مسألة ٣٦٤
التجريدHanafimasa’il 10837 to 10919
-
1/14371/1437
إذا صام في رمضان بنية قبل الزوال جاز
-
قال أصحابنا: إذا صام في رمضان بنية قبل الزوال جاز.
-
وقال الشافعي: لا يجوز إلا بنية من الليل،
-
فإن نوى الصوم بعد الفجر كان مفطرا،
-
وإن نوى قبل الطلوع [فلم يكمل النية قبله حتى طلع الفجر قبل إكمال النية كان مفطرا،
-
وإن نوى قبل الطلوع] .
-
واختلفوا: في وقت جواز النية، فمنهم من قال: ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر.
-
ومنهم من قال: النصف الأخير من الليل ولا يجوز في النصف الأول.
-
ومنهم من قال: في أول الليل فإن أكل أو شرب أو جامع أو استيقظ قبل الفجر بطلت نيته، واحتاج إلى تجديدها.
-
لنا: قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} . [فأمر بصوم
-
1/14381/1438
الشهر، والمراد به: صوم شرعي]، وقد أجمعوا أن الصوم الشرعي قد يكون مع تقديم النية وتأخيرها، فاقتضى ذلك جواز كل ما يسمى صوما في الشريعة. ويدل عليه قوله تعالى: {وكلوا وأشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} إلى قوله:
-
{ثم أتموا الصيام إلى الليل} . فأباح محظورات الصوم إلى حين الطلوع، وأمر بالصوم بعده. فظاهره يقتضي: أنه إذا نوى في تلك الحال جاز صومه.
-
ويدل عليه: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في يوم عاشوراء: (من لم يأكل فليصم،
-
ومن أكل فليمسك بقية يومه) . وصوم يوم عاشوراء كان واجبا في زمان معين والدليل على وجوبه: أنه أمر بالصوم، وكتب إلى أهل العوالي وأمر بالأمساك، وذلك لا يجب في التطوع. وروت الربيع بنت معوذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث في الأمصار (من أصبح صائما فليقم على صومه،
-
ومن كان أصبح مفطرا فليتم آخر يومه، فلم نزل نصومه [بعد] ونصومه صبياننا وهم صغار، ونتخذ لهم اللعبة
-
1/14391/1439
من العهن، فإذا سألونا [الطعام] أعطيانهم اللعبة). والصبيان إنما يصومون الفرض.
-
وقال: ابن مسعود - رضي الله عنه -: (كنا نصومه ثم تركنا) ومعلوم أنه لم يترك استحبابه، فلم يبق إلا وجوبه. وقال عائشة رضي الله عنها: (أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصيام [يوم] عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان فقال: من شاء صام عاشوراء،
-
ومن شاء أفطر) .
-
ولو كان قبل رمضان نفلا لم يتغير برمضان؛ لأنه قال/ قبل ذلك: (من شاء صام،
-
ومن شاء أفطر) . والخبر يقتضي تغيير حكمه إلى التخيير.
-
فإن قيل: لو كان واجبا لأمر من أكل بالقضاء.
-
قلنا: لا يمتنع أن يكون واجبا لا قضاء له، كالجمعة.
-
قالوا: لو كان واجبا لما تركوه حين فرض رمضان إلا بنسخ.
-
قلنا: تركوه بنسخ، بدليل حديث عائشة رضي الله عنها.
-
قالوا: روي أن معاوية خطب بالمدينة، فقال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
-
1/14401/1440
يقول: (صوم عاشوراء لم يكتب عليكم، من شاء صام،
-
ومن شاء لم يصم) .
-
قلنا: هذا قاله عليه [الصلاة و] السلام بعد النسخ.
-
فإن قيل: إنما يجب الصوم نهارا، وقد قدموا النية على الوجوب.
-
قلنا: بل كان الصوم واجبا ولم يعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوقت.
-
ثم عدم النية عندهم من الليل كالأكل بعد طلوع الفجر، كما أن الأكل يمنع الصوم، كذلك يجب أن يمنع عدم النية؛ ولأن الصوم لو لم يجب إلا في تلك الحال لم يؤثر فيه تقدم الأكل على الوجوب، كما لا يؤثر قبل طلوع الفجر.
-
ولأنه وجب بالأمر وأنفذ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى العوالي فأمرهم بالصوم، فقد تأخرت نيتهم عن وقت الوجوب لا محالة وإن كانوا لم يعلموا به، كما أن من لم يعلم بالشهر حتى أصبح لم يصح صومه عندهم لفقد النية [المقدمة] لوقت الوجوب في الجملة،
-
وإن كان لم يعلم أنه مخاطب بها.
-
فإن قيل: هذا الصوم قد نسخ، فسقطت شرائطه.
-
قلنا: لم ينسخ فرض الصوم، وإنما نقل من وقت فلا تتغير أحاكمه فيها سوى الوقت، كما أن الصلاة حولت إلى الكعبة فلم تتغير شروطها سوى الاستقبال، ولأنا قسنا عليه لأنه كان صوما في زمان معين، فنسخ وجوبه لا يمنع
-
1/14411/1441
القياس، ألا ترى: أن الوجوب لو لم ينسخ ومنع من الصوم بنية قبل الزوال لم يصح القياس عليه.
-
ويدل عليه: ما روى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه - (أن الهلال غم، فأصبحوا متلومين، فشهد أعرابي عند النبي - صلى الله عليه وسلم - (برؤية الهلال، فأمر بلال ينادي في الناس بالصوم) ، ولأنه صوم لا يثبت أداؤه في الذمة كالتطوع.
-
ولا يلزم صوم الظهار؛ لأنه يثبت في الذمة لكن لا يستقر.
-
ولا يلزم إذا قال: لله علي أن أصوم شهرا في هذه السنة فلم يبق منها إلا شهرا واحدا؛ لأن هذا الصوم ثبت في الذمة حين النذر، ولأنه يصح بنية قبل الزوال، إذ لا رواية فيه؛ لأنه صوم متعلق بعين فجاز بنية من النهار، كمن قال بعد الفجر: لله علي أن أصوم هذا اليوم.
-
ولأنه محل للنية في صوم النفل، فكان محلا لنية صوم رمضان، كالليل. ولأن جميع العبادات لا تختلف محل النية في فرضها ونفلها، كالصلاة.
-
1/14421/1442
فإن قيل: النافلة أخف من شرائطها، بدلالة جواز الصلاة قاعدا وعلى الراحلة.
-
قلنا: هو شرط في الفرض والنفل لا يختلفان فيه، وإنما يختلفان فيما شرط في أحدهما ولم يشترط في الآخر؛ ولأن نفل الصلاة وفرضها يختلف في الشرائط،
-
ولا يختلف في محل النية.
-
ولأن بعد طلوع الفجر مستحق لصوم رمضان، ولهذا لا يصح فيه غيره ويستحيل أن يستحق الصوم ولا يستحق أداؤه. ويدل على أنه إذا نوى قبل الزوال صح صومه: لأن كل زمان يصح صومه بنية تتقدم عليه، صح بنية تبتدئ فيه أصله: غير رمضان يلزم ما بعد الزوال؛
-
لأن التعليل للنهار في الجملة لا لأبعاضه.
-
ولأن ما كان صوما في غير رمضان كان صوما في رمضان، كما لو قدم النية.
-
وإذا ثبت أن يكون صائما، وقع عن رمضان؛ لأن أحدا لا يفصل بينهما.
-
احتجوا: بحديث الزهري عن سالم عن أبيه، عن حفصة، (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) ، وفي حديثها: (لمن لم يفرضه من الليل) ، ولمن لم يفرضه قبل الفجر).
-
1/14431/1443
الجواب: أن هذا الحديث مختلف في رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن ثقات أصحاب الزهري أوقفوه على حفصة. ومعمر، وعبد الرحمن بن إسحاق، وإسحاق بن رشاد، وعبد الرحمن بن خالد، وعقيل،
-
ومتى أوقفت الثقات من أصحاب الزهري خبرا لم يلتفت إلى إسناد الواحد والاثنين له، لاسيما إذا لم يكونوا في طبقة من أوقفه، وهذه طريقة أصحاب الحديث.
-
ثم اختلاف متنه وألفاظه يدل على قلة ضبطه. ولأن عندنا يجب عليه أن ينوي الصوم قبل الفجر.
-
وأما حديث عمرة عن عائشة: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له) ، فمحمول على ما كان في بدء الإسلام، أن الصوم يجب في بعض الليل.
-
احتجوا: بحديث ميمونة بنت سعد قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من أجمع الصوم من الليل فليصم،
-
ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم) .
-
قلنا: هذا الحديث يرويه الواقدي، وقد ضعفه الدارقطني في كتابه.
-
ثم هو محمول على الحالة التي كان الصوم واجبا فيها في جزء من الليل، ونحمله
-
1/14441/1444
على أن النية تجب في أول النهار، لا من حين نوى، فلابد أن يجمع من الليل، ولهذا لم يقل في الليل.
-
فإن قيل: أجمع على العزم، قال الله تعالى: {فأجمعوا أمركم وشركائكم} .
-
قلنا: قد حملناه عليها في أحد التأويلين، وعلى العزم والفعل في الآخر، تبين صحة هذه التأويلات، أنا إذا حملناه عليها عممنا أنواع الصيام،
-
وإذا حملوه على ما يقولون خصوه بالصوم الواجب، وما أدى إلى تبعية العموم أولى. ولأنه محمول عندنا على نفي فضيلة الصوم، ولأنه قد يستعمل على نفي الفضيلة. وعندنا الأفضل أن يقدم النية. ولأنا نحمل هذا الخبر على الصيام في الذمة، ولأخبارنا على الصيام في الزمان المعين، فيؤدي إلى استعمال الأخبار كلها.
-
فإن قيل: قوله: (لا صيام) بيان لشرط العبادة فينصرف إلى المقصود منها، وهو المفروض دون غيره.
-
قلنا: وقد يكون لبعض الفرائض دون جميعها، وقد حملناه على قضاء رمضان والكفارات.
-
قالوا: روى مثل قولنا عن ابن عمر، وعائشة، وحفصة رضي الله عنها، ولا مخالف لهم.
-
قلنا: لا نعلم انتشاره، وليس من أصلكم القول بالتقليد. وعلى أصلنا لا يلزم إذا روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يخالفه.
-
قالوا: صوم واجب، فكان من شرطه تقدم النية من الليل، كقضاء رمضان، أو صوم واجب، فكان من شرطه تقدم النية عليه.
-
قلنا: قولكم: (صوم يوم) لا معنى له؛ لأن الصوم لا يكون أقل من يوم، ولكان المتنفل بنية من النهار صائما بعض يوم لجاز أن يقدم الأكل، ولكان في
-
1/14451/1445
جزاء الصيد إذا بقى من الإطعام نصف مد يجوز أن يقوم بنية من بعض النهار، وهذا لا يقوله أحد. ولأن الحكم غير مسلم في الأصل؛ لأن عندنا لو نوى بعد طلوع الفجر في رمضان جاز،
-
ولا نسلم وجوب النية. ونقلب العلة فنقول:
-
فإذا أخر النية عن ابتدائه كان ما تقدم النية. ولأن المعنى في قضاء رمضان: أنه وجب عليه في زمان غير موصوف بتحريم الأكل.
-
وفي مسألتنا: إذا لم ينو من الليل فالزمان موصوف بتحريم الأكل، فوقع الصوم في الزمان المستحق فيه.
-
قالوا: عبادة تؤدى وتقضى، فوجب أن يكون محل النية في أدائها محلها في قضائها، كالصلاة. ولأن الصلاة لما لم يجز فرضها بنية متقدمة لم يجز بنية متأخرة [ولما جاز فرض الصوم بنية متقدمة، كان فيه ما يجوز بنية متأخرة] ، يبين ذلك أن تقدم النية فيه إنما جاز للمشقة في مقارنتها، كذلك يشق على الإنسان التقديم؛
-
لأنه ينسى النية، ويتشاغل عنها. ولأن الصلاة قضاؤها، وأداءها لا يتعلق بزمان بعينه، فاحتاجت إلى نية مقارنة لتعين الفعل. وأداء الصوم يتعلق بزمان بعينه، ويختلف في النيات التعيين وعدمه، بدلالة: أن من نذر عتق عبد بعينه لا يفتقر إلى النية ولو نذر عتقا مطلقا، لم يصح إلا بنية، ولذلك يجوز أن يفترق المعنى وغير المعنى في محل النية.
-
قالوا: الأبدال مثل مبدلاتها وأضعف،
-
فأما أن تزيد عليها فلا،
-
فلو وجب تقديم النية في القضاء لزاد البدل على المبدل، وهذا لا يصح.
-
قلنا: الأبدال أضعف من أصولها،
-
ولا يمتنع أن تزيد الشرائط في
-
1/14461/1446
البدل لضعفه. ولأن تأخير النية يوجب نقصا في الصوم، إلا أن استدراك فضيلة الوقت في رمضان أولى، وفي القضاء لا يستدرك [فضيلة الوقت] ويستدرك فضيلة الكمال بتقديم النية.
-
قالوا: إمساك واجب، فكان من شرطه تقديم النية عليه، أصله: ما بعد الزوال/.
-
قلنا: ما بعد الزوال، متى لم تتقدم النية عليه، لم تصحب أكثر النهار، وما قبل الزوال إذا لم تتقدم النية عليه صاحبت أكثر النهار، ووجود الشرط في أكثر العبادة مختلف لوجوده في أقلها، بدلالة: المدرك لأكثر الركعة يعتد بها،
-
ولو أدرك أقلها لم يعتد بها.
-
قالوا: الإمساك يكون عادة، وعبادة، فوجب أن يقترن بما يميز العادة من العبادة.
-
قلنا: اقترن به الزمان الذي تعين الوجوب فيه، فأخرجه من أن يكون عادة.