مسألة ٥٧٨
التجريدHanafimasa’il 18592 to 18663
-
1/23211/2321
حكم بيع الجنس بالجنس نسيئة
-
قال أصحابنا: الجنس بالجنس يحرم النساء.
-
وقال الشافعي: لا يحرم.
-
لنا ما روى ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تبيعوا الصاع بالصاعين،
-
ولا الدرهم بالدرهمين، فقام رجل، فقال: إنا نبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالنجائب، فقال عليه [الصلاة و] السلام: لا بأس بذلك يدًا بيد،
-
ولا خير فيه نساء) .
-
وروى الحسن عن سمرة رضي الله عنهما: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحيوان
-
1/23221/2322
بالحيوان نسيئة)، ذكره أبو داود.
-
فإن قيل: هذا محمول على النساء في العوضين.
-
قلنا: الظاهر أن الصفة تدخل على ما دخلت عليه الباء، كما لو قال أبيعك هذا الثوب بالنسيئة.
-
ولأن أحدهما مخفوض بالإضافة والآخر بالباء،
-
وإذا خفضنا بعاملين لم يجز أن ترجع الصفة الواحدة إليهما، لا تقول: مررت بزيد وسعيت إلى عمرو الظريف، وتريد الظريف صفة لهما، وإنما يكون صفة لعمرو خاصة.
-
ولأن أحد وصفي علة تحريم التفاضل، فكان له بانفراده تأثير في تحريم النساء، أصله: المعنى المضموم إلى الجنس في المكيلات.
-
وإذا عللت للوجوب، فقل: فوجب أن يحرم النساء من جنس ما يتعين، أو من غير جنس الأثمان.
-
فإن قيل: قولكم: أحد وصفي علة تحريم التفاضل، إذا عنيتم الأكل، فليس بوصف عندكم للعلة،
-
وإن عنيتم الكيل لم نسلمه.
-
قلنا: أجمعنا على أن تعليل الأصل بعلة ذات وصفين: الجنس
-
1/23231/2323
أحدهما، واختلفنا في الوصف الآخر، مع اتفاقنا على أنه لا بد من وصف يضم إلى الجنس، فنحن نشير إلى ذلك الوصف المجمع عليه في الجملة وإن اختلف في تعيينه.
-
وقد نص الشافعي على مثل هذا فقال في مسألتنا: (التقابض في الأعيان) ؛ لأنهما عينان جمعهما علة واحدة في تحريم التفاضل، فلا يمكن تعيينها.
-
فإن قيل: الفرع يكون مثل الأصل أو أخص منه،
-
فأما أن يكون أعم منه فلا، والمعنى المضموم إلى الجنس عندكم الوزن يحرم النساء في بعض المواضع، والجنس في كل موضع، فكيف يكون الفرع له عموم الأصل،.
-
قلنا: نحن قسنا عليها ضم الجنس إلى الجنس في المكيلات، فيستوي الفرع والأصل في العموم.
-
ثم هذا يقال إذا علق في العلة حكم معين،
-
فأما إذا عللنا للتأثير في الحكم بها فالذي وجب في الأصل التأثير واقتضى في الفرع مثله، فيصير بمقتضى العلة في الفرع والأصل واحد،
-
وإذا ثبت التأثير وجب العموم بالإجماع.
-
فإن قيل: على علة الثانية أنه غير مؤثر في الأصل.
-
قلنا: ذكرناه في الحكم، والتأثير يطلب أوصاف العلة لا حكمها.
-
فإن قيل: لا نسلم أن المعنى المضموم إلى الجنس يحرم النساء؛ لأن علة تحريم النساء عندنا تحرم التفاضل في كل واحد من العوضين.
-
قلنا: هذا لا يمنع ما قلناه؛ لأن الوصف المضموم إلى الجنس أثر في
-
1/23241/2324
التحريم، فلا يكون ما ذكرتموه معنى وإنما معارضة.
-
ولأنه بيع جنسه بجنسه، فيحرم فيه النساء، كالبيض والرمان، والسفرجل.
-
ولأن كل حكم تعلق بجنس وصفة؛
-
فإن تأثير الجنس كتأثير الصفة أو آكد، أصله: الأضحية.
-
ولأنه عقد يؤدي إلى أن يكون لبعض العوض بعينه من أحد الجنسين التأثير في الحكم دون البعض الآخر،
-
فلا يكون كمن باع تفاحة بتفاحتين نساء.
-
يبين ذلك: أنه يبيع كري حمص بكر حمص نساء فيرد عليه درهمًا فيكون كل العوض من الجنبة الأخرى.
-
احتجوا: بما روي عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يجهز جيشا فنفدت الإبل، [قال] : فأمرني أن آخذ في قلاص الصدقة وكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة.
-
1/23251/2325
الجواب: أنه يحتمل أن يكون أمره أن يستسلف من أرباب الأموال زكاة أموالهم، فأخذ بعيرًا يصلح للحمل والقتال ببعيرين من أسنان الصدقات،
-
وإذا احتمل الخبر هذا سقط التعلق به.
-
ويحتمل أن لا يكون أخذ ذلك من أهل الصدقات وإنما من أهل الحرب، وعندنا الربا مع أهل الحرب جائز، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعين بهم ويستعير منهم السلاح، بدلالة: ما روي (أنه عليه [الصلاة و] السلام كتب إلى يهود بني قينقاع نحن وأنتم من أهل الكتاب،
-
فإما أن تعينونا على قتال أهل الشرك أو تعيرونا) .
-
وذلك يجوز أن يكون أمر بالابتياع منهم على طريق المعونة، كما طلب منهم المعاونة، ويحتمل أن يكون/ هذا قبل تحريم الربا ثم نهى عليه [الصلاة و] السلام عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
-
ولأنه قد يكون ... أمر بابتياع ذلك ليكون دينًا عليه [أو على بيت المال،
-
ويجوز أن يثبت عندنا على بيت المال حقوق مجهولة، كما يثبت له يبين ذلك: أنه: جعل الأصل إلى خروج المصدق، وذلك فعل مجهول، فدل على أن الحق يثبت في بيت المال.
-
ولا يقال: إن خروج المصدق كان وقته معلومًا؛ لأنه يجوز أن يتقدم أو يتأخر،
-
فلا يجوز أن يكون أجلًا وإن كان معلوم الوقت، كالقطاف.
-
قالوا: (روي عن علي - رضي الله عنه -: (أنه باع بعيرًا له يدعى عصيفيرًا بعشرين
-
1/23261/2326
بعيرًا إلى أجل).
-
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه باع بعيرًا بأربعة أبعرة مضمونة أسلمها بالربذة) .
-
قلنا: يجوز أن يكون علي - رضي الله عنه - باع في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل تحريم الربا.
-
وأما ابن عمر رضي الله عنهما فإنه ابتاع بعيرًا بأربعة أبعرة في الربذة، فهذا بيع العين الغائبة وليس بنسأ، وإنما ذكر (مضمونة) ؛ لأن من مذهب ابن عمر: أن المبيع لا يكون في ضمان البائع إلا بشرط، فشرط الضمان لهذا.
-
على أنه روى عن ابن مسعود، وابن عباس، والحكم بن عمرو الغفاري - رضي الله عنهم - مثل قولنا.
-
1/23271/2327
قالوا: عينان ليس في نقد كل واحد منهما الربا، فدخل الأجل فيما في الذمة منهما لا يمنع العقد، كالهروي بالمروي.
-
أو عينان في نقد كل واحد منهما ربا،
-
وإذا جاز السلم فيهما جاز إسلام أحدهما في الآخر، كالهروى بالمروى.
-
قلنا: الربا بتعلق بالوصفين ويحرم النساء بأحدهما، فلم يجز أن يكون انتقاء الربا دالًا على انتقاء النساء.
-
ولأن الهروي والمروي جنسان؛ بدلالة: أن اختلاف الصنائع فيهما بجنسهما، ولهذا قال أصحابنا: إذا باع ثوبًا على أنه مروى فوجده هرويًا بطل البيع.
-
ولأن السلم لا يجوز في ثياب القطن حتى يبين الهروي والمروي،
-
ولو كان جنسًا واحدًا اقتصر على ذكر صفة.
-
فإن قيل: أصلها القطن.
-
قلنا: لكن صار بالصنعة ثيابًا على صفة؛
-
فلا يجوز أن يرجع أحدهما إلى الحالة الأولى، فصار كالخزف، والخشب، والتمر، وأصلها: الشجر وإن كانا جنسين.
-
1/23281/2328
ولأن الهروي في المروي لا يؤدي إسلام أحدهما في الآخر إلى أن يصير الشيء بدلًا عن نفسه وعما ضم إليه في العقد.
-
وإذا جاز السلم في كل واحد منهما جاز أن يسلم أحدهما في الآخر، وإلا كان سلم الهروي بالمروي يؤدي إلى ذلك، فلم يصح السلم.
-
قالوا: الأجل إذا تعلق بالذمة فيما لا ربا فيه لم يمنع صحة العقد، كالكتان بالقطن.
-
قلنا: نقول بموجبه؛ لأن المانع عندنا ليس هذا التأجيل، وإنما المانع عندنا شرط العين في الذمة، ألا ترى: أنه لو باع ثوبًا بثوب حالًا وشرطه في الذمة بطل العقد، والمعنى في الأصل ما قدمنا.
-
قالوا: كل بيع في الهروي بالهروي جاز بالهروي، كالنقد.
-
قلنا: لا نسلم أن بيع أحدهما بالآخر نقدًا يجوز إذا شرط في الذمة.
-
قالوا: أحد نوعي الربا،
-
فلا يعم جميع الأموال، كتحريم التفاضل.
-
قلنا: تحريم التفاضل أضيق؛ لأنه يتعلق بوصفين، وتحريم النساء أوسع؛ لأنه يتعلق بأحدهما، فلم يمنع أن يعم أحدهما الأموال ويختص الآخر ببعضها.
-
ولأن الربا معنى يفسد العقد، والمعاني المفسدة للعقود تعم أجناسها إذا وجد سببها، فوجب أن يكون من الربا ما يعم الأموال حتى يلحق بسائر المعاني المفسدة.