مسألة ٩٢٦
التجريدHanafimasa’il 30666 to 30733
-
1/38531/3853
الانتفاع باللقطة بعد التعريف
-
قال أصحابنا: : إذا عرف اللقطة حولاً جاز له أن ينتفع بها إن كان فقيراً،
-
وإن كان غنياً فله أن يتصدق بها، وله أن يمسكها، وليس له أن ينتفع بها.
-
وقال الشافعي: يجوز للفقير أن ينتفع بها بعد الحول، ويكون فرضاً عليه.
-
لنا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه)
-
وقال) ضالة المؤمن حرق النار)، وقال: (لا يأوي الضالة إلا ضال) ، وهو عام إلا ما منع منه دليل.
-
وروى عياض بن حماد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من التقط لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل،
-
ولا يكتم [ولا يغيب] فان جاء صاحبها فهو أحق بها، وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء) ، والمنع من كتمانها يدل على المنع من استهلاكها؛ لأن الاستهلاك أكثر من الكتمان، وقوله: فإنه مال الله يدل على أنه قصد
-
1/38541/3854
القرابة.
-
وروى أبو إسحاق أن رجلاً التقط لقطة فأتى علياً فذكر ذلك له فقال: عرفها فان جاء صاحبها فادفعها إليه وإلا فتصدق بها،
-
فان جاء طالب فخيره فان أحب أن يكون أجرها له، وإلا فادفعها إليه [ويكون أجرها لك] .
-
وروى ابن المبارك، عن الثوري، عن إبراهيم عن سويد عن عثمان قال في اللقطة: تعرفها سنة فان جاء صاحبها وإلا تصدق بها،
-
فأن جاء صاحبها بعد أن تصدق بها خيرة بين الأجر والغرم وروي أبو وائل عن عبد
-
1/38551/3855
الله أنه اشترى جارية بسبعمائة درهم فطلب صاحبها، فلم يجده فعرفها حولاً وخرج إلى [المساكين] وجعل يعطيهم ويقول: عن صاحبها فإن أبي فلي وعلي [أيضًا له ثم قال: هكذا نفعل بالضالة وروى باللقطة] .
-
وروى ابن أبي ذئب عن المنذر بن المنذر قال: جاء رجل إلى ابن عباس بصرة مسك وقال: إني وجدت هذه فقال: عرفها فإن وجدت صاحبها وإلا فتصدق بها.
-
وروى نافع عن ابن عمر أنه قال للذي عرفها:
-
فإن وجدت لقطة تعرفها فإن لم تجد صاحبها لاا آمرك أن تأكل، أو شئت لم يأخذها.
-
وعن أبي هريرة في اللقطة قال: يعرفها حولاً فإن لم يجد صاحبها باعها وتصدق بثمنها،
-
فإن جاء صاحبها خير،
-
فإن شاء كان الأجر له،
-
وإن شاء أعطى الثمن وهذا اتفاق منهم على أن جهتها صدقة،
-
وإن تصدق بها صدقة
-
1/38561/3856
موقوفة على مال صاحبها، وعند مخالفنا إن تصدق بها فهي صدقة عنه غير موقوفة، ولم يقل أحد منهم أنه يمتلكها ولا ينفقها.
-
ولأنه مال أمر بإمساكه لطالب مستحقه،
-
فلا يجوز له الأكل منه من غير حاجة كمال بيت المال [ولأنه لا يجوز له أكل ضالة الإبل فلا يجوز له أكل اللقطة كما قبل الحول ولأنه مال لا يحل للغير أكله قبل الحول فلم يجز بعده فاستحق الزكاة.
-
ولأنه غنى فلا يجوز له الانتفاع باللقطة كما لو تصدق بها الملتقط على غنى]
-
احتجوا: بما روى زيد بن خالد الجهني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
-
(أعرف عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها)
-
والجواب: أي شأنك حفظها والعمل فيها كما كنت تعمل قبل الحول، لأنه شأن معروف وهذا هو الشأن المعروف الذي كان ثابتًا، وقوله اصنع بها ما تصنع بمالك معناه من الحفظ والاجتهاد ألا ترى أن الانتفاع والإنفاق لا يصفه الملتقط عندهم، وإنما يمتلكها ثم يصنع الانتفاع بمال نفسه والذي يصنع عندهم باللقطة استقراضها وتملكها، وذلك لا يتصور أن يفعل في مال نفسه.
-
يبين هذا ما روي في خبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (عرفها حولا فإن لم تعرف فاستنفع بها ولتكن وديعة عندك،
-
فإن جاء لها طالب يوما من الدهر فأدها إليه) .
-
وهذا يدل على أنه يحفظ العين ولا يتلفها حتى يؤديها إلى صاحبها.
-
قالوا: روى عن أبي بن كعب أنه قال: وجدت صرة على عهد رسول
-
1/38571/3857
الله - صلى الله عليه وسلم - فيها مائة درهم فأتيت بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فحدثته فقال: (عرفها حولاً) فقلت: أرأيت إن لم أجد صاحبها، قال: (استنفقها) .
-
قالوا: وروي أنه قال: (فأخلطها بمالك) وروي أنه قال: (فاحفظها بملكك) .
-
وروي أنه قال: (فاستمتع) .
-
قال الشافعي: كان أبي بن كعب من أغنياء الصحابة وأيسرهم.
-
قلنا: الاستمتاع باللقطة والاستنفاق إنما يكون إذا تصدق بها فأما عندهم يستمتع بمال نفسه لا باللقطة فصار الخبر من هذا الوجه دليلنا.
-
ولأن أخذها بعوض يلزمه الاستمتاع والصدقة يتعجل بها الثواب ولا يلزم في ذمته شيئًا إلا أن يحضر مالكها فطالب بالضمان والاستمتاع [أخص] بالصدقة.
-
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر بالانتفاع بها فقد أقرضه إياها، وللنبي - صلى الله عليه وسلم - ولاية على اللقطة.
-
ويجوز أن يقرضها عندنا كما يقرض مال اليتيم احتياطًا، والخلاف إذا أقرضها نفسه، وليس في الخير دلالة على هذا، ولأن أبيًا كان فقيرًا فأباح عليه السلام، إنفاقها،
-
وكذلك نقول [والدليل على أن الأصل فقره: ما روى أبو يوسف عن عمير عن سلمة بن كهيل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبيًا أن يعرفها ثلاثة أحوال ثم قال له: (كلها فإنك ذو حاجة إليها) وهذا يدل على قصده وعلى أن إباحة الإنفاق متعلق به سقط العلة.
-
1/38581/3858
فإن قيل: هذا مرسل لأن سلمة بن كهيل لم يلق أبيًا]
-
قلنا: سلمة بن كهيل روى خبرهم عن سويد بن غفلة،
-
وإذا علم أنه عنده عن سويد فإذا علقة لم يكن مرسلاً، وقد روى ثمامة عن أنس قال كان لأبي طلحة أرضًا فجعلها لله فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (اجعلها في فقراء قرابتك) ، فجعلها في حسان بن ثابت، وأبي بن كعب.
-
وقولهم: إن أبا داود ذكر هذا الخبر وقال فيه: (اجعلها في قرابتك) لا حجة فيه لأن الزائد أولى
-
1/38591/3859
وقول الشافعي: إنه كان أغنياء المدينة أخبار عن حاله بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والغنى لا يستصحب إلى الزمان الماضي، وإنما يستصحب إلى المستقبل.
-
وقولهم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: (اخبطها بمالك) لا يدل على الغنى؛ لأن المال القليل إذا يخلط به الكثير، وبالقليل لا يكون غنيًا.
-
فإن قيل: عندكم أن الفقير يأخذها صدقة،
-
ويكره أن يتصدق علي فقير بعشرين دينارًا، فكيف يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ مائة دينار؟.
-
قلنا: أمره بإنفاقها صدقة، وهو ينفقها النفقة المعتادة، وروي فخذوا على ملك صاحبها، فكل أجر أنفقه فقد حصل له صدقة فلا يكون صدقة، وبصفات في حالة واحدة، والذي روي عن عطاء أن عليًا: وجد دينارًا فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (فعرفه فعرفته إلى أن قاال: فشأنك به) لا دلالة فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرضه إياه؛
-
لأن إذنه في إنفاقه قرض/ ويجوز ذلك للإمام على ما قدمناه.
-
لأن عليًا تصرف فيه لحاجته بدلالة ما روي في الخبر أنه دخل على فاطمة والحسن والحسين يبكيان من الجوع فأخرجه ليبتاع به خيزًا والتصرف للحاجة يجوز في مال الغير، فجاز في اللقطة بشرط الضمان كما يجوز في الوديعة.
-
وقول الشافعي: إن عليًا لا يحل له الصدقة صحيح، فلم يأخذه صدقة
-
1/38601/3860
عندنا، وإنما أخذه للحاجة علي وجه الضمان يبين ذلك أنه لا يجوز أن ينتفع بما وجده من غير حاجة، لأنه يجوز أن يكون صدقة ألا ترى أن ما روي عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى ثمرة فقال: (لولا أن تكون من الصدقة لأكلتك) .
-
فدل على أنه لا يجوز أن ينتفع كما لا بأس أن تكون صدقة، وأنه ينتفع بها للضرورة بشرط الضمان كما ينتفع بملك الغير.
-
قالوا: من جاز له أن يتصدق باللقطة، جاز أن يأكلها كالفقير
-
قلنا: الفقير يجوز أن يثبت له حق في مال المسلم بمضي الحلول فجاز أن يثبت له بعد الحول الانتفاع، والغني لا يثبت له حق من مال المسلم بمضي الحول فلا يجوز أن ينتفع بها.
-
قالوا: لقطة عرفها ملتقطها حولاً، ولم يجد صاحبها فجاز له أكلها كالفقير.
-
قلنا: الغني لا يجوز له أكل اللقطة عندكم، وإنما يمتلكها فيأكل ملك نفسه، والفقير عندنا يأكل اللقطة لأنه ينفقها على ملك مالكها، فلم يصح الجميع، والمعنى في الفقير أن الظاهر بعد الحول أنه لا يجد مالكه فحظه من الثواب أوسع من حظه من الضمان، وفي انتفاع الفقير ثواب، وليس في انتفاع الغني ثواب فكان اعتبار أنفع الحظين أولى.
-
قالوا: من جاز له التمليك بالاستقراض، جاز له التمليك باللقطة كالفقير.
-
1/38611/3861
قلنا: لا نسلم الحكم في الأصل، لأن الفقير عندنا لا يملكها.
-
قالوا: التملك حكم من أحكام اللقطة فاستوى فيه الغني والفقير أصله: حفظها والتصدق بها.
-
قلنا: الغني والفقير لا يستويان في حكم التملك، بدلالة تملك الزكاة ولأن الفقير عندنا لا يملك بتملك على ما بينا.
-
قالوا: لا تخلو اللقطة بعد الحول أن تكون في حكم الصدقة، لأن الضمان يثبت لمالكها، لا يجب على الفقير إذا أكلها الضمان، فلم يبق ألا أن يكون بمنزلة القرض، والغني والفقير يستويان في قبض القرض والتمليك به.
-
قلنا: لا يمنع أن تكون صدقة،
-
ويجب على قابضها الضمان كما قال الشافعي في الزكاة المعجلة إذا استغنى الفقير قبل الحول.
-
وعلى قولنا من مات ولا يعرف له وارث فدفع ماله إلى فقير ثم ظهر له وارث.