مسألة ١٠٥٤
التجريدHanafimasa’il 34713 to 34811
-
1/44491/4449
حرمة المصاهرة بالزنا
-
قال أصحابنا: الزنا يتعلق به تحريم المصاهرة فإذا زنا بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها،
-
وإذا زنا بأم امرأته أو بنتها وقعت الفرقة بينه وبين امرأته.
-
وقال الشافعي: الزنا لا يتعلق به التحريم.
-
لنا: قوله تعالى: {وبائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن} ، ولم يفصل بين أن يدخل بها في النكاح أو قبله.
-
وقال تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء} ، والنكاح حقيقة في الوطء لأنه مأخوذ من الاجتماع والتداخل ولهذا قالت العرب: (أنكحنا الفرى) . فسرى يضربونه للأمر يجتمعون عليه كالاجتماع المعتبر من الوحش مع الأتان.
-
1/44501/4450
وقال الشاعر:
-
ومن أيم قد أنكحتها رماحنا .... وأخرى على عم وخال تلهف
-
يقولون: (تناكح الشيئان) إذا تداخلا.
-
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لعن الله ناكح البهيمة) وإنما سمى العقد نكاحًا لأنه يتوصل به إلى النكاح، كما يسمى الشيء على اسم المجاورة.
-
ومن أصحابنا من قال: إن الاسم يتناول الأمرين يقولون: نكح إذا عقد ويقولون: نكح إذا وطئ، فيحمل عليها.
-
فإن قيل: النكاح في الشرع/ اسم للعقد، بدلالة أنه لم يذكر في القرآن ٢٤٢/ ب إلا في العقد، قال الله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ، وقال: {فانكحوهن بإذن أهلهن} ، وقال - عليه السلام -: (لانكاح إلا بولي) .
-
قلنا: من ادعى استعمال الاسم اللغوي بالشرح احتاج إلى ذلك ثم في هذه المواضع إنما حمل الاسم على العقد بدلالة أنه لما ذكر العدد في قوله: {فانكحوا ما طاب لكم} على أن المراد به العقد لأن الوطء لا يدخله حصر بعدد، وقوله: {فانكحوهن بإذن أهلهن} .
-
وحمل على العقد لأن إذن الأهل لا يعتبر في الوطء، على أن النكاح قد ورد في القرآن عبارة عن الوطء قال تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح} ، وقال: {حتى تنكح زوجًا غيره} ، والمراد بذلك الوطء لأن العقد مستفاد بذكر
-
1/44511/4451
الزوج.
-
وكذلك قوله تعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} ، أريد به على قول بعض المفسرين الوطء. وقال تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} .
-
والشيء لا يضاف إلى نفسه وثبت أنه أضيف إلى الوطء،
-
وإذا ثبت اسم النكاح يتناول الوطء صار تقدير الآية:
-
(ولا تطأوا ما وطئ آباؤكم) ، وهذا عام في الوطء بنكاح وغيره. يبين ذلك أنه قال: {إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا} وهذا التغليظ لا يستعمل في العقد الفاسد، وإنما يقال في الوطء، ويدل عليه: ما روى أبو هانئ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله لا ينظر إلى رجل ينظر إلى فرج امرأة وابنتها) ولم يفصل بين النظر في العقد وغيره.
-
ولأنه وطئ مقصود في موطوءة، فوجب أن يعلق به تحريم المصاهرة، كالوطء بنكاح.
-
ولا يلزم الصغيرة والمسنة؛ لأن وطأهما ليس بمقصود.
-
ولا يلزم وطئ الرجل؛ لأنا قلنا: في موطوءة.
-
ولأنه وطئ من يستباح وطؤها بسببي الإباحة، أعني النكاح والملك، فصار كوطء أمته المزوجة ووطء جارية ابنه.
-
ولا يلزم: وطئ الصغيرة والميتة؛ لأنه لا يستباح بواحد من السببين.
-
1/44521/4452
ولا يقال: المعنى في الوطء أنه صادف الملك [فتعلق به التحريم] ، [وهذا الوطء لم يصادف الملك] ؛ لأن علة الأصل تبطل بوطء جارية الابن وعلة الفرع تبطل بالوطء بشبهة.
-
فإن قيل: المعنى في الأصل أن الوطء يتعلق به تحريم مؤقت، فجاز أن يتعلق به تحريم مؤبد.
-
قلنا: ثبوت التحريم المؤقت لا يدل على ثبوت التحريم المؤبد؛ لأن ثبوت أخف الحكمين لا يدل على ثبوت أعظمهما،
-
ثم لا نسلم أن الزنا لا يوجب تحريمًا مؤقتًا؛ [لأن الزانية] لا يحل وطؤها حتى تضع حملها أو تستبرئ بحيضة.
-
ويبطل بوطء المولى؛ لأنه لا يثبت تحريمًا مؤقتًا، ويثبت تحريمًا مؤبدًا،
-
وكذلك الرضاع يوجب تحريمًا مؤبدًا لا يتعلق به تحريم مؤقت.
-
فإن قيل: على المولى يجب تحريمًا مؤقتًا وهو الاستبراء.
-
قلنا: يجب لحدوث ملك المشتري في الرقبة وحصول الاستباحة سواء كان هناك وطئ من البائع [أو لم يكن] .
-
ولأنه وطئ تعلق به كفارة في شهر رمضان فتعلق به التحريم، كوطء المولى، والوطء بشبهة.
-
فإن قيل: المعنى في الأصل أنه يتعلق به العدة، وثبوت النسب، والمهر.
-
1/44531/4453
قلنا: إذا وطئ المولى أمته المزوجة، لم يجب بوطئه عدة ولا مهر ولا يثبت فيه نسب،
-
وإن ثبت به التحريم.
-
واعتبار المهر لا يصح؛ لأن عند الشافعي إذا أكرهت المرأة على الزنا لم يثبت بوطئها التحريم بالمصاهرة،
-
ويجب به المهر؛ لأن النكاح عقد يفسده الوطء باتفاق [إذا وطئ أم امرأته أو ابنتها بملك أو شبهة.
-
وكل عقد يبطله الوطء] يستوي فيه الزنا والوطء بشبهة، أصله: الإحرام [والصيام] .
-
ولأن المقصود من النكاح الوطء، وهذا لا ينعقد فيمن لا يحل وطؤها. والغرض في الأحكام أقوى من السبب فإن كان العقد هو السبب الذي يتعلق به التحريم فلأن يتعلق بالغرض المقصود من الوطء أولى.
-
فإن قيل: الوطء لا يمنع من تزويج أختها، والعقد يمنع ذلك.
-
قلنا: لأن العقد [يستدام والوطء لا يستدام] ، فنظرة العقد إذا زال لم يمنع بعد زواله؛ لأنه تعلق به تحريم مؤبد فلا يعتبر في وقوع التحريم تقدم العقد عليه كالرضاع.
-
احتجوا: بما روى نافع عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (الحرام لا يحرم الحلال) .
-
1/44541/4454
قلنا: هذا الخبر ذكره الدارقطني، عن إسحاق بن محمد الفروي، [عن نافع، عن ابن عمر، وإسحاق بن محمد الفروي] ذكره أبو عبد الرحمن النسائي في كتابه في الضعفاء، وعبد الله بن عمر العمري ضعفه مخالفنا في روايته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (ضرب للفارس سهمين) .
-
ولو ثبت هذا الخبر كان متروك الظاهر [لعلمنا أن] الحرام أبدًا يحرم الحلال كالوطء بنكاح فاسد، ووطء المتعة، ووطء الرجل جارية ابنه التي تزوجها، والنجاسة إذا اختلطت بالماء.
-
وإذا سقط اعتبار العموم، حمل على ما روي عن عطاء أنه قال:
-
1/44551/4455
(إنما أراد به الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها فقال: لا يحرم بالوطء الزنا العقد الحلال.
-
ولأنه - عليه السلام - إن صح هذا الخبر عنه فإنما منع أن يكون التحريم للعقد تحريم الوطء وعندنا ليس الحرام هو المحرم وإنما المحرم معنى آخر يوجد في الوطء المباح والمحظور وهو كونه وطئًا مقصودًا فعلى هذا قد قلنا بالظاهر.
-
وذكر الدارقطني: أيضًا حديث عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الحرام لا يفسد الحلال) وهذا عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي ليس بشيء.
-
ولو ثبت كان الجواب عنه كالأول. وذكر أيضًا حديث عثمان الوقاصي، عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل يتبع المرأة حرامًا ثم ينكح ابنتها أو يتبع البنت
-
1/44561/4456
ثم ينكح أمها فقال: (لا يحرم الحرام الحلال) .
-
وذكر هذا الإسناد أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن رجل زنا بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال: (لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان بنكاح) .
-
وعجب للدارقطني في استحلاله إيراد مثل هذه الأخبار وهو أعلم الناس بها وإمساكه عن بيان طرقها وطعنه في كتابه على أئمة المسلمين إذا روى عنهم ما يخالف، وقد عدد أصحاب الحديث ما أنكروه على الوقاصي فذكروا فيه رواية عن الزهري، عن عروة عن عائشة هذا الحديث مع أخبار موضوعة حكوها عنه، وكيف تكون هذه الأخبار عند الزهري ولم يروها عنه ثقات أصحابه،
-
ثم الخبر الأول ذكر فيه الأتباع وذلك عبارة عن المراودة والتماس الفجور،
-
ولا يعبر به عن موافقة الفعل، ومجرد الإتباع لا يتعلق به تحريم عندنا.
-
فأما الخبر الآخر الذي أسقطوا الوقاصي بروايته مع أخبار ذكروها له،
-
فلا يحل تأويلها ولا يسوغ البناء على مثله، وقد تكلف بعض أصحابنا وتأوله فقال: قوله: (لا يحرم الحلال) يعني أن المعنى الموجب للتحريم ليس هو الزنا
-
وكذلك نقول؛ لأن العلة لو كانت الزنا لم يحرم الوطء الذي ليس بزنا وقوله: (إنما يحرم ما كان بنكاح) معناه ما كان بوطء؛ لأن النكاح اسم للوطء. فبين أن مجرد الوطء فيها هو المحرم لا ما ينضم إليه من الصفة في التحليل والتحريم،
-
ولا يجوز أن يكون المراد بالنكاح العقد ولا الوطء بالعقد؛ لأن قوله: (إنما نهى إلى سواه) ولا خلاف أن الوطء بغير نكاح محرم. فكيف يقول - عليه السلام -: (إنما يحرم ما كان بنكاح) والتحريم لا يختص بذلك بإجماع.
-
احتجوا بقوله تعالى: {وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا} .
-
1/44571/4457
قالوا: والزنا لا يكون سببًا فيما يمن الله تعالى به على عباده.
-
قلنا: فقد من الله تعالى به على عباده بالنسب ولا خلاف أنه يثبت بالزنا لأن نسب ولدنا الزنا من أمة ومن أتها
-
وكذلك الزنا يثبت تحريم المصاهرة بإجماع؛ لأن من زنا بامرأة ومن أتاها
-
وكذلك الزنا يثبت تحريم المصاهرة بإجماع؛ لأن من زنا بامرأة فأولدها بنتا فتزوجت الزاني حرم على الزوج بنتها من الزنا،
-
وإذا جاز أن يثبت تحريم المصاهرة بسبب الزنا من جهة المرأة، فكذلك من وجهة الواطئ.
-
ولأن الامتنان إنما هو بخلقه سبحانه من الماء بشرًا، ووصف ذلك البشر أن يكن منه النسب والصهر،
-
فلا يمنع الامتنان أن يكون الصهر بسبب محظور كما أنه يكون بوطء في متعة، ونكاح فاسد، ووطء الأمة المجوسية، والأمة المزوجة.
-
قالوا: وطئ في غير ملك ولا شبهة ملك، فوجب ألا يتعلق به تحريم المصاهرة، أصله: وطئ الصغيرة التي لا تشتهي والميتة.
-
[قلنا: يبطل بمن وطئ زوجته في الموضع المكروه وهو وطئ في غير ملك ولا شبهة ملك، ويتعلق به التحريم باتفاق. والمعنى في وطء الصغيرة والميتة] أنه وطئ غير مقصود؛ بدلالة أن فرج الصغيرة التي لا تشتهى ليس بمحل للوطء، ولهذا يجوز للأجنبي النظر إليها،
-
ولو وطئها في فرجها بملك لم يحرم عليه أمها وبنتها،
-
وكذلك الميتة ليست بمحل وطء، وإنما يفعل فيه الإيلاج على طريقة المجانة
-
1/44581/4458
والسخافة؛ فهو كالإيلاج في الطين، وكاستدخال المرأة/ ذكر الميت أو الذكر ٢٤٣/ أالمقطوع،
-
فلا يتعلق به حل [ولا تحريم، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه وطئ مقصود في موطوءة] .
-
[قالوا: قولكم] : وطئ مقصود لا معنى له؛ لأن وطئ العجوز الشوهاء ليس بمقصود والتحريم يتعلق به.
-
قلنا: ذلك مقصود؛ لأن الشوهاء يقصدها أمثالها فلما كان مقصودًا [طلبًا للوطء واللذة تعلق به التحريم في حق من لا يقصده] .
-
قالوا: وطئ لا يتعلق به تحريم مؤقت فلا يتعلق به تحريم مؤبد، كوطء الصغيرة، وكاللمس بغير شهوة.
-
قلنا: يبطل بوطء المولى، لا يتعلق به تحريم مؤقت ويتعلق به تحريم مؤبد.
-
فإن قالوا: يتعلق بوطء المولى الاستبراء.
-
قلنا: ذاك لا يتعلق بوطئه، وإنما يطب لحدوث ملك المشتري في الرقبة والاستباحة، بدلالة أنه لو اشترى بكرًا وجب عليه استبراؤها على أنهم إن قالوا: إن الاستبراء تحريم مؤقت لم نسلم الوصف؛ لأن الزنا يتعلق به تحريم مؤقت عندنا؛ لأن الزانية لا توطأ بالنكاح حتى تستبرأ أو تضع حملها ثم لا يمتنع أن يتعلق بالفعل تحريم
-
1/44591/4459
مؤبد ولا يتعلق به تحريم مؤقت، كالعقد على المرأة تحرم أمها،
-
ولا يوجب نفس العقد عدة، والرضاع يتعلق به تحريم مؤبد ولا يتعلق به تحريم مؤقت، والمعنى في اللمس بغير شهوة: أنه استمتاع غير مقصود فلم يتعلق به التحريم كالنظرة.
-
قالوا: كل حكم تعلق بالنكاح لم يتعلق بمحض الزنا في الجنس كوجوب المهر،
-
وأما التحريم فهو حق الله تعالى يتعلق بالوطء، فيتعلق بالحلال والحرام كوجوب الغسل وفساد العبادات.
-
قالوا: التحريم يتعلق بالوطء والعقد،
-
ثم العقد الحرام لا يتعلق به التحريم كذلك الوطء الحرام.
-
قلنا: العقد إذا لم يتمحض تحريمه والوطء إذا دخلته شبهة فلم يتمحض تحريمه؛ تعلق به التحريم، كذلك إذا لم تدخله شبهة تعلق به التحريم.
-
قالوا: تحريم نكاح يتعلق بالوطء الصحيح، فوجب ألا يتعلق بالزنا الصريح، أصله: تحريم العدة.
-
قلنا: إذا رفت إليه غير امرأته وهي عالمة ففعلها عندكم زنا، ويتعلق الجلد،
-
فإن أوجبت العدة، فقد بطل قولك: إن التحريم بالعدة لا يتعلق بالزنا الصريح،
-
وإن لم توجب العدة؛
-
فلا يخلو إما أن يثبت التحريم من الحيثيتين، أو من حيثية الزوج خاصة.
-
فإن قلت: ثبت التحريم من الحيثيتين فقد أوجبت التحريم بصريح الزنا؛
-
1/44601/4460
فقد بطل كلامك، ولا يجوز أن توجبه من جهة الزوج خاصة؛ لأن هذا محال أن يتعلق به الوطء تحريم من أحد جانبيه،
-
وإذا لم يثبت التحريم فلا معنى لقولك: وجب ألا يتعلق بالزنا الصريح،
-
وإن ثبت به وهو لا يتعلق عندك بوطء الرجل وليس بصريح الزنا، والمعنى في تحريم العدة: أنه حق الزوج،
-
فلو وجبت عليها لوجب المهر لها في مقابلته، وقد ثبتت العقوبة المنافية للمهر، وفي مسألتنا التحريم حق الله تعالى فيتعلق بالوطء المباح والمحظور كما ذكرنا. وربما قالوا: وطئ لا يتعلق به ثبوت النسب، وهذا يبطل بوطء الزوجة في الموضع المكروه، ويقولون لا يتعلق به مهر ويبطل بوطء المولى؛
-
ولأن هذه الأحكام انتفت عن الزنا على طريق التغليظ وسقوط [التحريم ليس بتغليظ عندنا عليه، فيجب أن يثبت التحريم أيضًا على طريق التغليظ] .
-
قالوا: لو حبلت الزانية فارتضع بلبنها صبية لا تحرم على الزاني.
-
قلنا: لا نسلم.