مسألة ١٢٨٦
التجريدHanafimasa’il 42150 to 42202
-
1/54021/5402
نفقة كل ذي رحم محرم
-
قال أصحابنا: النفقة واجبة لكل ذي رحم محرم من جهة النسب إذا كان فقيرًا موافقًا في الدين.
-
وقال الشافعي: لا تجب النفقة إلا للوالدين والولد.
-
لنا: قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسن وإيتائي ذي القربى) وهذا يقتضي وجوب حق يدفع إلى الأقارب،
-
ولا حق إلا النفقة ولا يجوز حمله على أفراده؛ لأنه تخصيص بغير دليل.
-
ويدل عليه قوله تعالى: (وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل) فأوجب إيتاء ذي القربى كما أوجب إيتاء المساكين، ومعلوم أنه يجب أن يوفي المسكين حقًا من المال، كذلك القريب.
-
ويدل عليه قوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) إلى قوله: (وعلى الوارث مثل ذلك) وهذا يقتضي وجوب النفقة على كل وارث كوجوبها على الوالد.
-
فإن قيل النفقة والكسوة نفقة زوجية فأما أجرة الرضاع فتجب بحسب التراضي.
-
1/54031/5403
قلنا المراد بالآية أجرة الرضاع بدلالة أن الأم قد تكون زوجة وقد تكون غير زوجة وقوله إن أجرة الرضاع لا تكون طعامًا وكسوة ليس بصحيح، لأن عند أبي حنيفة يجوز استئجار الظئر بطعامها وكسوتها.
-
فإن قيل: قوله: (وعلى الوارث مثل ذلك) المراد به في ترك المضارة بها.
-
قلنا: قال الله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) ثم قال: (وعلى الوارث مثل ذلك) فالظاهر أنه عطف الاسم على الاسم ولم يعطفه على الفعل الذي هو ترك المضارة.
-
ولأنه حق له، بقوله (لا تضار ولدة بولدها) معناه لا يؤخذ منها فبدفع إلى ظئر ترضع بدلها للرضاع، وقوله:
-
(ولا مولود له بولده) معناه أنه لا يلزم ما يقترح الوالد من العوض.
-
وقوله: (وعلى الوارث مثل ذلك) لو سلمنا أنه يرجع إلى نفس المضارة دل على أن نفقة الرضاع عليه؛ حتى يقال له: لا يضار بها بأن تبذل النفقة للظئر مع بدلها للرضاع.
-
فإن قيل إذا حملنا قوله: (وعلى الوارث مثل ذلك) على نفي المضارة حملناه على العموم في كل وارث،
-
وإذا حملتموه على النفقة خصصتموه بذي الرحم المحرم.
-
قلنا: إذا حملتموه على نفي المضارة لم يكن لتخصيصه بالوارث معنى؛ لأنه يجب على كل مسلم ترك الإضرار بها.
-
ولأنه روى في قراءة ابن مسعود (وعلى الرحم المحرم مثل ذلك) فعلى هذا لم تختص الآية.
-
قالوا: روي عن ابن عباس أنه قال (وعلى الوارث مثل ذلك) في نفي المضارة.
-
قلنا: روي عن ابن مسعود وزيد بن ثابت أنهما قالا في النفقة مثل ذلك. وبدل عليه ما روي أن امرأة خاصمت صبيانها إلى عمر بن الخطاب فقضى عليهم بنفقتها، وعن زيد بن ثابت أنه قضى بنفقة صغير على أمه وعمه أثلاثًا ولا مخالف لهما.
-
1/54041/5404
ولأنه ذو رحم محرم من النسب فجاز أن يستحق من جهته النفقة كالوالد والولد.
-
ولا يقال: المعنى فيه أن النفقة تجب على اختلاف الدين فكذلك مع اتفاقه؛ لأن النفقة صلة،
-
فلا يقال: لما لم تجب صلة الرحم مع وجود الكفر لم تجب مع الإسلام،
-
فأما الأب فتجب عليه صلة رحمه في الحالين والأخ بخلافه. ولأنهما شخصان ولا يرجع أحدهما فيما يهبه للآخر، فجاز أن تجب نفقة أحدهما على الآخر، كالوالد والولد.
-
ولأنه رحم كامل فجاز أن تجب النفقة لأجله كالولاد، ولأنه معنى وضع لغناء الأقارب فجاز أن يثبت بين الأخ والأخت كالإرث، ولأنها قرابة تمنع التفريق إذا جمعهما الملك، كقرابة الولاء.
-
والدليل على الوصف ماروي أن عليًا - عليه السلام - فرق بين الأخوين، فقال - صلى الله عليه وسلم - (اذهب فاسترد) .
-
احتجوا بوقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) .
-
قلنا: هذا يقتضي تحريم تناول ماله الذي لم يجز أخذه بالشرع إلا برضاه، ونحن لا نسلم أن هذا المال لم يجب بالشرع.
-
قالوا: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ليس في المال حق سوى/ الزكاة) .
-
قلنا: في المال حق الله تعالى سوى الزكاة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (في المال حق سوى الزكاة) .
-
احتجوا: بما روى أبو هريرة أن رجلًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - (فقال: إن معي دينارًا فقال: (أنفقه على نفسك) فقال: (إن معي آخر) فقال: (أنفقه على ولدك) فقال: معي آخر فقال: (أنفقه على أمك) فقال: (معي آخر) فقال: (أنفقه على خادمك) فقال: (معي أخر) قال: (أنت أعلم به) فهذا يدل على أنه لا يجب عليه نفقة أخيه وعمه وخاله.
-
1/54051/5405
قلنا: بهذا الخبر احتج أصحابنا. ولأنه روي أنه قال: (وعلى أبيك وعلى أخيك وأختك ثم أدناك فأدناك) ثم إذا لم ينقل هذا لم يدل على ما قالوا؛ لأنه يجوز أن يكون - صلى الله عليه وسلم - عرف أنه لارحم له أو عرف أن أرحامه أغنياء فلم يأمره بالنفقة عليهن.
-
قالوا: كل شخصين لا يجب نفقة أحدهما على الآخر مع اختلاف الدين لا يجب مع اتفاقه كابني العم.
-
قلنا الله تعالى أوجب النقة فيما سوى الوالد والولد باسم الوارث، بقوله: (وعلى الوارث مثل ذلك) واختلاف الدين يمنع الإرث دون نفقة الأب بالولادة، وختلاف الدين لا يمنع ذلك. والمعنى في ابني العم أن رحمهما ليس بكامل، بدلالة أنه يجوز تزويج بنتي العم كما يجوز تزويج الأجنبية، والأخت رحمها كامل، بدلالة أنه لا يجوز تزوجها كما لا يجوز تزويج الأم والبنت، ولهذا أوجب عليه رحم الأختين فمنع أن يجمع بينهما في النكاح،
-
وكذلك المرأة وعمتها وخالتها ولم يجب مثل ذلك في بني العم، بل جاز الجمع بينهما ولم يحرم رحمهما، وجعلناهما كالأجانب.
-
ولو ملك أختين لم يفرق بينهما.
-
ولو ملك ابني عم فرق بينهما، لأن إيجاب نفقة ابن العم يؤدي إلى التناقض؛ لأن الفقير يتزوج بنت عمه الموسرة فتجب عليها نفقته بالقرابة،
-
ويجب عليه نفقتها بالنكاح، فيطالب كل واحد منهما بنفقته وهذا محال.
-
ولأن ولد العم لما تعلقت له على ولد عمه بغير الرحم نفقة وهو النكاح لم يجب له عليه نفقة بالرحم. ولما لو يجب للرحم المحرم على صاحبه نفقة بغير الرحم جاز أن يجب بالرحم كالوالدين والولد.
-
وقد ساقوا على هذا الاصل بأوصاف منها أنه يجري بينهما القصاص، وتقبل شهادة كل واحد منهما للآخر،
-
ولا يحرم على أحدهما زوجة الآخر على التأبيد.
-
قلنا: القصاص يجري بين الزوجين مع وجوب النفقة،
-
ويجب على الابن للأب، وعلى العبد بقتل المولى،
-
ويجب عليه نفقته. وأما الشهادة فلأن أحدهما ليس بعضًا للآخر ولا تسلط له في ماله، والوالد والولد لم تقبل شهادة أحدهما للآخر؛ لأنه بعض له بالقرابة، فليس اعتبار هذا بأولى من اعتبار المنع من جمعهما تحت زوج، وهذا أولى؛ لأنه منع من جمعها؛
-
حتى لا تنقطع أرحامهما بالعداوة، وهذه علة
-
1/54061/5406
منصوص عليها، والنفقة صلة الرحم، فأولى أن يعتبر أحدهما بالآخر. وتحريم الزوجة لم يجعل صلة للرحم فلم يجز اعتبار النفقة.
-
قالوا: لايجب نفقته في كسبه فلم يجب في ماله كالأجنبي.
-
قلنا: الوصف غير مسلم،
-
ولا رواية في هذه المسألة عن أبي حنيفة. وقال محمد: إذا كان في كسب الآخر ما يفضل عن كفايته فرض في الفاضل منه نفقة أخيه.
-
ولأن النفقة صلة الرحم فلا يصح أن يقال: لما لم تجب صلة الأجنبي، لا تجب صلة الأخ والعم. والمعنى في الأجنبي أن نفقته يجوز أن تجب بغير الرحم، وهو النكاح [والرق فلم يجب بالرحم. وذو الرحم لا يجوز أن تجب نفقته بغير الرحم] فلذلك وجبت به.
-
قالوا: يجوز لكل واحد منهما دفع زكاته إلى الآخر فلو وجبت النفقة لم يجز دفع الزكاة فيسقط بها ما وجب من النفقة، كما لا يجوز الدفع في الولد.
-
قلنا: يبطل إذا قضى القاضي بالنفقة فإن الدفع يجوز بإجماع وإن كانت النفقة واجبة. والمعنى في الأب والابن أن مال أحدهما أجرى مجرى مال الآخر،
-
فإذا دفع الزكاة إليه فكأنه نقلها على ملكه. وهذا لا يوجد في الآخرين.