مسألة ١٥٥٤
التجريدHanafimasa’il 50551 to 50595
-
1/63791/6379
شبع المضطر من الميتة
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : لا يجوز للمضطر أن يشبع من الميتة، وإنما يأكل منها مقدار ما يمسك رمقه. وهو أحد قول الشافعي رحمه الله.
-
قال وفي قول آخر: يأكل حتى يشبع.
-
لنا: قوله تعالى: {إلا ما اضطررتم إليه} . فحرم الميتة، وأباحها وهو ما يدعو إليه الضرورة، فما لا ضرورة إليه على أصل التحريم.
-
فإن قيل: أنه يضطر إلى الشبع؛ لأن الغالب أن هذا يكون في الأسفار، فمتى لم يشبع لم يقدر على المشي فيتأخر عن رفقته.
-
قلنا: إذا لم يخف التلف، لم يجز أن يأكل وهذا خلاف قولهم،
-
وإذا خاف التلف من الوجه الذي ذكره، جاز أن يأكل عندنا ما يزيل ذلك الخوف، فسقط هذا الاعتراض.
-
قالوا: في الآية إضمار، فعندكم: إلا قدر الذي اضطررتم إليه. وعندنا: إلا الذي اضطررتم إليه. والإضمار الواحد أولى من إضمارين.
-
قلنا: نحن نتساوى في الإضمار ونقول: إلا الذي اضطررتم إليه. وما زاد على تمسك الرمق لا ضرورة إليه، والذي قد يكون الجنس والقدر قد يدخل في الاستثناء إلا ما يستفاد دخوله.
-
ولأن الضرورة زالت بالجزء الأول،
-
فلو أكل بعده أكل للحاجة لا للضرورة، والميتة لا تستباح بالحاجة كالابتداء. أو لأن الجزء الأول في حق المضطر كالطعام المباح،
-
ولو كان معه ذلك المقدار من لحم مذكى فأكله، لم يجز أن يتمم أكله
-
1/63801/6380
من الميتة، كذلك إذا أكل الجزء الأول منها.
-
ولأن كل حكم تعلق بمعنى، زال بزواله إلا أن يلحقه معنى آخر يتعلق الحكم به، وقد زالت الضرورة التي أبيح لأجلها، فتزول الإباحة.
-
فإن قيل: لا يمتنع أن يختلف حكم الابتداء والبقاء، كما أن القادر على نكاح الحرة لا يتزوج الأمة،
-
فإذا تزوجها وهو لا يجد الطول ثم وجد، لم يؤثر ذلك في نكاحها.
-
قلنا: عندنا تتساوى الحالتان ني مسألة الاستشهاد، فيجوز أن يتزوج أمة مع وجود الطول وتبقى على نكاحها معه، لكنا نسلم أن في الأصول ما يختلف فيه الابتداء والبقاء إذا كانت علة الابتداء غير موجودة ني حال البقاء،
-
فأما إذا وجدت في الحالتين على وجه واحد مثل مسألتنا لم يختلفا.
-
ولأن هذا الكلام يصح فيما له ابتداء ومداومة، وكل جزء من الأكل ابتداء أكل؛ لأن الأكل ينقطع ثم يستأنف ما يتناوله، فهو ابتداء. وأي فرق بين أن يأكل الجزء الأول من طعام مباح، فكذلك هو في الآخر.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عادٍ فلا إثم عليه}
-
قلنا: عندكم تقدير الآية:
-
فلا إثم عليه في الأكل. وعندنا:
-
فلا إثم عليه فيما يدفع الضرورة. وما أضمرناه أولى؛ لأن المضطر قد يضطر إلى أكلها وإلى الاستصباح بودكها وإلى لبس جلدها ليدفع الحر والبرد، وهذا حكم تبيحه الضرورة المذكورة، فإضمارنا بدفعها أولى من إضمار الأكل الذي لم نجد له ذكرًا.
-
ولأنه قال: {غير باغٍ ولا عادٍ} . أي: باغ في الأكل،
-
ولا متعدٍ فيه. ومن تجاوز قدر الضرورة، فقد اعتدى عندنا.
-
وزعم مخالفنا أن المراد: غير باغ على الإمام.
-
وإذا اختلفا في ذلك، لم نسلم الإباحة إلا بعد ارتفاع البغي.
-
فإن قيل: قد جعل الله تعالى البغي صفة الأكل عندما ابتدأ أكله فأنتم تجعلونه صفة في الحالة الثانية.
-
1/63811/6381
قلنا: بل نجعله صفة في الحالتين مبيحة الأكل غير قاصد الشبع؛ لأن القصد إلى ذلك بغي وعدوان.
-
قالوا: روى جابر بن سمرة أن رجلًا جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه أهله وولده، فسأله عن ناقة له نفقت، فقال النبي - عليه السلام -: (هل عندك غنى يغنيك؟) قال: لا قال: (فكلوها) . وهو عام في سد الرمق والشبع.
-
قلنا: أباح بشرط ألا يجد ما يغنيه، وقد استغنى بالجزء الأول،
-
فلا يحل له الباقي. يبين ذلك أن الإباحة في القرآن والأخبار مشروطة،
-
فلا يسقط شرطها بخبر واحد،
-
ولا بد من أن تحل الإباحة هاهنا على شرط لم ينقل.
-
احتجوا: بحديث أبي واقد الليثي أن رجلًا قال: يا رسول الله، إنا نكون بأرض فتصيبنا المخمصة، فمتى تحل لنا الميتة؟ فقال: (ما لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفئوا بها بقلًا، فشأنكم بها) فأباح أكلها إذا لم يجدوا ما ذكر وهو على عمومه.
-
قلنا: للمضطر أكلها إذا وجد البقل وهو أصل البردي. كذلك يحظر إذا أكل منها ما يقوم مقامه،
-
ومن يستيسده، وصار هذا تنبيهًا على أن الإباحة يشترط فيها الضرورة، وذلك لا يوجد في الجزء الثاني من الميتة.
-
قالوا: ما جاز أن يسد الرمق منه، جاز الشبع منه، أصله: الطعام الحلال ولبن الميتة.
-
قلنا: نقول بموجب العلة إذا كان ما به من الضرورة لا يزول إلا بالشبع، ويخالف الإكراه فإن المكره على أكل الميتة يجوز أن يشبع. والمعنى في المباح: أنه يجوز أن بيتدأ به من غير ضرورة فجاز البقاء، والميتة لا يجوز أكلها من غير ضرورة لولدها
-
1/63821/6382
وبيضها ولحمها ولا يجوز أكلها في حال حياتها من غير ضرورة، فلم يجز الشبع منه بعد موتها.
-
قالوا: طعام مباح من جهة الشرع، فجاز أن يشبع منه كسائر الأطعمة.
-
قلنا: نقول بموجبه على ما قدمنا،
-
ولا نسلم أنه مباح على الإطلاق، بل أبيح منه ما يمسك الرمق.
-
قالوا: يجوز أن يشبه من لبنها كالمذكاة.
-
فقد كلمنا على هذا الوصف والأصل.