مسألة ١٧٨
التجريدHanafimasa’il 5458 to 5522
-
1/7431/743
المني نجس
-
قال أصحابنا: المني نجس.
-
وقال الشافعي: طاهر.
-
لنا: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعمار: "مم تغسل ثوبك." قال: من نخامة، فقال: "إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول" . فنقله عن غسل النخامة وأمره بغسل المني،
-
فلو كان واحد منهما كالآخر لم يكن للتفريق معنى، وأمره بغسل الثوب من المني، وهذا يفيد وجوب غسله.
-
ولا يقال: قوله: "إنما يغسل الثوب" [خبر] وليس بأمر، فكأنه قال: إنما يغسل الثوب من هذه الأشياء؛ وذلك لأنه - عليه السلام - لا يعلم العادات،
-
ولا يخبر عنها، وإنما يعلم الأحكام ويخبر عنها، فالظاهر أنه بين الحكم وأمر به، دون العادة،
-
فلا فرق بينهما، ولو [كان] يخبر عن العادة لم يفرق؛ لأن العادة غسل الجميع.
-
1/7441/744
ويدل [عليه] ما روى سليمان بن يسار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عائشة بغسل المني وقال: "إذا رأيت المني رطبا فاغسليه" . وروي أنها قالت: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغسل المني [من الثوب إذا كان] ركبا وبفركه [إذا كان] يابسا.
-
وهذا يقتضي وجوب الغسل. وكل من قال بوجوب غسله قال بنجاسته.
-
ولا يقال: إن كان نجسا لم يجز فيه الفرك؛ لأن وجوب الغسل يدل على النجاسة، وجواز غير الغسل لا ينفي ذلك، كمسح موضع الاستنجاء، ومسح الخف على أصلنا.
-
ولأنه مائع خارج من السبيل، كالبول. ولأنه مائع يتعلق بخروجه نقض الطهارة، كالبول. ولأن خروجه يتعلق به الغسل، كالحيض.
-
ولا يلزم الولد؛ لأن الغسل لا يتعلق بخروجه، وإنما يتعلق بما يكون معه من الدم.
-
ولا يقال: إن الغسل لا يجب بخروج الحيض وإنما يجب بانقطاعه؛ لأن خروج الحيض ينقض الطهارة،
-
فإذا انقطع وجب الغسل عند الانقطاع بالخروج السابق،
-
ولا يجب قبل الانقطاع؛ لأن الصلاة [لا] تجب. ولأنه لا يصح وجوده. ولأن المذي من أجزاء المني؛ بدلالة أن الشهوة تجلب كل واحد منهما،
-
1/7451/745
وإذا رق المني صار على صفة المذي،
-
فإذا كان المذي نجسا فكذلك المني.
-
قالوا: [المعنى في جميع ما ذكرتموه أنه لما وجب غسله يابسا وجب غسله رطبا، ولما لم يجب غسل المني يابسا لم يجب غسله رطبا] .
-
قلنا: التعليل وقع للنجاسة، والمعارضة في وجوب الغسل معارضة في فصل آخر؛ لأنا لا نسلم أن المني لا يجب غسله يابسا؛ لأنه إذا كان على البدن لا يجزئ [فيه] إلا الغسل.
-
وكذلك لا نسلم في علة الأصل؛ لان الدم لا يجب غسله يابسا إذا كان على الخف وما جرى مجراه. ولأن المني إذا يبس على الثوب زال بالفرك،
-
وإذا كان رطبا لم يزل.
-
ولا يقال: لما لم يتعين وجوب الغسل إذا زالت العين به وبغيره لم يتعين إذا لم تزل إلا به. ولأن النجاسة قد تتساوى ويختلف إزالتها باختلاف صفاتها، فلم يجز أن يستدل باختلاف صفة الإزالة على الطهارة. ولأنه [مني] حيوان محرم، كمني الكلب والخنزير.
-
قالوا: المعنى في الكلب أنها دابة نجسة فكذلك منيه، والإنسان طاهر.
-
قلنا: طهارة الحيوان لا يستدل بها على طهارة ما ينفصل منه، كالبول. ولأن المني يجري مجرى النجاسة، فوجب أن يكون نجسا كسائر المائعات إذا حصلت في محل [نجس] .
-
ولا يقال: إن الخلاف في كونه نجسا في أصله لا في نجاسته لمجاورة النجاسة؛ وذلك لأنه نجس عندنا في الأصل، وقد حدث معنى يوجب نجاسته لو كان طاهرا، وعندهم أنه طاهر في الأصل، وطاهر مع وجود هذا المعنى، فصار كالحكم الثابت [بعلتين] ، فيجوز الاقتصار على أحدهما.
-
1/7461/746
ولا يقال: إن مجرى المني غير مجرى البول. وهذا يجوز أن يقال في الأصل،
-
فأما في قصبة الذكر فخروجهما واحد، وذلك معلوم بالمشاهدة، وداخل القصبة نجس، لجريان البول فيه.
-
قالوا: لا يحكم بنجاسة المني وإن خرج وجرى في محل النجاسة؛ لأن الشيء إنما ينجس بالمجاورة في ظاهر البدن،
-
فأما في داخل البدن فلا يحكم له بذلك؛ ألا ترى أن الله تعالى أخبر أنه يخرج اللبن من [بين] فرث ودم، ولم يوجب ذلك نجاسته.
-
قلنا: هذا يبطل على أصلهم بلبن الميتة أنه ينجس [في داخل البدن،
-
وكذلك من ابتلع ماء ينجس بحصوله في جوفه وإن لم يكن في ظاهر البدن.
-
فأما اللبن فهو نحس في حال كونه في] الفرث والدم، وإنما يطهر بالاستحالة منهما، كما يحدث من المني النجس حيوان طاهر بالاستحالة.
-
واحتج المخالف: بقوله تعالى: {وهو الذي خلق من الماء بشرا} ، وإطلاق الماء يقتضي الطاهر.
-
والجواب: أن المني لا يسمى ماء في الإطلاق، الدليل على هذا: اللغة والعرف؛ ألا ترى أن الألف واللام إذا لم تكن للجنس فهي للتعريف والتعريف، يمنع الإطلاق، كقولهم: ماء نجس.
-
احتجوا: بقوله تعالى {ولقد كرمنا بنى ادم} ،
-
ومن أخبر بكرامته وأبان عن فضيلته لم يجز أن يخلقه من نجس؛ ألا ترى أن هذا مما يقع به المدح والذم، [يقال] : فلان من أصل طاهر.
-
1/7471/747
والجواب: أن الله تعالى أخبر بكرامة [بني آدم] ، وعندنا أنه حال كونه آدميا طاهر، فلأن يكون من الكرامة أن يخلقه من ماء نجس ويجعله طاهرا مكرما، وهذا أبلغ في باب المنة.
-
ولأن كرامته لا تمنع من نجاسة أجزائه، كالدم وما أشبهه، كذلك لا يمنع من نجاسة أصله.
-
قالوا: روى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المني: "أمطه عنك بإذخرة؛ فإنما هو كمخاط أو بصاق" ، أنه شبهه بالمخاط والبصاق فهذا يدل على أنه مثله في الحكم.
-
والجواب: أن هذا الخبر رواه الثقات موقوفا عن ابن عباس، وإنما غلط فيه إسحاق الأزرق ورواه عن شريك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورواه عن شريك عن ابن أبي ليلى في غير هذا الحديث، وسكت عنهما هاهنا، وقال غيره: إن رواية ابن أبي ليلى عن عطاء لا يلتفت إليها؛
-
لأنه لقيه بعد ما اختلط حديثه.
-
ولو ثبت لم يدل؛ لان أمره بالإماطة يقتضي وجوبها، وعندهم ليس بواجب، فصار هذا دليلا لنا من الخبر، وتشبيهه بالمخاط والبصاق دليل لهم، فتساوينا.
-
1/7481/748
ولا يقال: إن تشبيهه بالمخاط والبصاق/ يقتضي الحكم؛ لأنه يجوز أن شبهه لحقه حكم في باب الإزالة. ولأنه ملصق بظاهر الثوب. ويمكن أن نجيب عنه بشيء. مفارقته لسائر النجاسات التي تتداخل في أجزاء الثوب، فلا يزول بالفرك.
-
ولا يقال: تركتم ظاهر التشبيه في البصاق وخصصتم الإماطة؛ لأن عندك يجوز بالإذخر إذا كان يابسا على الثوب؛ لأنا لم نترك ظاهر التشبيه؛ لأن الشيء لا يشبه بالشيء من جميع الجهات، وإنما يشبه من وجه،
-
فإذا بينا وجها واحدا وبينوا آخر تساوينا، فبقي تركهم لظاهر الخبر وتخصيصنا العموم، فهو ظاهر بظاهر. على انه قد روي عن محمد أنه قال في رطبه: يزول بحب كيابسه، فعلى هذا لم يخص العموم.
-
ويجوز أن يقال: قوله - عليه السلام -: "أمطه عنك بإذخرة" يفيد إماطة جميعه، وذلك لا يمكن بالإذخر إلا أن يغسل به، فكأنه قال: اغسله عنك بإذخر. فاعتبر الإذخر لأن المني لزج لا يزول بمجرد الماء إلا بمشقة.
-
قالوا: روت عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي.
-
والجواب: أنه يجوز أن يكون أقل من مقدار الدرهم.
-
قالوا: روى ابن عباس وسعد وعائشة رضي الله عنها مثل قولنا.
-
1/7491/749
قلنا: روى عن عمر وابن عمر أنه يغسل الثوب منه.
-
ولا يقال: [إنه يحمل] على الاستحباب؛ لان المذاهب لا تتأول، وإنما يتأول قول صاحب الشريعة.
-
قالوا: لأنه مبتدأ خلق بشر، فكان طاهرا، كالصلصال.
-
قلنا: هذا الوصف لا يصح؛ لأن ابتداء الخلق لا يقع من المني، وإنما وقع من التراب، فالخلق من المني إنما هو توسط أحواله،
-
فلا يقتضي الطهارة، فمحال كونه دما. ولأنا لا نعلم أن الصلصال الذي خلق منه آدم - عليه السلام - كان طاهرا.
-
ولو سلمنا فالمعنى فيه أن الطهارة تقع [به] ، فكان طاهرا، والمني ينقض الطهارة، فكان نجسا.
-
قالوا: لأنه مسمى في الشرع بالماء، فأشبه الماء.
-
قلنا: يبطل بمني الكلب والخنزير؛ لأنه في الشرع ماء؛ قال الله تعالى: {والله خلق كل دابة من ماء} الآية. ولأن المعنى في الماء أنه يقع به الطهارة، وليس كذلك المني، لأنه ينقض الطهارة.
-
قالوا: الإنسان طاهر، فوجب أن يكون متولدا من طاهر، كالدجاجة والبيضة.
-
قلنا: ينتقض بالدود المتولد من النجاسة، إنه طاهر مع تولده من نجس. ولأن طهارة الحيوان بعد الاستحالة لا تدل على طهارته قبلها، كسائر الأعيان الطهارة الاستحالة. ولأن الدجاجة لا تتولد من البيضة قبل الحياة، وفي ذلك الحال هو عندنا نجس.
-
1/7501/750
قالوا: مائع يثبت الحرمة فأشبه اللبن.
-
قلنا: الحرمة تثبت بالوطء،
-
فأما بالماء فلا. ولأن اللبن لا يتعلق بخروجه من الإنسان الطهارة، فكان طاهرا، ولما تعلق بخروج المني الطهارة كان نجسا.
-
قالوا: ما لا يجب غسل يابسه لا يجب غسل رطبه، كالمخاط.
-
قلنا: سقوط الغسل لا يستدل به على الطهارة، كموضع الاستنجاء، ونقول- بموجب هذه العلة- بما روي عن محمد أن الرطب لا يجب غسله، والمعنى في المخاط أنه يخرج من الآدمي فلا يتعلق به نقض الطهارة، والمني بخلافه.