مسألة ٢٨٠
التجريدHanafimasa’il 7823 to 7867
-
1/10751/1075
حكم صلاة الجنازة على الشهيد
-
قال أصحابنا: يصلى على الشهيد.
-
وقال الشافعي: لا يصلى عليه.
-
لنا: ما روى القاسم عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد بالقتلى فجعل يصلى عليهم، فيوضع تسعة وحمزة، فيكبر عليهم [سبع تكبيرات] ،
-
ثم يرفعون ويترك حمزة،
-
ثم يجاء بتسعة، فيكبر عليهم سبعا حتى فرغ منهم) .
-
روى الزبير - رضي الله عنه -: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر يوم أحد بحمزة سجي ببرد ثم صلي عليه، فكبر عليه سبع تكبيرات،
-
ثم أتى بالقتلى يصفون ويصلى عليه وعليهم معه، فصلى عليهم سبعون صلاة) .
-
1/10761/1076
ولا يجوز أن يقال: [إن] هذا الخبر رواه حجاج بن أرطاة، قال شعبة: (أو ما ترى إلى هذا المجنون؟) يعني حسن بن أبي حازم يكلمني في الحسن بن عمارة، وهو يروي عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[صلى على أحد قتلى أحد) .
-
وهذا حماد بن أبي سليمان روى عن إبراهيم، عن علقمة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - (أن النبي - صلى الله عليه وسلم -] لم يصل عليهم) . وذلك لأن هذا ليس بطعن صحيح؛ لأن حمادا وإن كان أثبت في الرواية لم تكن روايته للنفي طعنا على من نقل الإثبات.
-
وقد روى هذا الخبر أبو بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم من غير طريق الحجاج. وروى عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قتلى أحد وبدر)،
-
ولا يعارض ذلك ما روى جابر - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل عليهم؛ لأن المثبت أولى من النافي، ولأن جابرا اشتغل بقتل أبيه؛ فيجوز أن يكون خفي عليه ما جرى.
-
1/10771/1077
ولا يقال: إن النافي في مسألتنا أولى من المثبت؛ لأنه ينقل أمرا حادثا؛ وذلك أن المثبت إنما كان أولى ليس لأنه ينقل معنى حادثا، لكن لأنه شاهد ما لم يشاهده غيره كشهادة المثبت، وشهادة النافي.
-
ولا يقال: صلى عليهم بمعنى دعا؛ لأن الصلاة في الحقيقة يفهم منها غير الدعاء.
-
ولأنه روي في خبر ثعلبة بن صعير (أنا النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قتلى أحد صلاته على الجنازة) . ولأنه نقل عدد التكبير، وهذا لا يكون إلا في الصلاة.
-
ولا يقال: روى عقبة بن عامر - رضي الله عنه -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين) ؛ لأن هذا محمول على الدعاء،
-
ولو حمل على الصلاة كان دلالة على مخالفنا، ويكون تكرار الصلاة لفضيلتهم، وجوازها بعد مضي المدة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر (أنهم باقون ولم يتغيروا) .
-
ولا يقال: [إنه روى] (أنه كبر على كل فريق سبعا) ، وذلك لا يبلغ سبعين؛ لأن الغلط في عدد التكبيرات، لا يمنع ثبوت أصل الخبر. ولأن القتلى كانوا ثلاثة وسبعين، فكبر النبي - صلى الله عليه وسلم - على حمزة وحده سبعة،
-
ثم كبر على تسعة سبعة، فيكون جملة ذلك ثلاثة وستين تكبيرة، وصلى عليهم بعد ثمان سنين، فيجوز أن يكون كبر سبعا، فكمل جميع التكبيرات سبعين.
-
ولا يقال: يجوز أنه صلى على من ارتث؛ لأن حمزة لم
-
1/10781/1078
يرتث وقد صلي عليه.
-
ويدل عليه: ما روى شداد بن الهاد: أن أعرابيا آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - واتبعه ثم نهضوا به إلى قتال؛ فأصابه سهم فقتل وكفن في جبة له ثم قدمه النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى عليه، وقال: (اللهم هذا عبدك خرج مجاهدا في سبيلك قتل شهيدا وأنا عليه شهيد) .
-
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلوا على من قال: لا إله إلا الله) . ولأنه مسلم تجب موالاته، فتجب الصلاة عليه، كسائر المسلمين.
-
ولا يلزم المحترق؛ لأنه يستوي فيه الأصل والفرع.
-
ولأن الصلاة عليه واجبة وإنما يتعذر إذا صار رمادا. ولأنه قتل في طاعة، كمن قتل في الأمر بالمعروف. ولأنه اعتبر بمن عظمت درجته فصلي عليه، كالأنبياء.
-
ولا يجوز أن يقال: إن المعنى في سائر الموتى أنه يجب عليهم؛ لأن غسل الشهيد واجب، وإنما قامت الشهادة مقامه كما يقوم التيمم مقامه عند عدم الماء.
-
ولا يقال: إن سائر الموتى يحتاجون إلى الاستغفار والشهيد قد غفر له؛ لأن الصلاة قد تطلب للاستغفار، وتطلب لثواب المصلي، ولأن ما قالوه يبطل بالصبي والأنبياء عليهم السلام.
-
1/10791/1079
احتجوا: بحديث أنس، وجابر - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل على قتلى أحد. وقد أجبنا عن هذا فيما مضى.
-
ولا يقال: من أصلكم أن الخبر المتفق على بعضه [أولى من المختلف فيه، وخبرنا متفق على بعضه] ؛ لأنه ذكر فيه ترك الغسل؛ لأن هذا قد روي في خبر ابن عباس [أيضا] ، فتساوى الخبران من هذا الوجه.
-
قالوا: كل من لم يجب غسله مع القدرة لم تجب الصلاة عليه، كالسقط والكافر.
-
قلنا: غسل الشهيد واجب وإنما قام غيره مقامه، كما يقوم التيمم مقامه عند عدم الماء. ولأن الغسل فيه متعذر حتى لا يزول الدم عنه، كما يتعذر في المحترق ومن لا يجد الماء. ولأن الغسل إنما سقط فيه على طريق التعظيم حتى صار دمه طاهرا وليس في سقوط الصلاة تعظيم.
-
ولأن الكافر والسقط لا يصلى عليهم؛ لأن الصلاة وضعت للموالاة والدعاء وذلك لا يجوز فيهما، والشهيد ممن يستحق الدعاء والموالاة بيننا وبينه ثابتة، فجاز أن يصلى عليه.
-
ولا يقال: إن الموالاة ثابتة مع البغاة، بدلالة التوارث،
-
وإن كان لا يصلى عليهم عندكم؛ لأنا نعني بالموالاة التعظيم والدعاء والنصرة،
-
ولا نعني بها موالاة الدين.
-
قالوا: صلاة مقرونة بالطهارة،
-
فإذا سقط فرض الطهارة مع القدرة عليها
-
1/10801/1080
سقط فرض الصلاة قياسا على الحائض والمجنون.
-
[قلنا: قد بينا أن الطهارة لم تسقط وإنما قامت الشهادة مقامها، وبينا أيضا أن الطهارة غير مقدور عليها،
-
فأما الحائض والمجنون] : فإنما سقط وجوب الصلاة عليهما فسقطت الطهارة التي تراد للصلاة،
-
فأما أن تكون الصلاة سقطت لسقوط الطهارة فلا. ولأنا لا نقول: إن طهارة الشهيد عدمت وإنما الموت فيه لا ينقض طهارته فبقي على الطهارة المتقدمة، ولهذا لو كان جنبا وجب غسله عندنا.
-
قالوا: فرض كفاية يسقط في حق السقط، فسقط في حق الشهيد كالغسل.
-
قلنا: سقوط الصلاة في السقط لا يستدل بها على سقوطها في حق الشهيد؛ لأن السقط لا تعلم حياته، وهذه الصلاة تجب لأجل الموت، والشهيد قد علمنا حياته، فجاز أن يتعلق بموته الصلاة وإن كان من أهل الموالاة. ولأن الغسل لم يسقط فيه على ما بينا.
-
قالوا: الصلاة إنما سقطت في [حق] الشهداء؛ لأنهم في حكم الأحياء.
-
[قلنا: هم في حكم الأحياء] في باب بقاء ذكرهم واستحقاق الثواب، وليسوا في حكم الأحياء في بقية الأحكام، بدلالة: أنهم يورثون، وتنكح نساؤهم.