فلأن العاقد لما لا يملك الأعيان
التجريدHanafimasa’il 21902 to 21961
-
1/26691/2669
، فلا يصح أن يملكها، ويملك أن يعقد على دين في الذمة، فاختص العقد بالدين لهذا المعنى؛ وفي مسألتنا: العاقد يصح أن يملك الدين والعين، واختص العقد بالدين، فعلم أنه يختص بشرط لا يوجد إلا في الدين.
-
فإن قيل: بدل القرض لا يصح أن يكون إلا دينًا،
-
ولا يشترط فيه الرهن، والكفيل، ولا الأجل.
-
قلنا: عندنا القرض لا يجب البدل فيه، بدلالة: أن صحة العقد لا تقف على تسميته، وإنما يثبت البدل حكمًا بقتضى القرض، والبدل الثابت حكمًا لا يكون إلا دينًا، كالاستهلاك.
-
وفي مسألتنا: يثبت البدل بالعقد، والعقد يملك به العين والدين.
-
فإن قيل: الرهن لا يصح إلا بدين،
-
ولا يصح بعين، ولو شرط فيه التأجيل.
-
قلنا: إنما شرط فيه الدين؛ لأنه للاستيفاء، والديون هي التي يمكن أن تستوفي منه.
-
وأما الأعيان فلا يمكن أن تستوفي من الرهن، فلذلك اختص بالدين؛ لأنه يثبت ... في سائر البياعات، فأوجب حكمًا خاصًا بالبدل الآخر؛ أصله: عقد الصرف.
-
1/26701/2670
فإن قالوا: وجب أن لا يكون التأجيل من شرطه، كالسلم.
-
قلنا: يبطل بالسلم في المعدوم.
-
ولأن الصرف لا يشترط فيه التأجيل؛ لأنه يبطل موضوعه، ألا ترى: أنه يسمى صرفًا؛ لأن كل واحد يصرف البدل إلى صاحبه،
-
ومن لم يشترط التأجيل في السلم بطل موضوعه؛ لأنه يقتضي تعجيل أحد البدلين وتأخير الآخر.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {وأحل الله البيع} ، والسلم بيع؛
-
وأن انفرد باسم، كما أنه عقد وأن انفرد باسم.
-
والجواب: أن إباحة البيع في الجملة لا يستدل به إذا وقع الاختلاف في شروط البيع، كما أن الخلاف إذا وقع في شرائط النكاح أو في شرائط الصلاة لم يستدل بإباحة النكاح وبإيجاب الصلاة، وإنما يرجع في ذلك إلى دلائل الشروط.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} ، وقد أريد بهذه الآية السلم،
-
ثم قال تعالى: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم} ، فدل على أن السلم المؤجل.
-
قال ابن عباس - رضي الله عنهم -: (أشهد أن السلم المضمون إلى أجل مسمى قد أباحه الله، وأنزل فيه أطول آية من كتابه) .
-
وأما قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة حاضرة} فأراد به بيع الأعيان؛ لأنها هي الحاضرة، ألا ترى: أنه [تعالى] قال: {تديرونها بينكم} ، والذي يقوم بيننا إنما هو الأعيان، فكأن الله تعالى بين حكم السلم وشرط فيه الأجل المعلوم، وبين حكم بيوع الأعيان.
-
1/26711/2671
قالوا: روي (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان، ورخص في السلم) ، فإنه يفرق.
-
قلنا: قوله: (ورخص في السلم) من كلام الراوي، ولم يبين لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرخصة، وقد نقلنا لفظه في قوله: (أسلموا في كيل) ، فكان الرجوع إلى اللفظ المفسر أولى.
-
ثم السلم عقد يقتضي تعجيل أحد البدلين، وتأخر البدل الآخر لغة وشرعًا.
-
أما اللغة: فلأنهم يقولون: أسلم الدين من كذا، إذا كان أحدهما متأخرًا ويميزون بينهما،
-
ولو تعجل لم يكن بها، ويقال: أسلم هذا، وقال: أولى منه أن يقال: أسلم ذلك في هذا.
-
وأما الشرع: فلأن رب السلم لا يحبس رأس المال حتى يحضر المسلم فيه،
-
ولو لم يقتض العقد تأخر المسلم فيه وجب أن يحبس رأس المال حتى يحضر عوضه، كبيوع الأعيان،
-
وإذا اقتضى لفظ السلم تأخر أحد العوضين وجب أن تكون مدة التأخير معلومة.
-
قالوا: روي (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى من أعرابي جملًا بوسق من تمر الذخرة، فالتمسه، فلم يجده، فقال الأعرابي: واغدراه، فاستقرضه رسول الله
-
1/26721/2672
- صلى الله عليه وسلم - ووفاه إياه).
-
قالوا: وشري الثمن في الذمة إلى أجل معين هو السلم.
-
قلنا: التمر ها هنا ثمن؛ بدلالة: أن الباء صحبته، وهو ما ثبت في الذمة، ولهذا أضاف الشري إلى المعين، ولهذا لم يذكر شرائط السلم في الثمن وإن كان ثمنًا استوفى الشرائط.
-
قالوا: نوع معاوضة محضة،
-
فلا يكون الأجل شرطًا. أصله: بيوع الأعيان.
-
قلنا: يبطل السلم في المعدوم.
-
قالوا: الأجل ليس بشرط، وإنما الشرط وجود المعقود عليه.
-
قلنا: إذا أسلم ببغداد في الرطب وهو موجود بالبصرة، لم يصح إلا بأجل.
-
قالوا: الأجل ليس بشرط، وإنما الشرط إمكان التسليم.
-
قلنا: كذلك نقول في السلم؛ لأن الغالب أن الإنسان لا يعقد السلم في العين الحاصلة عنده، وإنما يستسلف فيما ليس عنده، فيحتاج إلى الأجل ليسهل التسليم.
-
قالوا: السلم في المعدوم ببعض البيوع.
-
قلنا: بل جميعه؛ لأن السلم جنس، والمعدوم نوع منه، والمعنى في بيوع الأعيان: أنها لا تختص بما يقبل التأجيل. ألا ترى: أنها تصح في الأعيان التي لا تقبل التأجيل،
-
فإذا وقعت في الذمة حالة لم يكن ذلك بأكثر من وقوعها على المعين
-
1/26731/2673
الذي يصح تأجيله، والسلم لا يصح في الأعيان، فلابد أن يقع فيما يحتمل التأجيل، فلم يصح غير مؤجل.
-
قالوا: معاوضة ليس من شرطها التنجيم،
-
فلا يكون من شرطه التأجيل، كالنكاح.
-
قلنا: التنجيم هو تأجيل بصفة ما لم يكن من شرطه التأجيل أصلًا، وقد يشترط في العقد الأجل المطلق وإن لم يشترط الموصوف على ما قررنا في السلم في المعدوم.
-
والمعنى في بدل النكاح ما بينا: أنه يصح في الأعيان التي لا تقبل الأجل،
-
فإذا وقع على ما في الذمة، لم يكن من شرطه الأجل.
-
قالوا: مدة ملحقة بمعاوضة محضة، فلم تكن شرطًا فيه، كخيار الثلاث.
-
قلنا: لا نسلم أن الأجل مدة ملحقة بالسلم؛ لأن الملحق ما استقل العقد دونه، ولهذا لا يقال: بأن الأجل في السلم مدة ملحقة؛ لأن العقد لا يستقل دونها.
-
ولأن الخيار يخالف مقتضى العقد؛ لأن الإيجاب والقبول يوجبان نفاذ العقد، والخيار يمنع ذلك، فلم يجز أن يكون من شرط العقد ما يخالف مقتضاه، ويكون شرط العقد ما يقتضيه لفظه، ولهذا شرط في الصرف التقابض؛ لأن نفس العقد مأخوذ من صرف كل واحد منهما البدل الآخر.
-
قالوا: ما حل بموت من وجد عليه عقيب العقد وتثبت المطالبة به،
-
1/26741/2674
جاز أن يثبت حالًا، كالثمن في بيع العين.
-
قلنا: الأثمان لا تختص بما يحتمل التأجيل؛ لأنه لا يصلح إلا في الديون، فدل على أن الأجل من شرطه.
-
قالوا: الأجل في العقود غرر،
-
فإذا كان مع الغرر كان مع عدم الغرر أجوز.
-
قلنا: يبطل/ بالسلم في الأعيان، فإنه أبعد من الغرر، ومع هذا لا يجوز.
-
ولأنا لا نسلم أن الحال أبعد من الغرر؛ لأن العادة: أن الإنسان يقبل السلم فيما ليس عنده،
-
فإذا كان حالًا تعذر إحضاره عقيب العقد،
-
وإذا كان مؤجلًا بمحله أحضره، فصار المؤجل أبعد من الغرر.