مسألة ١٣٣٢
التجريدHanafimasa’il 43934 to 44021
-
1/56761/5676
حكم ما إذا وجب على إنسان قتل
-
بقصاص أو غيره فالتجأ إلى الحرم
-
قال أصحابنا رحمهم الله: إذا وجب على إنسان قتل بقصاص أو ردة أو زنًا، فالتجأ إلى الحرم لم يقتل حتى يخرج منه.
-
فإن قَتَل فيه قُتِل.
-
وقال الشافعي رحمه الله: دخول الحرم لا يمنع القتل بحق.
-
1/56771/5677
لنا: قوله تعالى: {ومن دخله كان ءامنا} وهذا يقتضي أمنًا مستفادا بالدخول، وذلك لا يكون إلا فيمن يجوز قتله قبل دخوله،
-
فأما من لا يجوز قتله فلم يستفد الأمن بالدخول.
-
فإن قيل: المراد به الكعبة بدلالة قوله (تعالى) : {إن أول بيت
-
1/56781/5678
وضع للناس للذي ببكة مباركا}.
-
قلنا: عند مخالفنا من دخل الكعبة لم يستفد الأمن، وإنما لا يقتل حتى لا يلوثها بالدم. والآية تقتضي أمنًا مستفادًا بالدخول. ولأنه قال: {فيه ءايت بينت مقام إبراهيم} والمقام خارج الكعبة يدل على أن المراد بالآية جميع البقعة.
-
ويدل عليه قوله تعالى: { (أولم) يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف الناس من حولهم} فوصف الحرم بالأمن، وهذا يمنع من قتل الملتجئ إليه.
-
ولا يقال إن هذا يفيد الصيد، لأن الآية خرجت مخرج (الامتنان) ،
-
ولا يصح أن (يمتن) علينا (بتحريم) الصيد، لأنه قال: {ويتخطف الناس من حولهم} فدل أن الأمن للآدمي.
-
ويدل عليه قوله تعالى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} .
-
ويد عليه قوله تعالى:
-
{ولا تقاتلوهم عند المسجد (الحرام) حتى يقاتلوكم فيه} والمنع من المقاتلة منع من القتل،
-
فإذا مُنع من قتل الكفار في الحرم فقتل المسلم أولى.
-
فإن قيل: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر
-
1/56791/5679
الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}.
-
قلنا: هذا يفيد زوال التحريم المتعلق بالأشهر، والقتل في الحرم لا تأثير له في الأشهر على المنع من قتل المسلمين،
-
فلو أفادت هذه الآية الأخرى جواز قتل المشركين في الحرم لم يوجد نسخ ما فهم بالآية الأولى من تحريم قتل المسلمين، (لأن تحريم قتل الكافر) يدل على تحريم قتل المسلم، (وإباحة) قتل الكافر لا يدل على إباحة قتل المسلم. ويدل عليه قوله (- صلى الله عليه وسلم -) في مكة: (لا يُختلى [خَلاها] ولا يُعضَد شجرها ولا يُنَفَّر صيدها ولا يُسفك فيها دم) .
-
قالوا: سفك الدماء يتناول القتل المحرم بدلالة قوله تعالى: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} .
-
1/56801/5680
قلنا: سفك الدماء يتناول القتل على العموم بحق وبغير حق.
-
ويدل عليه قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : إن [أعتى] الناس على الله (ثلاثة) : رجل قتل غير قاتله، (ورجل قتل في الحرم) ، ورجل قتل بذَخل الجاهلية) ولا يجوز أن يكون غير قاتله.
-
ولا يقال إطلاق يتناول القتل بغير القصاص، لأن القصاص سمي قتلا، بدلالة قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين، إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا (أخذوا الدية) ).
-
ويدل عليه قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (إن مكة حرام حرمها الله (تعالى)
-
1/56811/5681
لا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي. وإنما أحلت لي ساعة من نهار).
-
فإن قيل: المراد بهذا دخوله بغير إحرام؟
-
قلنا: وقتاله أيضًا بدلالة قوله:
-
[فمن] (ترخص) بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها، (وإنما) أحلت لي ساعة من نهار).
-
ولأنه قتل مباح، فجاز أن يكون للحرم تأثير في (حظره) أصله قتل الصيد.
-
ولا يلزم قتل الحشرات لأنا قلنا: [قتل] مباح، وذلك القتل قد يكون واجبا إذا خاف الضرر منها.
-
ولا يلزم الذبح، لأن ذلك لا يسمى قتلا وإنما سمي ذكاة وذبحا.
-
ولأنه قتل أبيح لغير دفع الضرر فأشبه قتل الصيد.
-
ولا يلزم الحشرات. لأن قتلها أبيح لدفع ضررها.
-
فإن قيل: المعنى في الصيد أنه لما أثر الحرم فيه استوى (الملتجئ والقاتل) في الحرم.
-
1/56821/5682
(قلنا) : كذلك نقول في الآدمي، لأن أهل الحرم آمنون، [والملتجئ] إليهم في (حكمهم) .
-
وإنما القاتل في الحرم يجوز قتله، كما أن الصيد إذا ابتدأ الآدمي في الحرم جاز له قتله.
-
فإن قيل: الصيد لما منع الحرم من قتله وجب بقتله الكفارة. ولما لم يجب بقتل الآدمي الملتجئ الكفارة دل على أن الحرم لم يؤثر في المنع من قتله.
-
قلنا: إذا (قتله) (قصاصا) فهو قتل عمد. وذلك لا يتعلق به الكفارة عندنا.
-
قالوا: الصيد لما حرم قتله استوى فيه النفس وما دونها،
-
فلو كان كذلك في الآدمي استوى النفس وما دونها.
-
قلنا: دخول الحرم أمان، (والأمان يقتضي حظر القتل، [والحظر] يتناول ما يقصد به القتل،
-
ولا يتناول الأطراف بانفرادها بدلالة أمان) الحربي، وما دون النفس من (الصيد) إنما يتناول ليتمكن [به] من قتله [وحده] فكان محظورا بالأمان كحظر النفس، والقصاص فيما دون النفس من الآدمي لا يستوفي طلبا للنفس، بدلالة أنه لا يقطع في الحر الشديد ولا البرد الشديد.
-
1/56831/5683
فإن قيل: الصيد إذا التجأ لا يجوز جز شعره ولا حلب لبنه وإن كان ذلك لا يفعل لإتلاف نفسه.
-
قلنا: ولكنه لا يتمكن من تناوله إلا بثبوت اليد عليه. وأمر (الصيد) يمنع من اصطياده وإمساكه، وأمر الآدمي لا يمنع من إمساكه وثبوت اليد عليه.
-
ولأنها بقعة من بقع الحرم فلا يقتل الملتجئ إليها أصله البيت.
-
(قال) مخالفونا: إنما لا يجوز القتل في الكعبة حتى لا يلوثها بالدم،
-
فإن (بسط) فيها (أنطاعا) وقتل فيها جاز. وهذا قول يرده النص. قال الله تعالى:
-
{ومن دخله كان ءامنا} .
-
ولأن هذا المعنى الذي ذكروه موجود في جميع المساجد، وقد علمنا قطعا أن الكعبة حرمتها ليست كسائر المساجد.
-
ولأن الله تعالى خص هذه البقعة (بالفضل) كما (خص) (- صلى الله عليه وسلم -) على سائر الناس،
-
فمن قال إن المنع في الكعبة كالمنع في غيرها فهو كمن قال إن تحريم (- صلى الله عليه وسلم -) (كتحريم) قتل غيره.
-
1/56841/5684
ولأنها بقعة لا يجوز دخولها بغير إحرام كالبيت.
-
ولأن كل بقعة التجأ إليها الصيد منع من قتله، إذا التجأ إليها من وجب عليه القصاص منع من قتله كملك الغير.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} وقال: {يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} وقوله:
-
{ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} وقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (العمد قود) وقال: (أهله بين خيرتين) .
-
قلنا: هذه الظواهر تدل على وجوب القصاص، وما ذكرنا يفيد تفصيل أحوال الإنسان فوجب أن يستعمل بينهما (ويستعمل) فيما ورد فيه لا (يُعترض) (ببعضها) على بعض.
-
قالوا: قتل واجب فلا يمنع الحرم منه كمن وجد منه سبب القتل في
-
1/56851/5685
قلنا: إذا وجد منه سبب القتل في الحرم هتك حرمته وترك التزام (تعظيمه) .
-
وإذا وجد سبب القتل في غيره ثم التجأ إليه فقد التزم حرمته وتمسك بها. وفرق في الأصول بين من وجد سبب الأمان فرده ولم يلتزمه وبين من (قبله) والتزمه أصله الحربي إذا أمناه.
-
فإن قيل: يبطل بالكعبة فإن المبتدئ بالقتل فيها لا يقتل فيها كالملتجئ إليها.
-
قلنا: بل المبتدئ بالقتل فيها يخالف، الملتجئ إليها لم يقتل،
-
ولو (قصد) غيره فيها ليقتله جاز أن يقتله دفعا عن نفسه،
-
فأما إذا قتل فيها فلا ضرورة بنا إلى القصاص، بل نخرجه منها ثم نقتله بعد إخراجه منها.
-
قالوا: موضع لو حصل سبب الإباحة فيه جاز قتله،
-
فإذا وجد في غيره ثم التجأ إليه جاز قتله أصله الحل.
-
قلنا: الحل لو التجأ إليه الصيد لم يمنع من قتله،
-
فإذا التجأ الآدمي إليه لم يمنع من قتله، والحرم بقعة لو التجأ إليها الصيد لم يجز قتله، كذلك إذا التجأ إليه القاتل لم يجز قتله.
-
قالوا: أحد نوعي القصاص فجاز أن يستوفى في الحرم أصله الأطراف.
-
قلنا: إن عللتم للجواز قلنا بموجبه إذا ابتدأ القتل فيه، ولأن ما دون النفس أجري ضمانه مجرى ضمان الأموال، بدلالة (أنه) يكون عمدا محضا فلا يجب فيه (القصاص) ، وتعتبر فيه المماثلة ولا تجب فيه الكفارة، (فلذلك) استوى فيه الحرم والحل، والقصاص في النفس بخلافه.
-
ولأن دخول الحرم أمان والأمان يتعلق بالنفس وتدخل الأطراف على طريق (التبع) للنفس،
-
فلا يتعلق الأمان بالطرف منفردا عن النفس كأمان الحربي.
-
1/56861/5686
فعلى هذا من وجب عليه القصاص في النفس والمرتد والزاني المحصن [فخاف] على نفسه فأفاده الحرم [أمانا] في نفسه، فدخلت أطرافه على وجه التبع.
-
وكذلك الصيد لم تكن نفسه آمنة في الحل فاستفاد بالحرم أمانا في نفسه.
-
فلو قلنا: إنا لا نقطع طرفه أثبتنا الأمان في الطرف ابتداء. والأمان لا (يجوز) أن يتناول ذلك.
-
قالوا: عقوبة فلا يمنع دخول الحرم من استيفائها كالحد.
-
قلنا: لا فرق بين (القصاص والحد) . ولأن الحدود التي لا تأتي على النفس تستوفى كالقصاص فيما دون النفس،
-
وأما الحدود التي تأتى على النفس فلا تستوفى إذا وجد سببها في الحل كالقصاص في النفس،
-
ومتى وجد سببها في الحرم استوفيت كالقصاص.
-
قالوا: حق فلا يمنع دخول الحرم (من) استيفائه كسائر الحقوق.
-
قلنا: سائر الحقوق لا يمنع منها، ألا ترى أن أمان الحربي لا يسقط عنه الديون ويمنع قتله.
-
قالوا: إذا منعتموه من الأكل والشرب قتلتموه بذلك فهو أعظم من القصاص.
-
1/56871/5687
قلنا: نحن نمنع مبايعته ومخالطته،
-
ولا نمنع أن يأكل ماله ويأمل المباحات ويشرب الماء المباح فنضيق عليه ليخرج،
-
ولا نقتله بالجوع والعطش.
-
قالوا: حرمتم ما أحله الله تعالى وهو البيع وأحللتم ما حرم الله وهو هجرته وترك مخالطته.
-
قلنا: حرمنا مبايعته وقد أباح الله البيع في الجملة وحرمه في بعض الأحوال، كبيع السلاح أيام الغزو، ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هجرة المؤمنين وأمر (بهجران) الفاسق، وإنما وجب (الحبس) على الممتنع من قضاء دينه.