مسألة ٣٩٩
التجريدHanafimasa’il 12071 to 12155
-
1/15871/1587
لا يصح الاعتكاف إلا بصوم
-
قال أصحابنا: لا يصح الاعتكاف إلا بصوم.
-
وقال الشافعي: يصح بغير صوم، وهو بثوم أفضل،
-
وإن نذر اعتكافا بصوم: اختلف أصحابه، فمنهم من قال: لابد أن يجمع بينهما،
-
فإن اعتكف بغير صوم لم يجز.
-
ومنهم من قال: يجوز أن يأتي بالصوم على الانفراد، والاعتكاف على الانفراد، كما لو نذر الصوم والصلاة، فعلى قول هذا القائل إن أفطر في الاعتكاف أعاد الصوم دون الاعتكاف.
-
ونص الشافعي أنه إذا أفطر استأنف، ولم يبين ما الذي استأنف.
-
لنا: ما روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا اعتكاف إلا يصوم) .
-
1/15881/1588
قالوا: إن فرض به سفيان بن الحسين عن الزهري.
-
قلنا: قد عولتم على خبره في الزيادة على مائة وعشرين من الإبل. وقد وافقه عليه يحيى بن أحمد بن الصلت بن هاشم السمسار، عن هاشم بن مروة، عن أبيه، عن عائشة،
-
ولا يجوز أن يحمل على نفي الاستحباب والفضيلة؛ لأن ظاهر النفي عندهم يقتضي نفي الجواز ولأنه إنما يحمل على نفي الفضيلة إذا كانت العادات بانتفاء النفي ناقصة وعندهم الاعتكاف بغير صوم ليس بناقص،
-
وإن كان غيره أفضل منه عند بعض أصحابهم،
-
فلا يجوز نفيه إذا كان كاملا؛ لأن غيره أكمل منه.
-
ويدل عليه: ما روى ابن جريج عن محمد بن شهاب، عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، عن عائشة، أنها أخبرتهما (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله،
-
[ثم اعتكفهن أزواجه من بعده] .
-
وإن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان،
-
ولا يتبع جنازة، ولا يعود مريضا،
-
ولا يمس امرأة، ولا يباشرها،
-
ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة ويأمر من اعتكف أن يصوم) .
-
وفي سنن أبي داود:
-
(ولا اعتكاف إلا بصوم) ، وقال الدراقطني: يقال: إن قوله:
-
(وإن السنة للمعتكف) إلى آخره من كلام الزهري، أدرج في الحديث ليس بصحيح؛ لأن أبا داود ذكره ولم يعترضه، وإنما استدل الدارقطني على هذا، بأن هشام بن سليمان لم يذكره، وقد ذكره عن ابن جريج القاسم بن معن،
-
1/15891/1589
وعبد الرحمن بن إسحاق، والاثنان أقرب إلى الحفظ من الواحد. ولأنه لم يقل: من الذي قال ذلك؟
-
فلا يلتفت إلى قوله. ولأنه إمساك يجب في الصوم، فجاز أن يجب بمطلق الاعتكاف، كالإمساك عن الوطء، [أو لأنه أحد إمساكي الصوم] . ولأن الأكل معنى يفسد الصوم، فجاز أن يفسد الاعتكاف المطلق، كالجماع. ولأنه لبث في مكان مخصوص،
-
فلا يصير قربة بانضمام نية إليه إلا بمعنى آخر، كالوقوف بعرفة.
-
ولا قال: إن الوقوف يصير قربة بانضمام الإحرام، وهو مجرد النية عندنا؛ لأنه ليس بنية الوقوف خاصة، وإنما هو نية لجملة الحج.
-
فإن قيل: الوقوف ليس بلبث لأنه لو اجتاز بعرفة صح وقوفه.
-
قلنا: الوقوف اسم اللبث فهو الفرض، فكذلك الاعتكاف فللبث، فهو القربة، وإنما يقوم الاجتياز مقما الوقوف الواجب كما يقوم الطواف في المسجد مقام اللبث الذي هو الاعتكاف. لأن الواجب من الوقوف جزء غير مقدر وذلك حاصل في أول قدم يضعه وما بعده ليس بواجب، فصار الوقوف لبثا في الحقيقة.
-
فإن قيل: فلا يكون من شرطه الصوم، انتقض بمن نذر اعتكافا بصوم.
-
قالوا: ليس من شرط الاعتكاف هناك الصوم؛ لأنه لو ترك الصوم كان اعتكافا وإن لم يجز عن النذر.
-
قلنا: فهو من شرط النذر الذي هو الاعتكاف،
-
فإن تركه عندهم لا يكون الاعتكاف الذي أوجب، وإنما يكون اعتكافا مبتدأ.
-
فإن قيل: يبطل بالمرابطة.
-
قلنا: لا يكون قربة بنفسها حتى ينوي أن يقيم ليقابل العدو، أو لحراسة المسلمين. ولأنها عبادة مقصودة يخرج منها بالجماعة، فخرج منها بالأكل،
-
1/15901/1590
كالصوم والصلاة.
-
احتجوا: بما روى طاووس عن ابن عباس - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ليس على المعتكف صيام، إلا أن يجعله على نفسه).
-
قلنا: هذا الخبر ذكره الدارقطني بإسناد لا يعرف، ولكن لم يرفعه إلا الشيخ الذي رواه عنه وهو محمد بن إسحاق السوسي،
-
والصحيح أنه موقوف على ابن عباس،
-
فإذا أسنده من لا يعرف لم يلتفت إلى قوله، وكيف يصح هذا عن ابن عباس، وقد صح عنه أنه قال: (لا اعتكاف إلا بصوم) ؟
-
وقد روى فيه: أن يوجب ذلك على نفسه [، وذلك كناية عما يعد، فكأنه قال: إلا أن يوجب الاعتكاف على نفسه] . ولأنه محمول على نفي صوم لأجل الاعتكاف وعندنا أن من شرطه وجود صوم إن كان له أو آخره.
-
قالوا: روى نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه -، قال: (كان عمر نذر اعتكاف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمره أن يعتكف ويفي بنذره) .
-
1/15911/1591
قلنا: هذا رواه سفيان بن عيينة، وخولف فيه. فروى جرير بن حازم عن أيوب في الخبر، وقال فيه: (إني نذرت أن اعتكف يوما) ، ورواه علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه - (أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف يوما في المسجد الحرام) .
-
فإذا كانت الرواية متناقضة، والقصة واحدة، لم يصح التعلق بها على أن رواية الاثنين أولى من رواية الواحد.
-
فإن قيل: يجوز أن يكون نذر نذرين، فيستعمل الخبرين.
-
قلنا: ويجوز أن يكون نذر يوما وليلة،
-
فمن نقل يوما فهو صادق،
-
ومن روى ليلة فهو صادق، فيتساوى في الاحتمال ويسقط تعلقهم بالخبر، على أنه قد روى: أنه نذر يوما وليلة.
-
فإن قيل: قال النيسابوري: هذا حديث منكر. لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه منه: ابن جريج، وابن عيينه، وحماد بن سلمة، وحماد ابن زيد، وإنما تفرد به ابن بديل، وهو ضعيف الحديث.
-
1/15921/1592
قلنا: الذي روى ابن بديل أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال لعمر: (اعتكف وصم) ولم يحتج بهذا، على أن طعن النيسابوري لا يصح؛ لأنه لم يقل: إن الثقات خالفوا ابن بديل، وإنما قال: لم يرووه، وليس من شرط صحة خبر الواحد أن يرويه الجماعة.
-
احتجوا: بحديث عائشة رضي الله عنها (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أخر الاعتكاف من شهر رمضان اعتكف العشر الأول من شوال) .
-
قالوا: وهذا يدل على جواز الاعتكاف من غير صوم؛ لأن يوم الفطر لا يصح صومه.
-
قلنا: إنما اعتكف من العشر بعد يوم الفطر، بدلالة: أنه لم ينقل ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - للخروج إلى المصلى يوم العيد منذ دخل المدينة،
-
ولو فعل ذلك لنقل.
-
فإن قيل: إنه صلى العيد في المسجد لأجل المطر، فيحتمل أن يكون اعتكف هذا اليوم.
-
قلنا: هذا لا يعرف،
-
ولو كان صحيحا لنقل نقلا عاما، فكيف يصح هذا، وهو يحتاج إلى أن يبتدئ بالاعتكاف من الليل،
-
فلا يجوز أن يفعل ما يمنع من الخروج والمسنون وقبل أن يعلم بدوام المطر، وبعذر الخروج عليه. ولأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن الصوم في يوم العيد ليتوفر على الأكل والشرب، والجماع. فكيف يعتكف فيه ومعنى النهي قائم فيه؟.
-
1/15931/1593
قالوا: عبادة يصح أن يفتتحها ليلا، فلم يكن من شرطها الصوم، كالحج والعمرة.
-
قلنا: يبطل بمن نذر اعتكافا بصوم.
-
فإن قالوا: إن ترك الصوم لم يبطل اعتكافه.
-
قلنا: يبطل عما نذر لعقد الصوم. ولأن الشيء [غير مشروط في عبادة لا يدل على أنه لم يشرط في غيرها، ألا ترى: أن القراءة شرط في الصلاة دون الصوم] والحج، والطهارة شرط في الطواف عندهم والصلاة، ولم تشترط في الصوم والوقوف، والزاد والراحلة شرط في وجوب الحج دون غيره، فكذلك لا يمتنع أن يشترط الوصم في الاعتكاف دون غيره من العبادات.
-
والمعنى فيما قاسوا عليه: أن كل عبادة منها يجب جنسها بالشرع، فلم تقف صحتها على انضمام عبادة أخرى إليها. ولما كان الاعتكاف لا يجب جنسه بالشرع، وقف كونه قربة على انضمام عبادة مقصودة إليه.
-
قالوا: كل زمان صح فيه الاعتكاف، صح إفراده به، كالنهار.
-
قلنا: عندنا الليل لا يصح الاعتكاف فيه، وإنما يوجد فيه اللبث، وحكمه مراعى،
-
فإن انضم إليه النهار كان اعتكافا، وإلا بطل، وهذا كما يقول: لي الإمساك في جزء من نهار، أنه مراعى،
-
فإن انضم إليه بقية النهار، كان جميعه صوما،
-
وإن انفرد ذلك الجزء بطل حكمه،
-
ولا يصح بالصيام. ولأن النهار زمان شرع فيه [الإمساكان، فجاز أن ينفرد بالاعتكاف، والليل زمان شرع/ فيه] أحد الإمساكين دون الآخر، فلم ينفرد بالاعتكاف.
-
قالوا: كل عبادة ليس من شرطها في افتتاحها بالصوم، وجب أن لا يكون من شرطها الصوم، كالصلاة.
-
قلنا: قد يكون من شرط افتتاحها الصوم، وقد لا يكون؛ لأنه إن نذر
-
1/15941/1594
اعتكاف يوم لم يصح افتتاحه إلا بصوم،
-
وإن نذر اعتكاف يوم وليلة افتقر افتتاحه إلى الصوم، فالوصف غير مسلم على إطلاقه. ولأنه قد يشترط في ابتداء العبادة ما لا يشترط في إثباتها، ألا ترى: أن الطهارة شرط في الطواف عندهم دون افتتاح الإحرام، ودون الوقوف.
-
ولأن من شرط افتتاحها الصوم عندنا، ألا ترى: أن الصوم متى لم يوجد لم يكن لبثه بالليل اعتكافا، فأداء الصوم شرط وإن لم يقارن، كما أن الخطبة شرط في الجمعة وإن لم يقارن أولها. ولإيمان شرط من العبادات وإن تقدم عليها.
-
والمعنى في الصلاة: ما ذكرنا في الحج والعمرة.
-
قالوا: عبادة لا تصح إلا في المسجد، فلم يكن الصوم من شرطها كالطواف.
-
قلنا: لا نسلم الوصف؛ لأن اعتكاف المرأة يصح في بيتها.
-
وقولهم: لا يصح إلا في المسجد، لا تقف صحة الصوم على ذكره، فلا معنى له.
-
قالوا: عبادة مقصودة، فلم تكن شرطا في عبادة أخرى، أصله: سائر العبادات.
-
قلنا: العبادة عندنا هي الصوم، والاعتكاف تابع له، وصفة من صفاته، فهو كالتابع مع الصوم. ولأن قراءة القرآن عبادة مقصودة في نفسها، وهي شرط في جميع البعادات.
-
قالوا: ما لم يكن شرطا في صحة الاعتكاف بالليل لم يكن شرطا فيه بالنهار قياسا على كل ما ليس بشرط.
-
1/15951/1595
قلنا: الصوم عندنا شرط في الاعتكاف بالليل على ما قررنا، والشرط قد يتقدم العبادة، فكذلك يتأخر عنها، ألا ترى أن من شرط افتتاح الظهر إتمامها عددا مخصوصا، حتى إن لم يتمم ذلك العدد لم يكن ظهرا، وهذا الشرط يتأخر عن افتتاحها.
-
قالوا: عبادة توجد ليلا ونهارا، فلم يكن شرطا في صحتها بالنهار، كالحج.
-
قلنا: قد بينا أن الصوم شرط في اعتكاف الليل. ولأن الإمساك عن الأكل والشرب لم يشرع ليلا،
-
ولا يجوز شرطه، وقد شرع نهارا، فجاز أن يشرط، ولأنه يتعر شرط ترك الأكل ليلا ونهارا، فلم يشرط منه ما تعذر، وشرط الليل،
-
ولا يتعذر بشرط ترك الجماع والخروج من المسجد ليلا ونهارا، فاستوى فيه الزمانان.