مسألة ١٣٩٠
التجريدHanafimasa’il 45174 to 45200
-
1/58291/5829
ما تلف من أهل العدل والبغي
-
قال أصحابنا: ما تلف من أهل العدل والبغي من نفس أو مال فلا ضمان على كل واحد من الفريقين.
-
وقال الشافعي: ما أتلفه أهل العدل على الباغي فلا ضمان عليه قولًا واحدًا وما أتلفه الباغي على العادل فيه قولان: قال في القديم: يجب ضمان النفس والمال وقال في الجديد: لا ضمان.
-
لنا: قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} إلى قوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله} وهذا بيان لجميع أحكام أهل البغي فمن زعم أن ها هنا حكما آخر وهو وجوب الضمان فقد خالف الظاهر.
-
ولا يقال: إن الله تعالى قال: {وأقسطوا إن الله يجب المقسطين} فأمر بالعدل وذلك يكون بإيجاب الضمان. لأنا إذا لم نسلم الوجوب لم يكن إلزام الضمان من القسط. ويدل عليه أن الفتنة وقعت بين السلف الصالح ثم اجتمعوا فلم يقض لأحد على أحد بوجوب القصاص [والضمان] ولو كان واجبًا كالسراية ولم يتركهم فلم ينقل دل من اتفاقهم على أنه ليس بواجب.
-
فإن قيل: إنما لم يقض بذلك لأن المستحق لم يطالب.
-
قلنا: لو كانت المطالبة واجبة لم تتفق آراؤهم مع كثرة عددهم على ترك ذلك فلما لم يطالبوا دل أنه ظهر لجماعتهم أن ذلك غير واجب حتى سكتوا عن المطالبة.
-
فإن قيل: رد المال المعين إذا كان في أيديهم واجب ولم ينقل أن أحدا
-
1/58301/5830
طولب برد ما في يده.
-
قلنا: قد التمس أصحاب علي بالبصرة قسمة الأموال فامتنع وهذا بينه على وجوب الرد فإن لم ينقل بمطالبة فيجوز أن يكون، لأنهم لم يظهروا على مال بعينه.
-
فأما الضمان فينقطع أن الدماء أريقت والأموال أتلفت فترك المطالبة بضمانها يدل على نفي وجوب الضمان.
-
ويدل عليه ما روي عن الزهري أنه قال: وقعت الفتنة العظمى وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرون فأجمعوا رأيهم على أن كل دم أريق بتأويل القرآن وكل مال أتلف بتأويل القرآن وكل فرج اسبيح بتأويل القرآن فهو هدر ولا شيء فيه.
-
فإن قيل: كيف يثبت الإجماع وهو دليل مقطوع به [بخبر واحد وهو يفيد الظن. قلنا: كما ثبت قول الرسول بقول واحد هو دليل مقطوع به] ولأنهم باينوا أهل الحق السابق أن أحكامنا لا تجري في دارهم.
-
ولأن كل طائفتين اقتتلنا فلم يضمن المحقة أموال المبطلة فلم يضمن المبطلة أموال المحقة كالمسلمين وأهل الحرب.
-
ولأنهم أهل دار لا تجري أحكامنا فيهم فلم يضمنوا ما أتلفوه من أموالنا كأهل الحرب.
-
فإن قيل: المعنى في أهل الحرب أنا نغنم أموالهم ونسبيهم فذلك لم يضمنوا أموالنا.
-
قلنا: جواز غنيمة أموالهم علة لسقوط الضمان عنا فأما أن يدل على سقوطه عنهم فلا، ولأن عند مخالفنا أن الحربي لا يغنم مالنا ولا نضمن ما أتلفناه عليه كذلك الباغي لا نغم ماله ولا يضمن ما أتلفه علينا.
-
قالوا: الحربي غير ملتزم ضمان الأموال والباغي قد التزمها.
-
قلنا: الضمان لا يجب على الإنسان التزامه وإنما يجب عليه بإيجاب الله تعالى بدلالة أن الصبيان يضمنون بالإتلاف ولم يلتزموا ضمانًا ولأنا أمرنا برفع البغي وأقاموا على البغي وعادوا في البغي وهذا لا يجوز، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: (الإسلام يجب ما قبله) فأسقط ما تقدم عليه ليسهل الانتقال إليه.
-
1/58311/5831
احتجوا: بقوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} وبقوله تعالى:
-
{ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطان} .
-
قلنا: هذا خطاب للقاتل الذي يدلنا عليه فأما من قُتِل ولا يد لنا عليه فلا يتناوله الظاهر [فلا يدوا] قتلانا ولا ندي قتلاهم.
-
قلنا: هذا قاله عمر من قُتِل منا فإنما عهد الله تعالى فأجره عليه ورجع أبو بكر إلى قوله بدلالة أنه لم يطالب أحدًا مما أسلم بشيء من ذلك وقد قتل طليحة عكاشة بن محصن وغيره من المسلمين ثم أسلم وجاء إلى أبي بكر فلم يأخذه بشيء من ذلك ولا بين الأولياء وجوب المطالبة.
-
قالوا: شخصان كل واحد منهما وجب عليه الضمان كما لو أتلفه قبل القتال أو قبل التخيير أو ما أتلفع المسلم على المسلم.
-
قلنا: لا نسلم الوصف، لأن عندنا الباغي في حال التخيير لا يضمن مال العادل، والعادل لا يضمن ماله فإن أرادوا أنه من أهل الضمان لولا البغي بطل الحربي لأنه من أهل الضمان لولا الحرب ولهذا لو دخل إلينا مستأمنا ضمن.
-
وقوله: (أتلفه بعدوانه) لا تأثير له في الأفضل لأن المسلم إذا أتلف مال المسلم بغير عدوان ضمنه والمعنى في الأصل إنا نضمن ما أتلفنا عليهم ويضمنوا ما أتلفوا علينا ونقول: إنهما في أهل دار يجري فيها حكم الإمام ولما كان الباغي في دار لا يجري حكم العدل فيها لم يضمن ما أتلف علينا.
-
1/58321/5832
قالوا: مسلم أتلف مال مسلم بعدوان فصار كما ذكرنا. قلنا: قولكم: (بعدوان) لا تأثير له في المسلم على ما بيناه، والمعنى في المسلم أن أحدهما يضمن ما أتلفه على الآخر واحترازهم بذكر العدوان لا ينفع لأن المسلم لو قتل الباغي لم يضمن وقد أتلفه بعدوان.