مسألة ٣٧٨
التجريدHanafimasa’il 11429 to 11482
-
1/15051/1505
إذا أفطرت الحامل والمرضع خوفا على أنفسهما أو
-
على أولادهما فعليهما القضاء ولا فدية عليهما
-
قال أصحابنا: إذا أفطرت الحامل والمرضع خوفا على أنفسهما أو على أولادهما فعليهما القضاء ولا فدية عليهما.
-
وقال الشافعي: المرضع إذا خافت على ولدها فأفطرت فعليها القضاء والفدية قولا واحدا، والحامل إذا أفطرت خوفا على حملها، فعلى قولين: قال في القديم والجديد: عليها القضاء والكفارة. وقال في البويطي: عليها القضاء دون الكفارة.
-
لنا: أنه مفطر يرجى له القضاء فلم يلزمه فدية كالحائض. ولأن كل مفطر لزمه القضاء لم يلزمه فدية، كالمريض والمسافر. ولأنا إما أن يجعل في حكم المفطر بعذر فلا يجتمع القضاء عليه والفدية، كالمريض والمسافر، أو كالمفطر لغير عذر فلا تجب عليه الفدية، كمن أكل متعمدا أو ترك النية.
-
ولأن من أفطر وهو يرى أن
-
1/15061/1506
الشمس قد غابت لو تجب عليه الفدية وقد أفطر بشبهة الإباحة، ولئلا تجتمع الفدية مع القضاء في الحامل، وقد أفطرت بتحقيق الإباحة أولى.
-
قالوا: المريض فصل يقع فطره إلى شخص واحد فلزمه معنى واحد،
-
وفي مسألتنا: فصل يقع فطره إلى شخصين، أحدهما: يطيق القضاء، والآخر: لا يطيقه، فلزمه القضاء عمن يطيق، والفدية عمن لا يطيق.
-
قلنا: مخالفة الحامل والمرضع في صفة العذر ليس بأكثر من فقد العذر [فإذا كان العذر] لو فقد لم يجب الفدية فإذا وجد بصفة دون صفة أولى. ولأنه لا فرق بين الفطر لعذر في نفسه أو غيره، بدلالة: من أكره بقتل نفسه على الفطر فأكل بنفسه، أو أكره يقتل ولده، لم تجب على كل واحد منهما فدية؛
-
ولأن الفدية لا يجوز أن تجب لأجل الصبي، والصوم لا يصح منه،
-
ولو وجبت لأجله وجبت في ماله، أو في مال من يلزمه نفقته.
-
قالوا: حكم ما فعله الإنسان بعذر منه، مخالف لما فعله لغير عذر في غيره بدلالة: من قتل غيره دفعا عن نفسه أو ماله لم يضمن،
-
ولو قتله دفعا عن مال غيره ضمن.
-
لنا: لا فرق فيهما عندنا.
-
قالوا: وهذا القياس يخالف قول الصحابي،
-
ومن أصلكم: تقديم قول الصحابي على القياس كما قلتم فيمن نذر نحر ولده.
-
قلنا: من قال من الصحابة: بالفدية لم يجمع بينهما وبين القضاء، والذي يمتنع عندنا أن يجمع بين بدلين عن عبادة واحدة.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية} .
-
قالوا: فأوجب الله تعالى على من أفطر وهو يطيق الصوم، فدية.
-
1/15071/1507
الجواب: أنه روي عن سلمة بن الأكوع، (أنه قال: لما نزلت هذه الآية كان منا من أراد أن يفطر أفطر وافتدى، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها) .
-
فإن قيل: كانت الآية عامة في الحامل والمرضع وغيرهما، والنسخ فيمن لا يستضر بالصوم، فبقى حكم الحامل والمرضع على الأصل.
-
قلنا: الحامل والمرضع لم يدخلا في الآية؛ لأنه قال:
-
{وأن تصوموا خيرا لكم} والحامل إذا خافت أثمت بالصوم، والفطر خير لها. ولأن الحامل إذا خافت لا تخير بين الصوم والفطر، وإنما يتحتم الفطر، والآية تناولت من يخير بين الأمرين.
-
فإن قيل: الآية عام، وآخر هذه خاص.
-
قلنا: الظاهر أن الخطاب انصرف إلى جميع من تناوله الخطاب الأول ورجوعه إلى بعضه غير الظاهر. ولأن الله تعالى أوجب الفدية، وهي في الظاهر بدل الشيء. قال الله تعالى: {وفديته بذبح عظيم} ، وحمل الآية على الحامل ترك لظاهر الفدية إذ البدل الذي هو القضاء واجب.
-
قالوا: إنما كان في أول الإسلام لهم أن يفطروا ويفتدوا ويقضوا، بدليل: أن القضاء أغلظ من الفدية، ولهذا القادر على الصوم والكفارة لا يطعم، فكيف يوجب على المريض والمسافر مع العذر، والقضاء وهو أغلظ، ويوجب على الصحيح الفدية وهي أخف، فدل على أنه أوجب الفدية والقضاء.
-
قلنا: هذا إثبات صفة واجبة كان القياس، والقياس ينصب الأحكام
-
1/15081/1508
الحادثة، فأما أن تقيس لتعلم الأحكام التي كانت ويستحب فلا يصح.
-
ثم قد روى هذه القصة: سلمة بن الأكوع، وابن مسعود، ومعاذ، وابن عباس، وأبو هريرة - رضي الله عنهم -، كلهم [ذكروا التخيير بين الصوم والفطر والفدية، ولم يذكر أحد منهم القضاء] فكيف تثبته بقياس،
-
ثم هو قياس فاسد؛ لأن الصحيح المقيم كان الصوم واجبا عليه، فقامت الفدية مقامه لأنها لا تقوم إلا مقام واجب، وإنما كان بعد الصحة، والإقامة يجب عليهما الصوم [فتقوم الفدية مقامه.
-
ولأن المريض والمسافر يشق عليهما الصوم] فرخص لهما في تأخيره إلى حالة لا يشق فيها؛ لأن حاله عند القضاء في ارتفاع المشقة، كحاله عند الأداء.
-
وجواب آخر عن الآية: وهو ما روي أن الآية نزلت في الشيخ الكبير، قرأ ابن عامر، وعائشة رضي الله عنهما {وعلى الذين يطيقونه} يعني: من طوقه بالمال وهو غير مطيق بدنه، ويكون معنى القراءة الظاهرة: أن فيها إضمارا، كأنه قال: وعلى الذين يطيقونه فدية فأضمر إحدى الفديتين، وهذا التأويل يبني حكم الآية من غير نسخ.
-
فإن قيل: ذكر أبو داود عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنها في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، أن يفطرا ويطعما، والحامل والمرضع إذا خافتا.
-
قلنا: وذكر أبو داود عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنها في الشيخ الكبير والحامل والمرضع أنهما إذا أفطرتا فعليهما الفدية،
-
ولا صيام عليهما، دل أن الآية عندنا لم
-
1/15091/1509
تتناول من يلزمه القضاء، وعلى هذا التأويل قوله تعالى:
-
{وأن تصوموا خير لكم} يرجع إلى أول الآية،
-
فمن يطيق الصوم بنفسه.
-
قالوا: روي عن ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهما أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا أطعمتا.
-
قلنا: روي عنهما الفدية دون القضاء، والخلاف في اجتماع القضاء والفدية.
-
فإن قيل: الفدية ثابتة بقولهما، والقضاء بالإجماع.
-
قلنا: القضاء والفدية يتنافيان،
-
فإذا اجتمعا على القضاء المنافي سقطت الفدية.
-
وإذا قال الصحابي بوجوب الفدية مع إسقاط القضاء لم يكن في قوله دليل لمخالفنا، وكان دلالة لنا من حيث منع الجمع بينهما.
-
قالوا: مقيمة صحيحة باشرت الفطر بعذر معتاد، فكان عليها الكفارة؛ كالشيخ الهرم والهرمة. ومقيمة صحيحة: احتراز من المريضة، والمسافرة أفطرت بعذر: احتراز ممن أفطر بغير عذر، معتاد احتراز ممن أجهده العطش.
-
قلنا: وقوع الفطر بعذر، مخفف حكمه.
-
فإذا كان الفطر بغير عذر لا كفارة فيه فالمعذور أولى، وكون العذر معتادا عندهم سبب للتخفيف، بدلالة: أن من صلى مع النجاسة، عليه الإعادة.
-
قالوا: لأن العذر غير معتاد ويبطل هذا إذا أفطرت خوفا على نفسها، فالمعنى في الأصل: أن القضاء سقطن فلما وجبت القضاء في مسألتنا سقطت الفدية.
-
قالوا: أحد نوعي الفطر فجاز أن يجب فيه القضاء والكفارة، أصله: الفطر بغير عذر.
-
قلنا: لأنا لا نسلم أن الفدية كفارة؛ ولأن الفطر بعذر أخف، فلم يجز أن يستوي الفطر لعذر ولغير عذر في الواجب ونقلب هذه العلة فنقول: فلا
-
1/15101/1510
يجتمع فيه الفدية مع القضاء.
-
قالوا: عبادة يجتمع فيها القضاء مع الكفارة الكبرى فاجتمع مع الصوم، كالحج.
-
قلنا: القضاء في الحج عندنا لا يجتمع مع الفدية؛ ولأن الحج يجوز أن تجب الفدية فيه وإن فعل النسك في وقته؛ فجاز أن تجب بتأخيره عن وقته، والفدية لا تجتمع مع الصوم في وقته فلم يجز أن تجتمع مع القضاء بعد الوقت.