مسألة ٥٩٣
التجريدHanafimasa’il 19219 to 19272
-
1/23931/2393
بيع الثمرة قبل بدو صلاحها
-
قال أصحابنا: إذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها، وهي مما ينتفع بها إذا قطعت، جاز بيعها مطلقا.
-
وقال الشافعي: لا يجوز بيعها إلا بشرط القطع.
-
لنا: ما روي مالك، عن نافع، عن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها) .
-
1/23941/2394
ومعلوم أن الحصرم قد بد صلاحه؛ لأنه لا ينتفع به حصرمًا إلا على هذه الصفة.
-
ولأنها ثمرة يجوز بيعها بشرط القطع، فجاز بيعها مطلقًا، أصله: (إذا احمرت واصفرت.
-
ولأنه عقد بيع فلا يكون من شرطه قطع المبيع، [أصله: إذا بدا صلاح بيعها.
-
ولأنها لو انفصلت جاز بيعها مطلقًا]؛ أصلها: الدالية وعليها الثمرة التي ينتفع بها.
-
ولأن القطع يبين ملك المشتري من ملك البائع فلا يقف صحة العقد على شرطه، كمن باع قفيزًا من صبرة.
-
احتجوا: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (أنه نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها).
-
(ونهى عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة، قيل لابن عمر متى ذلك؟ قال حتى تطلع الثريا) .
-
1/23951/2395
وروى جابر - رضي الله عنه -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى [عن] بيع الثمار حتى تشقح) .
-
قالوا: فلا يخلو إما أن يكون نهى عن بيعها مع شرط القطع: وهذا لا يجوز
-
بخلاف الإجماع، أو بشرط الترك، وذلك لا يجوز؛ لأن الخبر مطلق بولاية تبطل حكم الغاية، فعلم أن النهي تناول إطلاق البيع.
-
الجواب: أن ظاهر الغاية أن يكون ما قبلها
-
بخلاف ما بعدها؛ ومعلوم: أن البيع يجوز قبل الغاية باتفاق إذا شرط القطع؛ فمخالفنا ترك الحكمة التي ذكرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وزعم أن الغاية شرط القطع،
-
فأما نحن فنقول: معنى الخبر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعها مدركة قبل الإدراك ومحمرة قبل الاحمرار ورطبا قبل البلاغ، وهذه العادة لأنهم يبيعون الثمار بالغة قبل أن تبلغ فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا البيع حتى توجد الصفة، فالحكم عندنا متعلق بالغاية المذكورة لا يصلح قبلها.
-
والظاهر معنى من وجهين، أحدهما: تبقية ظاهر الغاية من غير تخصيص، والثاني: أن الغاية في بيع الثمار ما ذكرناه، فالنهي تناول معنى معقولًا معتادًا. يبين ذلك: (أنه نهى عن بيع العنب حتى يسود) ومعلوم أن لا يكون قبل
-
1/23961/2396
السواد عنبًا، فعلم أنه نهى عن بيعه عنبًا أسود وهو حصرم.
-
وجواب آخر: أن هذا النهي كان على المشورة لا [على] وجه التحريم؛ بدلالة: ما ذكره أبو داود، عن زيد بن ثابت (قال: كان الناس يتبايعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها،
-
فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم، قال المبتاع: قد أصاب الثمرة الدمان، وأصابه قشام، وأصابه مراض، عاهات يحتجون بها، فلما كثرت خصومتهم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كالمشورة يشيربها:
-
(فأما، لا: فلا تتبايعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها) ، لكثرة خصومتهم/ واختلافهم،
-
وإذا بين زيد بن ثابت أن النهي على طريق المشورة لبيان الأولى سقط الاستدلال به.
-
قالوا: لا يقبل قول زيد بن ثابت التخصيص.
-
قلنا: في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ما دل على ذلك؛ لأنه روي عنه أنه قال:
-
(فأما لا، فلا تبايعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها) ، فكأنه قال: إذا كنتم تختصمون فلا تبايعوا.
-
قالوا: كيف يحمل على التنزه والمشورة، وقد قال [عليه الصلاة
-
1/23971/2397
والسلام]: (أرأيت إن منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه؟) .
-
قلنا: هذا التعليل راجع إلى من باع ثمرة مدركة قبل أن تدرك، فيجوز أن يمنع الله بلوغها إلى حال الثمرة،
-
وإن رددنا هذا التعليل إلى من باع ثمرة لم تدرك على حالها.
-
ولأنهم كانوا يبيعونها بغير شرط،
-
وإذا لحقتها آفة رجعوا على البائع، فقال عليه [الصلاة و] السلام: (أرأيت إن منع الله الثمرة) حتى حدث بها ما منع كمالها،
-
ثم يستحل المشتري منع الثمن عن البائع، فيصح [هذا التأويل على كلا التعليلين.
-
قالوا: روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - مثل قولنا.
-
قلنا: زيد يخالف؛ لأنه لما لم يتأول الخبر على ما حكيناه عنه: دل أن البيع عنده جائز.
-
قالوا: فرده غيره بالبيع قبل أن يبدو صلاحها لا على شرط القطع، فوجب أن لا يصلح البيع، كما لو باعها بشرط التبقية.
-
قالوا: ولا يلزم إذا باع الثمرة من صاحب النخل؛ لأن فيه وجهين.
-
1/23981/2398
قلنا: ينتقض بالنخلة إذا باع ثمرتها، ولم يبد صلاحها ولم يشرط القطع.
-
والمعنى فيه: إذا باعها بشرط التبقية للانتفاع بملك البائع على وجه لا يوجبه العقد.
-
وفي مسألتنا: أطلق بيع الثمرة ولم يشترط القطع، فصار كشرط قطعها.
-
قالوا: إطلاق بيع الثمرة يقتضي تركها، بدلالة: قوله عليه [الصلاة و] السلام: (أرأيت إن منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه) ، فلولا أن الإطلاق يقتضي التبقية لم يصح هذا الكلام.
-
قلنا: وقد بينا أن النهي يتناول بيع الثمرة محمرة قبل احمرارها، وهذا لا يكون إلا بشرط التبقية،
-
فلا يكون في التعليل لهم دليل،
-
فإن من ابتاع شيئًا في ملك البائع كان على المبتاع نقله وتحويله على ما جرت العادة به.
-
[و] الدليل عليه: من اشترى طعامًا من دار البائع ليلًا اقتضى التبقية حتى يجيء وقت النقل، وهو النهار؛
-
فإذا جاء النهار نقل على ما جرت العادة به.
-
ولا يقال له: انقله دفعة واحدة؛ لأنه حمل ونقل على دفعات في العرف والعادة، فكذلك ههنا: من ابتاع ثمرة أول ما طلعت لا ينتفع بها. لا يقال له في العادة: حول في الحال بل يدعها إلى الوقت الذي جرت العادة بالنقل فيه.
-
قلنا: إذا باع ثمرة لا ينتفع بها فالبيع لا يجوز عندنا؛ لأنها لا تتقوم، وإنما الكلام إذا كانت مما ينتفع بها إلا أنها لم تبلغ غاية الانتفاع. وهذا قد جرت العادة أن يقطع في الحال، كالحصرم والخلال، وقد يترك؛ فلم يكن إحدى العادتين أولى
-
1/23991/2399
من الأخرى.
-
ولأن العادة تجعل كالمشروط فيما يؤدي إلى صحة العقد.
-
فأما إذا أدى إلى فساده:
-
فلا. ألا ترى أن الناس يشترون الحطب على ظهر البهائم والشول، ويحمل ذلك في العادة إلى منازلهم،
-
فإذا أطلقوا العقد: جاز.
-
ولا تجعل هذه العادة كالمشروطة حتى أفسد بها العقد، كذلك في مسألتنا.