل.
-
ولأن قوله: (وقال) اختصار الحديث، وإلا فالملك لا يلبي، وإنما يعلم التلبية فأصل الخبر فقال: (قل) .
-
ولأنه زائد، والزائد من الخبر أولى.
-
وروت أم سلمة، قالت: (سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: أهلوا يا آل محمد بعمرة في حجة) وهذا أمر.
-
ويدل عليه: قول علي - رضي الله عنه -: (إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك) ، والإحرام بهما هو القران، وقد جعل ذلك من صفة التمام، فهي أفضل من غيرها.
-
ولأن كل عبادتين أبيح الجمع بينهما، فإفراد كل واحد منهما لا يكون أفضل من جمعهما، كالصوم، والاعتكاف، والحرس في سبيل الله مع الصلاة، ودفع الصدقة في الصلاة.
-
ولأن كل من أبيح له القران، فالأصل له القران، أصله: من أحرم بشيء ثم نسيه.
-
ولأن من نذر القِران لم يسقط نذره بالإفراد،
-
ولو كان أفضل، سقط به فرض النذر، كمن نذر أن يصلي قاعدًا فصلى قائمًا،
-
فإن أوجب نوع نسك،
-
فلا يسقط فرضه بما لا يتناوله اسمه، كمن نذر حجة فأتى بعمرة.
-
ولا يلزم على هذا: من ذنر حجة وعمرة فأتى بالقِران؛ لأن القران حج وعمرة؛ ولأنه إذا ثبت القِران، فقد أوجب الحج والعمرة والدم،
-
فإذا أفرد فعل الحج والعمرة دون الدم لم يحرم.
-
1/17061/1706
فأما الدليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في حجة التمام قارنًا: فما روى حميد عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (أنه أتى بعمرة وحجة، وقال: لبيك بعمرة وحجة) .
-
وروى أبو قلابة عن أنس: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما استوت به راحلته على البيداء جمع بينهما) .
-
وروى أبو قلابة وحميد بن هلال عن أنس قال: (كنت ردف أبي طلحة، وكانت ركبتي تمس ركبة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يزالوا يصرخون بهما جميعًا بالحج والعمرة) .
-
قالوا: ذكر قول أنس لابن عمر، فقال ابن عمر: (إن أنسًا كان يلج على النساء وهن مكشفات، وكنت تحت ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسيل عليَّ لعابها.
-
1/17071/1707
قلنا: قد ذكر لأنس قول ابن عمر فقال: ما يعدونا إلا صبيانًا، بل سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: لبيك بحجة وعمرة معًا).
-
وعن علي: أن سن أنس وابن عمر بمتفاوت حتى يقدح في روايته لصغره وإنما بينهما ثلاث سنين، وقد دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ولأنس عشر سنين، فكيف يكون في حجة الوداع يلج على النساء؟.
-
وذكر أبو الحسن بأسانيده عن أبي بكر، وعمر، وأبي طلحة، وابن عباس، وعائشة، والهرماس بن زياد، وأم سلمة، وعبد الله بن أبي أوفى، وذكر أبو داود حديث أنس وعمران بن الحصين، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا.
-
وذكر الطحاوي القران عن سراقة بن مالك.
-
1/17081/1708
وذكر الدارقطني عن ابن مسعود وأبي سعيد وابن عمر، وأبي قتادة، وقال أبو قتادة: (إنما جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الحج والعمرة؛ لأنه علم أنه ليس بحاج بعدها) .
-
ويدل عليه: حديث ابراء بن عازب، قال: (كنت مع علي [- رضي الله عنه -] حين أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأصبت معه أواقى، فلما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: وجدت فاطمة رضي الله عنها قد لبست ثيابًا صبيغًا، وقد نضحت البيت بنضوح.
-
قال: فقالت: مالك، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه فأحلوا، قال: قلت لها: إني أهللت بإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: كيف صنعت؟
-
قلت: أهللت بإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فإني سقت الهدي وقرنت، فقال لي: انحر من البدن تسعًا وستين، أو ستًا وستين، وأمسك لنفسك ثلاثًا وثلاثين، أو أربعًا وثلاثين) .
-
فإن قيل: روى ابن خزيمة في هذا الحديث (أما [أنا فسقت] الهدي وأفردت) .
-
قلنا: الصحيح من الخبر ما ذكرناه، وهو مذهب علي - رضي الله عنه -، وهكذا رواه أبو داود وغيره، ولعل ما ذكره تصحيف على القارئ من كتاب ابن خزيمة.
-
ولو كان لهذا أصل صحيح، أو فاسد، لم يتركه الدارقطني مع تتبعه
-
1/17091/1709
لما يقوي مذهب مخالفنا صحيحًا أو فاسدًا، معروفًا أو شاذًا.
-
ويدل عليه: ما روى ابن عباس قال: (اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع عمر: عمرة الجحفة، وعمرته من العام المقبل، وعمرته بالجعرانة، وعمرته مع حجته، وحج حجة واحدة) . ذكره الطحاوي.
-
وذكر أبو داود عن عائشة رضي الله عنهما قالت: (اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث عمر سوى عمرته التي قرنها بحجة الوداع) .
-
ويدل عليه ما روى: أن حفصة قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - (ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟، فقال: إني قلدت هديي، ولبدت رأسي،
-
فلا أحل حتى أنحر) .
-
1/17101/1710
وروى عنه: أنه قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وحللت كما حلوا) .
-
ومعلوم أنه إذا كان مفردًا، فهديه تطوع، وذلك لا يمنع التحلل عند أحد، وهدي المتعة والقِران عندنا يمنع التحلل، وحمل خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه قال به أهل العلم أولى من حمله على ما يخالف إجماعهم،
-
وإذا ثبت أنه كان قارنًا وهو لا يختار من القرب إلا أفضلها إذا لم يكن له عذر،
-
ولا عذر له في ترك الإفراد، لا سيما وقد حج معه مائة ألف.
-
وقال: (خذوا عني مناسككم) وعلم أنها حجة حجها، وكيف يترك الأفضل، ويعدل إلى الأنقص من غير عذر؟.
-
وأما الدليل على أن دم القِران دم نسك: فإنه دم وجب لا لارتكاب محظور، كالأضحية المنذورة ولا يلزم الدم الذي يجب بحلق الرأس من أدنى؛ لأن الحلق في الجملة محظور،
-
وإن رخص فيه للعذر. ولأنه دم يراد لا لارتكاب محظور،
-
ولا لفعل حظره للإحرام، كدم الأضحية.
-
ولأنه مؤقت، بدلالة أنه لا يجوز إلا بعد دخول أشهر الحج ووجود الإحرامين، فكان دم نسك، كالأضحية.
-
ولأن سبب هذا الدم أبيح لغير عذر، كدم النذر، وعكسه سائر الدماء في الحج،
-
وإذا ثبت أنه دم نسك، ثبت أن القران أفضل؛ لأن أحدًا لم يفصل بينهما.
-
ولأنه يأتي بالإحرامين مع دم نسك، وزيادة النسك أولى.
-
1/17111/1711
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أفضل الحج العج والثج) .
-
فدل على أن الإحرام الذي ينضم إليه إراقة الدم أفضل وأولى بالفعل.
-
احتجوا بما روى عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنهما (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج) .
-
قلنا: قد روى ابن شهاب، قال: أخبره ابن عروة، عن عائشة، أخبرته: (أنها كانت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تمتعه بالحج إلى العمرة، وتمتع الناس معه) .
-
1/17121/1712
وهذا يدل على أنه كان متمتعًا
-
بخلاف ما روى عنها القاسم بن محمد. وروى مجاهد، قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: مرتين، فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمر ثلاثًا سوي عمرته التي قرن بها حجه.
-
وقد اختلفت الرواية عن عائشة، فروي عنها الإفراد والتمتع والقران، وخبر أنس ومن روينا عنه لم يتعارض، فكان أولى.
-
قالوا: ذكر أبو داود عن جابر: أنه قال: أهللنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج خالصًا لا يخالطه شيء.
-
قلنا: ذكر الثوري، عن جعفر بن محمد، حكايته عن جابر، (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج حجتين قبل أن يهاجر، وحج بعد الهجرة حجة، قرن بها عمرة) .
-
وروى أبو نضرة عن جابر، قال: (متعتان فعلناهما على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهانا عنهما عمر، فلم نعد إليهما) .
-
قالوا: روي عن ابن عمر أنه قال: (أهللنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج
-
1/17131/1713
مفردًا).
-
قلنا: روى الزهري، عن سالم، قال: (إني لجالس مع ابن عمر في المسجد، إذ جاءه رجل من أهل الشام، فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال ابن عمر: حسن جميل، فقال: إن أباك ينهى عن ذلك، فقال: ويلك!
-
فإن كان أبي نهى عن ذلك، وقد فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمر به، فقال: بأبي نأخذ أم بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فقم عني) .
-
وروى ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر قال: (تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل بالعمرة،
-
ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحج) .
-
وروى سفيان عن صدقة بن يسار (أنه سمع ابن عمر يقول: عمرة في العشر الأول من ذي الحجة أحب إلى من عمرة في العشر البواقي) .
-
1/17141/1714
وروى عطاء بن السائب، عن كثير بن جهمان، قال: (حججنا وفينا رجل أعجمي يلبي بالعمرة والحج، فعبنا ذلك عليه، فسألنا ابن عمر، فقلنا: إن رجلاً يلبي بالعمرة والحج، فما كفارته؟ قال: يرجع بأجرين، وترجعون أنتم بأجر واحد) .
-
فهذا ابن عمر يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويبقي بفضيلة القران.
-
قالوا: روى نافع، عن ابن عمر: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل عتاب بن أسيد على الحج، فأمره،
-
ثم استعمل أبا بكر سنة تسع وأفرد،
-
ثم حج النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة عشر، فأفرد الحج،
-
ثم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واستخلف أبو بكر، فبعث عمر وأفرد الحج، وتوفي أبو بكر، واستخلف عمر، فبعث عبد الرحمن بن عوف فأفرد الحج،
-
ثم حج عمر سنيه كلها وأفرد الحج ثم توفي عمر، واستخلف عثمان، فأفرد الحج،
-
ثم حصر عثمان، فأقام عبد الله بن عباس بالناس، فأفرد بالحج) .
-
قلنا: روى عن ابن عباس أنه قال تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى مات،
-
1/17151/1715
وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات، وأول ما نهي عنها معاوية.
-
قالوا: روى جابر قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسم حجًا ولا عمرة، حتى كان بين الصفا والمروة، ونزل عليه عبد الرحمن، فأهل بالحج).
-
قلنا: روي عن عائشة، أنها قالت: إنه أفرد بالحج).
-
وروي عن ابن عمر: (أنه أفرد بالحج) .
-
وروينا عن علي، وأنس، والجماعة: (أنه قرن) ، فعارض هذا ما رواه جابر.
-
قالوا: روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة) ، ثبت أنه كان محرمًا بالحج، إذ لو كان محرمًا بالحج والعمرة لقال: ولجعلتها عمرة.
-
قالوا: دخل مكة فقضى العمرة،
-
ثم قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلت الحجة عمرة) بالفسخ،
-
وأما العمرة فقد قضاها، فلذلك لم يكرهها.
-
وإذا قد تعارضت/ الأخبار فأخبارنا أولى؛ لأن رواتها أكثر؛ ولأنا روينا عن جماعة لم تختلف الرواية عنهم، [فكان من روى ولم تختلف الرواية عنهم] أولى.
-
ولأنا نجمع بين الأخبار ونستعمل جميعها، فنقول: يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم ابتداءً بالعمرة، فسمعه قوم يحرم بها،
-
ثم أدخل الحج عليها،
-
فمن قال: أفرد الحج، سمعه يحرم بالحج، ولم يكن عرف تقدم إحرامه بالعمرة، ومن قال:
-
1/17161/1716
تمتع، سمع إحرامه ابتداء بالعمرة،
-
ثم رآه يُلبي بالحج، فقال: تمتع،
-
ومن قال: قرن، عرف أنه أدخل إحرام الحج على إحرام العمرة قبل الطواف، فقال: قرن.
-
فتحمل رواية الجماعة على وجه صحيح، ولهذا روت عائشة رضي الله عنها (أنه أفرد الحج) ، وروت: (أنه قرن) ؛ بمعنى: أفرد الحج حين أحرم بهما وقولها: (قرن) لأن من أهل بعمرة،
-
ثم أدخل الحج على عمرته قبل الطوتف كان قارنًا.
-
وتأويل آخر: وهو الإحرام يستدل عليه بالتلبية، والقارن يجوز أن يلبي بهما،
-
ويجوز أن يقول: لبيك بحجة ويسكت عن العمرة،
-
ويجوز أن يقول: لبيك بعمرة ويسكت عن الحجة، كما يجوز أن يقول: لبيك ويسكت عنهما.
-
فمن روى: أنه أفرد الحج، سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لبيك بحجة،
-
[ومن روى القران سمعه يقول: (لبيك بهما) ومن روى التمتع سمعه يقول: لبيك بعمرة،
-
ثم سمعه يقول: لبيك بحجة] فقد تأولنا جميع الروايات،
-
ولا يمكنهم تأويل رواية من روى،
-
ومن قال: سمعه يقول: لبيك بعمرة في حجة، فكان من أمكنه تأويل جميع الأخبار أولى.
-
قالوا: قال الشافعي: تأويل رواية عائشة أولى، لحفظها وعلمها وقربها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وابن عباس من الأهل، وابن عمر أنكر على أنس، وجابر نقل الحج من أوله إلى آخره، وساق القصة، فكان أولى.
-
قلنا: فهؤلاء رووا تمتعًا وقِرانًا وإفرادًا، فقد بينا تعارض الروايات عنهم، وقد روينا عمن لم تتعارض الرواية عنه.
-
فأما إنكار ابن عمر رواية أنس فقد أنكر
-
1/17171/1717
رد ابن عمر، وأقام على روايته إلى أن مات، وقال: (من باهلني باهلته) .
-
قالوا: فقد تساوينا في نقل الفعل، وانفردنا بالقول، وهذا ما روت عائشة قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذي الحليفة، قال: من أحب أن يهل بالحج فليفعل،
-
ومن أحب أن يهل بهما، فليفعل وإنما أهل بالحج) .
-
قلنا: قوله: إنما أهل بالحج) يجوز أن يكون قبل أن يؤمر من جهة الله تعالى بالقران،
-
ثم القول معنا؛ لأن في الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أما أني سقت الهدي وقرنت) ، وهذا أولى؛ لأنه إخبار عما فعل، وذلك إخبار عما سيفعل ويجوز أن يغير الله تعالى.
-
قالوا: لم ينقل عن أحد من السلف كراهة الإفراد، وقد نقل عنهم كراهة التمتع والقران.
-
وأما التمتع فأنكره عمر، وقال: (متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا أنهى عنهما) ، وأنكر ذلك عثمان.
-
وأما القِران: فأنكره سلمان بن ربيعة، وزيد بن صوحان؛ قال
-
1/17181/1718
الصبي بن معبد: (كنت رجلاً أعرابيًا نصرانيًا فأسلمت، فأتيت رجلاً من عشيرتي، يقال له: هذيم بن عبد الله، فقلت: يا هذيم! إني حريص على الجهاد، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ، فكيف لي أن أجمعهما؟ فقال: اجمعهما واذبح ما استيسر من الهدي فأهللت بهما، فلما أتيت العذيب لقيني سلمان بن ربيعة، وزيد بن صوحان، وأنا أهل بهما، فقال أحدهما للآخر: ما هذا بأفقه من بعيره.
-
قال: فكأنما ألقي عليَّ جبل، حتى أتيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقصصت عليه القصة، فقال عمر هديت لسنة نبيك - صلى الله عليه وسلم -).
-
قلنا: القران عندنا وعندكم جائز غير مكروه، وإنكار من أنكر خطأ، وكيف ترجحون بما لا يصح بالاتفاق.
-
فأما إنكار غير المتمتع: فإنما نهى عن المتعة التي فسخ بها الحجة وحجة الوداع،
-
فأما أن تظن به أنه نهى عن متعة دل القرآن عليها، وفعلها وجوه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فلا.
-
1/17191/1719
وقد روى طاووس، عن ابن عباس قال: يقولون: إن عمر نهى عن المتعة، قال عمر: لو اعتمرت في عام مرتين،
-
ثم حججت لجعلتهما مع حجتي.
-
وأما إنكار سلمان بن ربيعة، وزيد بن صوحان - صحابيين - فقد رد عليهما عمر بن الخطاب [- رضي الله عنه -] .
-
ذكر الطحاوي بإسناده عن الصبي بن معبد، قال: (قدمت على عمر فقصصت عليه، فقال: إنهما لم يقولا شيئًا، هديت لسنة نبيك [- صلى الله عليه وسلم -] .
-
والذي روى عن عمر، أنه قال: (فأفردوا الحج)، فإنما أراد أن ينكر قصة الناسي الموسم في أشهر الحج، وغيرها فحلوا مكة من قاصد، وليس هذا المعنى يعود إلى النسك.
-
والذي روى عن عثمان، أنه نهى عن المتعة، فقد روى عن مروان بن الحكم، قال: (كنا نسير مع عثمان،
-
فإذا رجل يلبي بالحج والعمرة، فقال عثمان: من
-
1/17201/1720
هذا؟، فقالوا: علي، فأتاه، فقال: ألم تعلم أني نهيت عن هذا، فقال: بلى، ولكني لم أدع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولك)، فهذا علي قد رد ذلك، وروى خلافه. على أن نهى عثمان محمول على ما قدمناه من قصد تكرار دخول مكة.
-
فإن قيل: يحمل قول من روى (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن) : على قران من ترادف ومتابعة، وهو واحد بعد الآخر، ولم يرد قران الضم. كما روى: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الصلاتين) .
-
قلنا: القران سمع في الشرع قد استقر لنسك معلوم، وفعل الحج بعد العمرة لا يتناوله هذا الاسم،
-
فلا يجوز العدول عن الاسم الشرعي إلى غيره.
-
على أنه لم ينقل أحد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتمر بعد التحلل من الحج، فكيف يتأول ذلك على أمر لم يثبت وجوبه؟
-
وعلى أن هذا التأويل لا يصح، وقد روى أنس: أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول: (لبيك بعمرة في حجة) .
-
فإن قيل: يحتمل أن يكون (قرن) بمعنى: أنه أمر بذلك، كما روى: أنه رجم ماعزًا.
-
قلنا: حقيقة الإضافة تقتضي فعله الشيء بنفسه،
-
فمن حمله على الأمر،
-
1/17211/1721
فقد عدل عن الحقيقة إلى المجاز.
-
وهذا لا يصح مع قول الراوي: (أنه أتى بهما) ؛ ولأن مثل هذا التأويل يمكن فيما روى: (أنه أفرد) بمعنى: أنه أمر بذلك.
-
فإن قيل: قول أنس: (سمعه يلبي ويقول: عمرة في حجة) يحتمل أنه سئل عن القران، فعلم السائل كيف التلبية، فظن أنس: أنه يلبي بذلك لنفسه.
-
قالوا: ويحتمل أن يكون يمعه مرة يلبي بالحج، ومرة يلبي بالعمرة.
-
قلنا: هذا غلط؛ لأن أنسًا قال: (فلما استوى النبي - صلى الله عليه وسلم - على البيداء جمع بينهما) .
-
وروى في حديثه، قال: (كنت رديف أبي طلحة وركبتي تمس ركبة النبي - صلى الله عليه وسلم - فما زالوا يصرخون بهما) ، يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم - وابا طلحة، وهذا يقتضي المداومة، وإجماع التلبية لهما في وقت واحد.
-
احتجوا في نفس المسألة: بأن المفرد يأتي بإحرامين وتلبيتين، وقطع مسافة وحلقين،
-
فإذا قرن: اقتصر من كل واحد من هذا على واحد، وكان ما كثر عمله، أكثر ثوابًا وأعظم أجرًا.
-
قلنا: إذا اعتبر الإحرامين والتلبيتين: أنه إذا أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج. وقد أتى بإحرامين وتلبيتين، ومع هذا الإفراد عندهم أفضل منه.
-
وأما السفرين: فلا يعتبرونه؛ لأن عندهم إذا فرغ من الحج واعتمر، فهو أفضل من القران، والسفر واحد.
-
وأما الحلق: فعندهم ليس بنسك،
-
فلا معنى للترجيح به.
-
1/17221/1722
وعلى أصلنا: وإن كان نسكًا، فليس بمقصود لنفسه، وإنما يراد ليخرج من العبادة،
-
ويصح أن يخرج من العبادتين بمعنى واحد، كما يخرج من الاعتكاف والصوم بالجماع.
-
وقالوا: إذا أفرد، أتى بكل واحد من النسكين في وقته،
-
فإذا أقرن بالعمرة في أشهر الحج وهو لها وقت رخصة، والقوم ما كانوا يعتمرون في أشهر الحج حتى رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، والعزيمة أولى من الرخصة.
-
قلنا: هذا غلط؛ لأن فعل العمرة في أشهر الحج [ليس برخصة، وإنما أمرهم مخالفة للمشركين.
-
قال ابن عباس: (كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من] أفجر الفجور، وكانوا يسمون المحرم صفرًا ويقولون: (إذا برأ الدبر، وعفى الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر) ، وقال ابن عباس: (فقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبيحة رابعة، وهم ملبون بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة) .
-
فهذا يدل: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بذلك مخالفة للمشركين، وكلما فعله في المناسك مخالفة لهم: فهو واجب أو فضيلة؛ لأنه خصه بدليل الدفع من
-
1/17231/1723
عرفة بعد غروب الشمس، والدفع من مزدلفة قبل طلوعها، والوقوف بعرفة خارج الحرم، وكانت قريش تقف في الحرم وتنزل المحصب.
-
ولو سلمنا أنه رخصة: لم يمنع أن يكون أفضل، كما أن جمع الصلاتين أفضل من فعلهما في وقتهما.
-
وقال الشافعي: القضاء رخصة، وهو أفضل من الإتمام، وأكل الميتة عند الضرورة رخصة، حتى إن من لم يأكل حتى مات كان آثمًا.
-
قالوا: إفراد الحج عن العمرة أفضل من الجمع بينهما، أصله: المكي إذا أحرم بكل واحد منهما من الكوفة.
-
قلنا: ينتقض بمن أحرم بشيء ونسيه،
-
فإن القران أفضل من الإفراد مع وجود أوصافهم.
-
فأما الحجة الكوفية، والعمرة الكوفية: فالقران أفضل منهما، وإنما ذاك قول محمد.
-
وأما المكي فميقاته بالحج، والعمرة يختلف، يحرم بالحج من مكة،
-
فلو أحرم بها من الحرم: لزمه دم، وموضوع القران أنه يقترن الدخول،
-
فإذا تعذر لاختلاف الميقات لم يصح.
-
وأما الآفاقي فإنما من حقه ميقات واحد معين شرعًا، فأمكنه الجمع من ذلك الميقات، فكان أفضل.
-
فإن قيل: من كان أهله بين الميقات ومكة فلا تمتع له ولا قِران عندكم، وميقات حجه وعمرته واحد.
-
قلنا: كما يمنع ذلك من أهل مكة، وهؤلاء في حكمهم أجري عليهم الحكم المتعلق بهم،
-
وإن أمكنهم الإحرام بهما من ميقات واحد. ألا ترى: أن
-
1/17241/1724
المكي إذا خرج للاحتطاب وغيره ثم عاد: لم يلزمه إحرام؛ لأنه لم يكن حرمه عليهم لكونه من أهله، وأجري من بعد المواقيت في ذلك مجراهم،
-
وإن حصل لهم بالدخول التحرم بحرمة الحرم، كما يحصل لأهل آفاق.
-
فإن قيل: فالمكي عندكم لا تمتع له،
-
وإن كان يأتي بالعمرة من الحل والحج من الحرم.
-
قلنا: إذا لم يصح قرانه لما قدمنا لم يصح تمتعه؛ لأن حكم أحد الأمرين حكم الآخر.
-
وفرق آخر وهو: أن القِران والتمتع سقط بكل واحد منهما أحد الميقاتين؛ لأن المتمتع يحرم بالحج من مكة، والقارن يجوز له ذلك أيضًا قبل الطواف،
-
فلو صح تمتع المكي وقرانه: لم يسقط بذلك حكم أحد الوقتين في حقه، بل يلزمه في حكم الوقتين، فلم يلزمه حال الإفراد، فكذلك لم يصح لهم التمتع والقرِان،
-
وكذلك من بعد المواقيت لا يسقط حكم الوقت في ضمهم بالقِران؛ لأنهم لو أفردوا بالحج المفرد من مكة: جاز، فصاروا في ذلك كأهل مكة.
-
قالوا: الدليل على أن دم التمتع دم جبران: أنه دم له بدل هو الصوم: فكان دم جبران، كالدم الواجب بالحلق والطيب.
-
قلنا: لا نسلم الحكم في الأصل؛ لأنه إن حلق بغير عذر:
-
فلا بدل للهدي، وإن حلق بعذر: فالصوم ليس ببدل، وإنما يخير بينه وبين الصوم.
-
والمعنى فيه: أنه تعلق سنة لا يباح من غير عذر، ودم القِران بخلافه.
-
قالوا: [دم له تعلق بالإحرام، فكان نقصًا بالفدية إلا دين.
-
قلنا]: تعلق الشيء بالإحرام لا يخرجه أن يكون نسكًا؛ لأن
-
1/17251/1725
موضوع المناسك أن يتعلق بالإحرام، والمعنى في كفارة الأذى ما قدمناه
-
قالوا: لا خلاف أن المتمتع إذا أحرم بالحج من جوف مكة: يلزمه دم التمتع.
-
فإن حمل على نفسه وأتى الميقات، فأحرم بالحج من الميقات: فهو متمتع وعليه دم للجمع بين النسكين في الأشهر.