مسألة ٧١٣
التجريدHanafimasa’il 23736 to 23813
-
1/28841/2884
امر المدين بقضاء الديون إذا ثبتت عند الحاكم
-
قال أبو حنيفة: إذا ثبتت الديون عند الحاكم، أمر المديون بقضائها وحبسه،
-
ولا يحجر عليه ولا يبيع في الدين ما سوى الأثمان.
-
وقال الشافعي: إذا ثبتت الديون، وهي مثل ماله، أو ماله أكثر وليس هناك أمارات الفلس، أمره بقضاء ديونه،
-
فإن فعل وإلا حبسه،
-
فإن فعل وإلا باع عليه.
-
وإن كان له مال أقل من ديونه وطلب الغرماء الحجر، حجر عليه وباع ماله لهم.
-
فإن كان له مال وهو ينفق من المال، ففي الحجر وجهان.
-
وإذا حجر الحاكم تعلقت حقوق الغرماء بماله،
-
فمن وجد عين ماله أخذها وينقطع تصرفه في أعيان ماله. وهل تحل الديون التي عليه؟ على قولين.
-
فإن تصرف في أعيان ماله بالبيع والهبة والعتق ففيه قولان، أحدهما: تصرفه باطل، والثاني: موقوف.
-
فإن تصرف في ذمته، فاشترى شيئا أو استقرض جاز، ونفقته ونفقة زوجته وأقاربه في مدة الحجر في ماله إلا أن يكون له كسب، فيكون في كسبه ويبيع القاضي جميع أمواله من الدين إلا أقل ما يكفيه وأهله في مؤنة الطعام والشراب وثياب بدنه: منديل،
-
1/28851/2885
وقميص وسراويل، أو خميل، وجبة في الشتاء، ورداء إن كان ممن يتصف برداء (يكتسي برداء،
-
فلا يبيعه إلا بإذنه) .
-
والثاني: أنه لا يحجز عليه في التصرف.
-
والدليل على الفصل الأول: قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم} .
-
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) .
-
وذكر الدارقطني حديث أنس - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يشترين أحدكم مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه) .
-
الرضا معتبر بالعقد، فلا يبيع الحاكم على المدين لغرمائه إلا بإذنه، كالرداء.
-
ولا يلزم: (إذا عاب) المشتري (ثمنه أو قطعه) والمبيع في يد البائع، لأنه لا يشتري الرداء (إلا بإذنه) .
-
ولأنه لا يبيعه لغرمائه، وإنام يبيعه لبائعه خاصة.
-
1/28861/2886
قالوا: قولكم:- (ما تعين) -لا تأثير له، لأنه لو كان ماله وديونه عروضا لم يمنع.
-
قلنا: إذا كان ماله دراهم فقد يباع في دينه إذا كان دنانير، وقد لا يباع إذا كان عروضا، وما يتغير لا يباع بحال، فقد أيدت العلة.
-
ولأن ما لا يجوز بيعه قبل المنع والحبس، لا يجوز بيعه بعده، أصله: ثيابه.
-
قالوا: المعنى في ثياب بدنه: أنه لا يلزمه بيعها في الدين، وعروضه يلزمه بيعها في الدين،
-
فإذا امتنع قام القاضي مقامه.
-
قلنا: لا نسلم أن المدين يلزمه بيع ماله، وإنما يلزمه قضاء الدين،
-
ويجوز أن يستدين ويستقرض ويقضى الدين، فالقاضي يقوم مقامه في القضاء الواجب عليه، والقضاء لا يكون إلا وقد حبس حقه.
-
ولا يلزم: الأثمان؛ لأنه لا يجوز بيعها بل الحبس.
-
ولأن القاضي يحبس في الدين،
-
فلو كان يجوز أن يبيع مال الممتنع لم يجز الحبس؛ لأنه يؤدي إلى الإضرار بالغرماء والمديون. أما الغرماء: فيؤخر عنهم حقهم مع إمكان دفعه إليهم،
-
وأما المديون: فلأنه يقدر أن يقضي دينه من غير حبسه،
-
فلا معنى للإضرار به؛ ألا ترى: أن ديون الميت لا يحبس القاضي الوصي فيها؛ لأنه يقدر على القضاء دونه، فلما ثبت أن له يحبسه دل على أنه لا يجوز البيع.
-
فإن نازعوا في جواز الحبس، فالدليل عليه: ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه -: (أن رجلا أعتق شقصا له في عبد، وله غنيمة، فحبسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى باع غنيمته) .
-
1/28871/2887
ولأن الحكام يفعلون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير، فالإجماع بالقول.
-
والدليل على أن الحجر لا يجوز: قوله تعالى: {بل الإنسان على نفسه بصيرة} ، يعني شاهدا، وهذا يقتضي أنه إذا أقر بأعيان ماله بعد الجر، جاز.
-
ولأنه معنى لا يؤثر في الشهادة؛
-
فلا يستحق به الحجر، كالدين القليل، وعكسه: الصغر والجنون.
-
ولأن تصرفه يجوز في ذمته؛ فجاز في أعيان ماله، كمن لا دين عليه.
-
ولأن من صح نكاحه وطلاقه، جاز تصرفه في ماله، كمن عليه دين غير مستغرق.
-
ولأن من جاز إقراره بالحد والقصاص؛ جاز بأعيان ماله، كالمريض.
-
احتجوا: بما روي: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - باع على معاذ ماله في دينه) ، وروي: (أنه حجر عليه في ماله وباعه) .
-
الجواب: أن هذا مرسل، رواه الفقهاء عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه، وزاد: (فقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - باع على معاذ ماله) .
-
وذكر هذا الحديث، فقال: حدثنا عمر بن أحمد بن علي، عن عبد الله بن أبي جبير المروزي، عن أبي إسحاق إبراهيم بن معاوية بن الفرات، عن هشام ابن يوسف قاضي اليمن عن معمر.
-
1/28881/2888
وهذا إسناد لا يعرف، لأن من دون هشام ابن يوسف مجاهيل/لا يثبت بقولهم ١٦٣/ب حجة، فكيف يظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يحجر على معاذ؟ ومنزلته من الدين معروفة، وهو قاضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والحجر إنما يكون حتى لا يتصرف ويسقط حقوق الغرماء،
-
ومتى أعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يصرف ماله إلى الغرماء ثم يظن بمعاذ أن يتوصل بالتصرف إلى مخالفة فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
يبين ذلك أنه قال: (حجر على معاذ ماله) ، معناه: صرفه إلى الغرماء فقطع حقه عنه، ولم يقل: حجر عليه في ماله.
-
وقد روى جابر - رضي الله عنه - فذكر فيه بيع المال، ولم يذكر الحجر،
-
وإذا لم يثبت الحجر عليه لم يبق إلا بيعه لما له، فيحتمل أن يكون باعه بإذن معاذ.
-
يبين ذلك: أن البيع عليه يكون إذا امتنع من القضاء،
-
ولا يظن بمعاذ أنه يأمره بقضاء دينه فيمتنع، فعلم أنه أذن للنبي في بيع ماله. والفائدة في ذلك: أن يبارك في ماله فيفي بالدين، كما روى: أن جابر - رضي الله عنه - (لما أصيب بأبيه طالبه غرماء أبيه بديونهم، فسألهم أن يأخذوا ما في حديقته، ويمهدوه بالباقي إلى أن يدرك الغلة من العام القابل، فأبوا ذلك، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكلمهم فيه، فكلمهم فأبوا أن يجيبوه، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجذ ما في الحديثة من الثمر،
-
ثم دخل الحديقة، فبارك عليه وأمره أن يكيل عليهم حقوقهم، فكال لهم، وبقي بعد قضاء حقوقهم من الثمر مثل كان في الأول) .
-
1/28891/2889
فيجوز أن يكون معاذ أذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - في بيع ماله طمعا في البركة ليوفي الدين كما بورك لجابر.
-
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يبيع لنفسه وإنما أذن لمن يبيع ويضاف إليه البيع لأمره به، فيجوز أني كون أمر معاذا بذلك، فباعه بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأضيف البيع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمره به، وهذا موضع الاتفاق.
-
احتجوا: بما روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خطب، فقال: (ألا إن الأسيفع أسيفع جهينة رضى من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج، فادان معرضا فأصبح قدرين به، وإنا بائعو ماله وقاسموه بين غرمائه،
-
فمن كان له دين فليحضر) .
-
الجواب: أن الحجر لا يجوز حتى يخاصم الغرماء فيثبت الفلس ويسأل الحجر، ولم ينقل ذلك، فيحتمل أن يكون أسيفع مات، فولى الإمام في قضاء ديونه، ويحتمل أن يكون رآه يبتاع الرواحل فيها ماله.
-
وقوله: - (إنا بائعو ماله) -إنا نأمر بذلك فيما هو من جنس الأثمان، وعندنا: يبتاع كل واحد من الثمنين في الآخر.
-
قالوا: يلزمه بيع ماله لقضاء دينه،
-
فإذا امتنع باعه الحاكم، كما لو
-
1/28901/2890
كان دراهم وعليه دنانير.
-
قلنا: لا نسلم أنه يلزمه بيع ماله، وإنما يلزمه قضاء دينه، وهو مخير إن شاء باع،
-
وإن شاء اقترض، وإن شاء أجر نفسه وماله.
-
فإن قيل: إن القاضي يحبسه إذا كان له مال،
-
ولا يحبسه إذا لم يكن له شيء، وإنما يحبسه ليبيع المال فيقضي منه.
-
قلنا: غلط، بل يحبسه لأنه يقدر على قضاء الدين منه أو تأجيله، لأنه إذا علم أن له مالا أقرضه الناس، فيحبسه لهذا المعنى.
-
قالوا: إذا لم يكن له طريق إلى قضاء دينه إلا من بيع المال؛ وجب باتفاق.
-
قلنا: وإذا قدر على الاستقراض لم يجب البيع باتفاق،
-
ولا فرق عندكم بين الأمرين.
-
وأما الدراهم والدنانير فمفارقة للعرض، لأن كل واحد منهما بدل عن الآخر.
-
وفي الفقهاء من يقول: إن القاضي يقضي بأحدهما عن الآخر، وهو ابن أبي ليلى. وإنما قلنا: إن كل واحد منهما بدل الآخر، لأن من له دين من أحدهما إذا كسد قضي له بالآخر، فلذا كان كل واحد منهما بدلا عن الآخر.
-
وفي الفقهاء من جوز في القضاء، أن يكون القاضي مخيرا: إن شاء قضى الدراهم عن الدنانير،
-
وإن شاء باعها في الدين، لأنها بدله، وهذا المعنى لا يوجد في العروض، لأنها ليس ببدل الأثمان.
-
ولا قال أحد من الفقهاء: إنه يقضي عنها، فلذلك لم يملك بيعها.
-
1/28911/2891
قالوا: من بيع عليه دراهم بيعت عليه عروضه، كالميت.
-
قلنا: ألميت سقطت ولايته بموته، فولى عليه في بيع ماله، والحي ولايته باقية وتصرفه جائز، فلم تثبت الولاية.
-
يبين الفرق بينهما: أن غرماء الحي إذا لم يطلبوه بالحجر لم يبع القاضي ماله، والميت يبيع ماله من غير مطالبة،
-
ولو رضي غرماء الميت بتأخير ديونهم ملك القاضي البيع، فبان الفرق بينهما.