مسألة ٣٧٧
التجريدHanafimasa’il 11335 to 11428
-
1/14951/1495
إذا أفطر الصائم بأكل ما يتداوى به،
-
أو يتغذى به أو يشرب كذلك، فعليه الكفارة
-
قال أصحابنا: إذا أفطر الصائم بأكل ما يتداوى به، أو يتغذى به، أو يشرب كذلك، فعليه الكفارة.
-
وقال الشافعي: لا كفارة إلا في الجماع،
-
ومن أصحابه من قال: يجب بالأكل الكفارة الصغرى، وإنما الخلاف في العظمى.
-
1/14961/1496
لنا: ما روى مالك عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - (أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعتق رقبة أو يصوم شهريين متتاليين أو يطعم ستين مسكينا) ، والسبب إذا تعلق الحكم به، فكأنه عليه [الصلاة و] السلام قال: أعتق رقبة؛ لأنك أفطرت.
-
فإن قيل: هذه قصة المجامع، وقد رويت القصة مفسرة أن الرجل قال: (وقعت على أهلي) .
-
قلنا: هذا إسناد في الصحيح، ذكره مالك في الموطأ، وليس في شيء مما ذكروه ما يجري مجراه، فهو أولى.
-
ويجوز أن يكون السؤال وقع عن الفطر، فأجابه،
-
ثم ذكر السائل الجماع. فنقل الراوي هذا مرة وهذا مرة، وإلا فكيف يظن أن السؤال وقع عن أمر خاص قد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - حكمه، فنقل الراوي شيئا أعم وعلق الحكم عليه؟ وقد يجوز أن يقع السؤال عن سبب خاص فينقله الراوي متعلقا ببعض ما يتناوله العموم، وهذا لو تساوى الخبران، كيف وليس في باب الكفارة خبر أصح من هذا؟
-
فروى أبو معشر نجيح عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة
-
1/14971/1497
- رضي الله عنه - (أن رجلا أكل في رمضان فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين أو يطعم ستين مسكينا) .
-
قال الدارقطني: أبو معشر [هو] نجيح، ليس بالقوي، وهذا غلط؛ لأنه صاحب المغازي، وعليه وضع أحمد التاريخ، وهو ثقة.
-
ويدل عليه: ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من أفطر في رمضان فعليه ما على أبو هريرة - رضي الله عنه - (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر) .
-
قالوا: المراد: المأثم؛ لأن الكفارة إنما تجب على العامد.
-
قلنا: المظاهر قد يلزمه المأثم، وقد لا يلزمه، والكفارة هي التي تختص به، ألا ترى: أن من سبق اللسان على لسانه لا مأثم عليه، وإنما يكون فيما يختص به المظاهر دون غيره. وروى حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر (أن رجلا قال: يا رسول الله أفطرت في رمضان، قال: أمن غير عذر،
-
ولا سفر؟ قال: نعم، قال: أعتق رقبة) .
-
والجواب: إذا خرج على سؤال صار السؤال، كالملفوظ به في الجواب والمشروط فيما يتعلق به حكم الجواب، ومعلوم أن الذي يختلف في السفر والحضر هو الأكل،
-
فأما الجماع فلا يختلف.
-
فإن قيل: كيف يقول - صلى الله عليه وسلم - لمن أفطر: (عليك الكفارة) ، وهي لا
-
1/14981/1498
تتعلق إلا بفعل مخصوص، والعموم متى ذكر، والمراد به الخصوص لم يتأخر بيانه عن وقت الحاجة وعند السؤال وقت الحاجة؟
-
قلنا: حمل عليه [الصلاة و] السلام الفطر على المعتاد، وذلك هو الأكل للطعام والشرب للشراب،
-
فإذا حصل من غير عذر ولا سفر أوجب الكفارة على العموم، يبين ذلك: أن إطلاق الفطر يتناول ذلك قولهم: أفطر فلان عند فلان، وفطر فلان الصائمين. وقال عليه [الصلاة و] السلام في دعائه: (أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة) .
-
ولأن الكفارة تجب بمأثم مخصوص، بدلالة: أن كل من أوجبها اعتبر في وجوبها ضربا من المأثم، وأجمعوا أن مأثم الجماع يوجبها، ومأثم الأكل أكثر منه، بدلالة أن النعمة في التمكين من الأكل أعظم والصبر عنه أش، فثواب الإمساك أعظم، وهتك العبادة أبلغ فكان بإيجاب الكفارة أولى، وهذا الاستدلال على موضع، وهو طريق يثبت بها الكفارات على قول من لا يثبتها بالقياس.
-
فإن قيل: إذا كانت الحاجة إلى الأكل أشد، والنفس تدعو إليه أعظم، كان معذورا في فعله، فالمأثم فيه أقل.
-
قلنا: فيجب أن يكون وطء الميتة أعظم مأثما من وطء الحية؛ لأن النفس لا تدعو إليه،
-
وكذلك كان يجب أن يكون سارق المال القليل أقل من مأثم سارق المال الكثير لأن النفس تدعو إلى سرقة الكثير وتعاف القليل، فعلم بذلك فساد تلك
-
1/14991/1499
الطريق؛ ولأن الكفارة إنما وضعت للزجر عن الفعل، فما كانت النفس تدعوا إليه أشد، كانت بالزجر عنه أولى.
-
قالوا: مأثم الجماع إذا وقع في ملك الغير أعظم منه من مأثم الأكل إذا حصل في طعام الغير.
-
قلنا: لأنه يحصل فيه التصرف فيما لا يملك، وإفساد السبب وإلحاق الشين بالمرأة والزوج لا لتأكد الوطء على الأكل.
-
فإن قيل: الردة في الصوم أعظم مأثما من الأكل والجماع.
-
قلنا: تتعلق بهما الكفارة، ويسقط بإسلامه كما يسقط به سائر الواجبات. ولأنه أفطر بمتبوع فوجبت عليه الكفارة العظمى، كالفطر بالجماع.
-
فإن قيل: الأكل ليس فيه متبوع وتابع.
-
قلنا: هذا يعلم بالمشاهدة فإن المقصود من الأكل ما ينتفع به البدن، والمقصود من الجماع ما يكون منه الولد.
-
فإن قيل: أكل الطعام المتغير كأكل الشهد في إيجاب الكفارة، ووطء الشوهاء كوطء الحسناء، وأحدهما متبوع والآخر تبع.
-
قلنا: هذا غلط؛ لأن الأكل المتبوع هو الذي يتناول لتبقية النفس، والتابع ما لا يقصد به لتبقية النفس، كالحصى والحديد فجنس المأكولات متبوعة، وغن كان بعضها آكل من بعض، كما أن جنس الجماع في الفرج هو المتبوع من أنواع الجماع،
-
وإن كان بعضه أشهى من بعض.
-
1/15001/1500
قالوا: يبطل بالردة.
-
قلنا: يتعلق بها الكفارة، ويسقط بالإسلام؛ ولأن قولنا: (أبطل الصوم) نعني به: خصائص الصوم التي أمر بالإمساك عنها،
-
فأما الردة: فإنها تبطل ثواب العمل فيبطل الصوم لهذا المعنى؛ لأن الردة من خصائص الصوم.
-
قالوا: يبطل بما لو استقاء عمدا.
-
قلنا: القيء لا يبطل إلا بما يتراجع من أجزائه إلى جوفه وذاك من جنس الأكل وليس بمتبوعه،
-
وإن احترزت عنه، فقلت أفطر بمتبوع نوعه من غير شبهة، والقيء سقطت الكفارة فيه للشبهة. قال علي، وابن عباس، وابن مسعود رضي الله عنهما: لا يفطر، وحكى عن مالك.
-
ولأنه أفطر بما لا قوام للعاملين إلا به، أو بما يستبقي جنسه، فجاز أن يتعلق به الكفارة العظمى، كالجماع. ولأنه أحد الإمساكين فجاز أن تتعلق بتركه الكفارة العظمى.
-
ولأن ما نص على إباحته في أحد الزمانين اعتبر الليل والنهار، وحصل في الإحرام جنسه من وجوب الكفارة، كالجماع.
-
ولا يلزم الحصى، [لأن النص لم يتناوله بالإباحة،
-
ولا الوطء فيما دون الفرج] ؛ لأن النص يتناول وطءا في الفرج. قال الله تعالى: {وابتغوا ما كتب الله لكم} ، يعني الولد؛ ولأن الشرب معنى يتعلق بجنسه الحد،
-
فإذا أفطر به جاز أن يلزمه كفارة العتق، كالوطء.
-
فإن قيل: المعنى في الوطء أنه يستحق رقبته بجنسه، فجاز أن يستحق رقبته والأكل بخلافه.
-
قلنا: علة الأصل تبطل بالردة، وعلة الفرع تبطل بالظهار والحنث
-
1/15011/1501
وقتل الخطأ؛ ولأنه ملك معتاد، فجاز أن تجب الكفارة بترك الإمساك فيه، كالفرج.
-
ولا يلزم الدبر؛ لأن الكفارة تجب بترك الإمساك فيه على إحدى الروايتين.
-
فإن قيل: من مذهبكم أن الكفارات لا تثبت قياسا.
-
قلنا: هذا مذهب بعض أصحابنا، ومنهم من قال: إذا ورد النص في كفارة قسنا عليها بوجود المعنى، كما قسنا الوطء بالزنا على وطء الأهل في إيجاب الكفارة، وقاس مخالفنا على وطء البهيمة.
-
احتجوا: بأن الأصل براءة الذمة وإثبات الكفارة طريقة الشرع ولم يرد إلا في المجامع.
-
قلنا: قد بينا وروده في المجامع وغيره ثم لم يرد به الشرع نصا، فقد ورد به تنبيها،
-
ولا دليل كالنص. ولأن الفطر لزمه بفطره معنى، زعم مخالفنا أنه يسقط بالقضاء ولا دليل على ذلك، فنحن نستصحب شغل الذمة حتى يبرئها بدليل.
-
قالوا: أفطر بغير جماع/،
-
فلا يجب به الكفارة العظمى، كمن أفطر بالقيء، أو لأنه أفطر بسبب لا يجب به الحد بحاله أو أفطر بسبب لا يفتقر وجوده إلى شخصين، كابتلاع الحصى والجوز الصحيح اليابس.
-
الجواب: عن قولكم أفطر بغير جماع [لا يصح] ؛ لأن الإمساك في الصوم عن الأكل والجماع بمثابة واحدة، وهي العبادة التي تجب الكفارة فيها بالجماع لا يختص به كالحج، فهذا التخصيص لا يصح. وقول الشافعي: أفطر بسبب لا يجب فيه الحد لا نسلمه لأن من أفطر بشرب الخمر فقد أفطر بسبب يوجب الحد.
-
وقولهم: معنى لا يفتقر وجوده إلى شخصين لا نسلمه في الأكل؛ لأنه لا يصح إلا بآكل ومأكول، والآكل شخص، وإنما عدلوا عن العلة القديمة وهي قولهم: معنى غير مشترك، لمالم نسلمه في الأكل إلى قولهم وجود شخصين طلبا منهم أن
-
1/15021/1502
الشخص هو الحي خاصة والأجسام أشخاص وإن لم يكن فيها حياء.
-
ثم أصلهم القيء وابتلاع الحصى، والمعنى فيهما: أنه مختلف في إبطال الصوم بهما. قال علي وابن عباس، وابن مسعود - رضي الله عنهم -: القيء لا يفطر).
-
وقال الحسن بن حي وغيره: ابتلاع الحصى لا يفطره، فصار الاختلاف شبهة في وجود الكفارة لأنها تسقط بالشبهة، والأكل معني به قوام البشر، اتفق على وقوع الإفطار به فتعلقت به الكفارة،
-
ولا يلزم الإنزال بغير جماع؛ لأنه ل يقع به قوام البشر إلا أن يكون مع الجماع. ولأن القيء إنما يفطر بما يتراجع منه إلى جوفه، وهذا من جنس المأكول، وفي نوعه ما يوجب الكفارة،
-
فإن وجد فيه مالا يوجبها لم يستدل به على إسقاط الوجوب عن جنسها، كما أن سقوط الكفارة عن الميتة فيما دون الفرج لا يسقط الكفارة عن جميع النوع،
-
فأما ابتلاع الحصى فنوعه لا تدعو إليه النفس فلا يحتاج إلى رجوعه، والكفارة وضعت للزجر.
-
ولأنه أكل ما ليس بمأكول فسقوط الكفارة عنه لا توجب سقوطها في المأكول، ألا ترى: أن من جامع الميتة لا كفارة عليه؛ لأنه جامع غير مجامع.
-
ثم لا يدل ذلك على أنه إذا جامع الحية لا كفارة عليه.
-
فإن قيل: قولكم: إن الفطر في القيء يقع بتراجعه محال؛ لأن ذلك يعلم مشاهدة.
-
قلنا: بل المحال إنكار ذلك؛ لأن الأشياء تنحدر بطبعها، وإنما تتصاعد بدفع دافع، وكيف ينكر قول: (إنها ترجع) ، وهو الأصل؟ وهذا أمر يعلم بالحس.
-
فإن قيل: النبي - صلى الله عليه وسلم - علق الإفطار بالقيء.
-
1/15031/1503
قلنا: نكر ولم يبني علته، والمتراجع هو العلة، إلا أن القيء لما لم يوجد منها علقه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقيء. ولأن المتراجع إذا كان يوجد غالبا علق الفطر بالقيء كما علق نقض الوضوء بالنوم الذي لا يخلو من الحدث،
-
وإن لم يعلم الحدث.
-
قالوا: عبادة يحرم فيها الجماع وغيره، فوجب أن يكون له مزية على غيره قياسا على الحج،
-
وكذلك العدة تحرم الوطء وغيره وللجماع مزية وهي الحرمة.
-
٦٦٥١ قلنا: هذا يبطل بالاعتكاف، فإنها عبادة يحرم فيها الوطء وغيره، وليس للوطء على غيره من محظوراته مزية.
-
وقد احترزوا، فقالوا: ويتعلق بالجماع فيها الكفارة.
-
قلنا: المزية إن أردتم في الإفساد لم نسلمه في الأصل؛ لأن الحج يفسد بالوطء والردة، وهذه المزية لا توجد في الأصل،
-
وإن أردتم مزية في الكفارة لم نسلمه في الأصل؛ لأن المزية عندنا تجب على من قتل نعامة،
-
ومن طاف جنبا، ومن مات قبل أن يطوف،
-
وإن ذكروا مزية مجملة لم نسلمها إذا منعها تفصيل المزية؛ لأنا نقلب العلة فنقول: فيستوي الجماع وغيره في كفارتها، كالحج. ولأن تحريم الجماع في الحج آكد من تحريم غيره، ألا [ترى:] أنه إذا رمى وحلق، حل له كل شيء إلا النساء، فلما تأكد تحريمه على غيره، فجاز أن تتأكد في أحكامه وتحريم الأكل والجماع في الصوم سواء، ولهذا قامت كلمة جماع الناس على الأصل، فلما تساويا في الحرمة تساويا في الكفارة.
-
قالوا: الأصل في الكفارة الجماع التام في الصوم التام،
-
ثم ثبت أنه لو أتى بالجماع التام في صوم غير تام لا كفارة، فكذلك إذا أفطر بغير جماع في صوم تام لا كفارة.
-
قلنا: لا نسلم أن الأصل في الكفارة الجماع؛ لأن النص ورد في المفطر وهذا هو الأصل،
-
ثم الجماع التام في صوم غير تام لا كفارة فيه، يدل على أن
-
1/15041/1504
الوطء الذي ليس بتمام لا يتعلق به كفارة،
-
فاما أن يدل على أن غير الوطء لا كفاة فيه فلا؛ لأن ما كان أصلا في حكم يجوز أن يساويه غيره فيه.
-
قالوا: لو تطاول زمان الحاجة حتى خاف على نفسه فأكل، لم تجب الكفارة فالجزء من الزمان فيه شبهة، ألا ترى: أن الملك في الجارية لما أسقط [الحد] كان الجزء منه شبهة.
-
قلنا: الكفارة لا تسقط بالزمان الطويل، وإنما تسقط لخوف التلف، وهذا لا يتجزأ.
-
ثم من اضطر إلى طعام غيره فأكله وأخذه،
-
ولو لم يضطر فقاتله وأخذه وجب عليه حد قطاع الطريق،
-
وإن كان قد وجد من الزمان المبيح للأخذ [ولو هدده بالضرب المخوف، فشرب الخمر لا حد عليه] .
-
ولو هدده بسوط واحد فشرب حد وقد وجد جزء من المعنى المسقط للحد.