مسألة ١٥١٢
التجريدHanafimasa’il 49034 to 49098
-
1/62431/6243
الجزية على الفقير
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : لا جزية على الفقير الذي لا كسب له. وبه قال الشافعي رحمه الله في سير الواقدي.
-
وقال في كتاب الجزية: يجب عليهم الجزية. واختلف أصحابه في أسمائها، فقال ابن سريج: يحتمل أن يقال له في آخر الحلول: ينبغي أن تعطي أو ترجع حربًا إلى دار الحرب، وسقط عنك ما مضى. والوجه الثاني يكون في ذمته إلى أن يجد ما يؤدي.
-
لنا: أن عمر بعث حذيفة وعثمان بن حنيف فوضعا الجزية وجعلا الناس ثلاثة أصناف: الموسر والمتوسط والفقير المعتمل، ولم يضعا على فقير غير معتمل شيئًا.
-
ولا يجوز أن يترك في دار الإسلام من هو من أهل دار الحرب من غير جزية، فعلم أنها لا تجب على غيرهم.
-
ولأن عمر قال لهما: لعلهم لا يطيقون ذلك. فقال عثمان: إن لهم فضولًا من العيش وإنهم يطيقون أكثر من ذلك. فاستذلهم. فدل أن الطاقة معتبرة، والفقير الذي لا صناعة له لا يطيق الجزية فلا توضع عليه.
-
فإن قيل: يحتمل أن يكونا لم يجدا فقيرًا معتمل.
-
قلنا: الاحتمال الثاني للعادة لا حكم له ونحن نعلم أن العراق لا يجوز أن يخلو من فقير لا كسب له والعادة طريق مقطوع به فلا يسقط بالتجويز.
-
ولأنه حق مالي يبتدأ به الكافر، فوجب أن تعتبر فيه الطاقة كالخراج.
-
فإن قيل: الخراج أجرة،
-
فلا يجب على أرض لا نفع لها.
-
قلنا: هذا غير مسلم، بل هو حق الله تعالى كالجزية،
-
ولو كان أجرة لم
-
1/62441/6244
يختلف قدره باختلاف ما يزرع في الأرض.
-
ولأنه عاجز عن الكسب،
-
فلا تجب عليه جزية كالمرأة.
-
ولأن النساء الغالب عليهن عدم الكسب وقد يقدرون على ذلك،
-
فإذا لم يجب عليهن جزية، فالعاجز الذي لا قدرة له أولى.
-
فإن قيل: الجزية لحقن الدم، والمرأة محقونة الدم.
-
قلنا: الجزية لحقن الدم والمال، والمرأة يحقن مالها بالذمة.
-
ولا يلزم الرهبان وأصحاب الصوامع؛ لأن الجزية لا تجب عليهم إلا أن يكون لهم بضائع وكسب يولونهم غيرهم باختيارهم.
-
ولأنه حق يراعى فيه الحلول، فجاز أن يمنع الفقير من وجوبه كالزكاة. أو نقول: إن الحقوق المأخوذة من المال لحق الله تعالى على ضربين: طهرة وجزية، فلما لم تجب الطهرة على الفقير، كذلك الجزية.
-
قالوا: نعكس فنقول: فاستوى فيه الفقير المعتمل وغيره كالزكاة.
-
قلنا: لا تحتاج إلى قولنا: يراعى فيه الحلول.
-
ولأنكم تريدون بالاستواء في الأصل سقوط الحق في الفرع وجوبه، وهما حكمان مختلفان.
-
فإن قيل: الزكاة تجب عندنا على الفقير.
-
قلنا: إذا لم يكن له شيء،
-
فلا زكاة عليه باتفاق.
-
قالوا: حكم الزكاة والجزية يختلف، بدلالة أن الزكاة لا تجب على من له عقار ونبات غير التجارة وحمير وبغال، وتجب الجزية عليه، والفقير المعتمل لا زكاة عليه وعليه الجزية.
-
قلنا: الفقر يمنع وجوبها، وزوال الفقر يوجب الجزية،
-
ولا يوجب الزكاة حتى يحصل الغني بصفة مخصوصة، وهذا لا يمنع من تأثير الفقر فيها.
-
فأما الفقير المعتمل فهو غني بكسبه، فوجب عليه الجزية، والزكاة لا تجب إلا على الغني بمال مخصوص.
-
فإن قيل: الزكاة مواساة كتحمل العقل، والجزية عوض عن حقن الدم والإقرار في الدار.
-
1/62451/6245
قلنا: صدقة الفطر مواساة ويجب على الفقير عندكم، والخراج عندكم عوض عن الأرض أو عن منافعها،
-
ثم لا يجب على أرض لا مالك لها وعلى أرض السكنى، كذلك لا يمتنع أن تكون الجزية عن القتل، وتجب على القادر على أدائها.
-
وعلى أن الجزية لا تجب على العبد،
-
وإن حصل له حقن الدم.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون} . فلما كان قوله تعالى: {قاتلوا} يعني: الغني والفقير، كذلك: {يعطوا الجزية} تعمهما.
-
قلنا: الإعطاء لا يكلفه إلا القادر عليه، والفقير الذي لا كسب له لا يقدر عليه، فلم تتناوله الآية.
-
فإن قيل: المراد بالآية الإعطاء بدليل أن القتل يسقط بالالتزام لا بالدفع.
-
قلنا: المتطرف الدفع والالتزام مراد فلا تسقط أحدهما، وكأنه قال: حتى يلتزموا إعطاءكم،
-
ومن لا يقدر لا يعطي.
-
فإن قيل: يتوصل إلى الإعطاء كما يتوصل إلى أداء ديون الناس.
-
قلنا: ديون الآدميين لا يخاطب الفقير بالتوصل إلى أدائها بالصدقة وإن توصل إلى قوته منها، فحق الله تعالى أولى ألا يتوصل إليه بذلك.
-
قالوا: روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ: (وخذ من كل حالم دينارًا) .
-
قلنا: الأمر بالأخذ لا ينصرف إلى من لا يقدر على الدفع، فاختص الخبر بالقادر على الأداء.
-
قالوا: كافر مكلف فلا تعقد له ذمة حولًا في دار الإسلام بغير جزية، أصله الموسر.
-
قلنا: يبطل بالعبد. فإن قيل: الإمام يعقد لصاحبه.
-
قلنا: حقن الدم هو الفرض وهو يحصل له، والمولى يتولى العقد كما يتولاه، وحقانة الدم بأهلها.
-
ولأن الجزية من حقوق الديوان التي يتعلق بها حق الله تعالى.
-
قالوا: إنها إذا وجبت على الموسر، وجبت على المعسر.
-
1/62461/6246
قلنا: المعنى في الموسر أنه قادر على الأداء، فجاز أن توضع عليه، والفقير لا يقدر على الأداء من ماله ولا كسبه،
-
فلا توضع عليه كالعبد.
-
قالوا: لو حصل في الأسير، جاز قتله، فلم يجز إقراره على كفره في دار الإسلام حولًا بغير جزية كالموسر.
-
قالوا: لأن الجزية في مقابلة حقن الدم والإقرار في دار الإسلام، وهذا المعنى موجود في الموسر والمعسر.
-
قلنا: هذا يبطل بالعبد؛ لأن القتل حق بدني يستوي فيه الفقير والغني.
-
قالوا: معنى يسقط به القتل، فاستوى فيه الغني والفقير كالإسلام.
-
قلنا: الإسلام حق بدني، والجزية حق مالي، والغني والفقير يشتركان في حقوق الأبدان، ويختلفان في حقوق الأموال كالزكاة.
-
والمعنى في الإسلام: أن القتل سقط به عن المرتدين وعبدة الأوثان من العرب، فجاز أن يسقط به الفقير، والجزية لا يسقط بها القتل عن المرتد والوثني العربي، كذلك لا يقف سقوط القتل عن القادر عليها.
-
ولأن الإسلام على ما يؤثر في إسقاط القتل، فكذلك عم الغني والفقير، والجزية أدون منه، فيجوز أن تخص الغني دون الفقير.
-
وقد قال الشافعي: أن يؤخذ الأدنى [بأنظار الفقراء] ولا يكلفه المشقة للناس حتى يؤديها، وحقوق الله تعالى أوسع فأولى ألا يطالب بها. وقال ابن سريج: يحتمل أن يقال: إما أن تؤدي أو ترد إلى دار الحرب كما يقال للمستأجر إذا عجز عن الأجرة: إما أن تؤدي،
-
وإما أن تفسخ الإجارة.
-
وهذا غلط؛ لأن إقامته في دارنا بغير جزية أصلح للمسلمين من تكثير جموع المشركين وإعانتهم بقتاله.
-
قالوا: ويحتمل أن ينظره بها إلى اليسار كما ينظره بالديون.
-
وهذا غلط؛ لأن حقوق الله تعالى المبتدأة لا تلزم الفقير وتؤخر المطالبة كصدقة الفطر.