مسألة ٦٠٤
التجريدHanafimasa’il 19776 to 19861
-
1/24541/2454
حكم رد الجارية بالعيب بعد وطئها
-
قال أصحابنا: من اشترى جارية فوطئها ثم اطلع على عيب، لم يملك ردها، ورجع بالأرش،
-
وكذلك إن لمسها بشهوة أو قبلها، ذكره أبو الحسن في (جامعه) .
-
وقال الشافعي: إذا كانت ثيباً ردها، والوطء أقل من الخدمة.
-
لنا: أن الوطء في الثيب أجري مجرى إتلاف جزء منها حكماً؛ لإجماع الصحابة.
-
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: يردها ويرد نصف عشر قيمتها، وقال في الخيار: يردها مع أرش الجناية.
-
وقال علي - رضي الله عنه -: لا يردها في المسألتين؛ فدل على أنهما أجريا وطء الثيب مجرى الجناية.
-
فإن قيل: لا يعرف هذا عن عمر - رضي الله عنه -.
-
قلنا: رواه شريك، عن جابر، عن عامر، عن عمر، ورواه جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب.
-
1/24551/2455
فإن قيل: كيف يكون هذا غجماعاً ولم نعلم انتشاره.
-
قلنا: قضاء الأئمة يظهره، وقد قال كقول عمر: سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وإبراهيم النخعي، وشريح.
-
وقال كقول علي - رضي الله عنه -: الزهري، والحسن.
-
وهذا يدل على ظهور المذهبين وانتشارهما حتى أخذ كل فريق من التابعين بأحد القولين.
-
فإن قيل: قد قال عمر بالرد وهو قولنا.
-
قلنا: لسنا نتكلم في مسالة الرد، وإنما نتكلم في غيرها.
-
ولأن عمر اثبت الرد مع الأرش وهم لا يقولون ذلك.
-
فإن قيل: مسالة الرد وكيفية الرد مسألة أخرى؛ فيجوز الأخذ بأحد المذهبين.
-
قلنا: إذا ثبت الرد بشرط،
-
فمن قال بالرد بغير شرط فقد خالفه.
-
فإن قيل: يجوز أن يكون عمر اعتقد أن الرد فسخ للعقد من أصله، فأوجب العقر؛ لأنه وطء ملك الغير، لا لأنه أجراه مجرى الجناية.
-
قلنا: لو أوجب مهراً لم يقدره؛ لأن التقدير لا يكون إلا في الجناية، دل أنه جعله جناية.
-
فإن قيل: روي عن زيد بن ثابت مثل قولنا.
-
1/24561/2456
قلنا: هذا لا نعرفه،
-
ولا يمكن أن يضيعه الركبان من كتاب الحديث، وإنما زعموا أن أبا عسكر الطبري ذكره.
-
ومن أصحابنا من حكى مذهب عمر وزيد مذهباً واحداً.
-
فإن رووا عن زيد أنه قال: يردها: لم يكن فيه دلالة؛ لأنه يجوز أن يقول: يردها مع الأرش، ولسنا نتكلم في مسألة الرد وإنما نتكلم في مسألة أخرى.
-
ولأن الوطء التام إذا حصل في ملك الغير- التام الملك- لم يخل من عقوبة لو عد أنه كالجناية.
-
ولا يلزم العاقلة تدعو مجنوناً: المهر يجب ويسقط؛ لأنها لو ألزمته مع ذلك ثبت الرجوع عليها؛ لأنها استعملته فيما لزمت هبه الوصلة.
-
ولا يلزم البائع إذا وطئ المبيعة؛ لأن ملك المشتري لم يتم.
-
ولا يلزم الحربي يزني بمسلمة؛ لأن فعله يوجب الحد، فيجب بوطئه المهر ويسقط، كمن زوج أمته من عبده.
-
فأما الجناية من العبد على سيده؛ فقد أجريت مجرى جناية السيد على نفسه، بدلالة: أنه لو جنى على غيره لكان من ماله،
-
فإذا جنى عليه فكأنه هو الجاني على نفسه.
-
ولأن الوطء معنى لا يملك إباحته من ملكه، كالجناية.
-
ولأنه آكد من الجناية؛ بدلالة: ان الجناية تقع غير موجبة للضمان إذا أذن في سببها، والإذن في سبب الوطء لا/ يسقط الضمان،
-
وإذا ثبت أن الوطء في حكم الجناية ولو جنى عليها ثم اطلع على عيب لم يردها، كذلك هو.
-
فإن قيل: الجناية على البيهمة تمنع الرد، ووطؤها لا يمنع الرد.
-
قلنا: الوطء من الآدمية يجري مجرى الجناية، بدلالة: ما ذكرنا، فأما
-
1/24571/2457
من البهيمة فلم يجر مجرى الجناية عليها.
-
فإن قيل: لو كان الوطء كالجناية لم يجز أن يبيعها مرابحة حتى يبين.
-
قلنا: الوطء أجري مجرى فوات جزء، وفوات الجزء قد يمنع المرابحة وقد لا يمنع، كما لو فات منها جزء بآفة من السماء لم يمنع المرابحة،
-
وأما المشتري لم يحبس جزءاً منها، كذلك الوطء في نفس المسألة؛ لأنه وطء استبيح بالشراء فلا يجوز الرد بالعيب بعده، كالبكر.
-
ولا يلزم إذا وطئها الزوج؛ لأن الوطء لم يستفد بالشراء.
-
ولا يلزم إذا ابتاعها الزوج وهو فيها بالخيار فوطئها؛ لأن الوطء مستفاد بالنكاح.
-
ولا يلزم إذا وطئها المشتري في يد البائع ثم حبسها؛ لأن هناك يستوي وطء البكر والثيب في أنه لا يمنع الرد.
-
ولأن الوطء هناك منع الرد، ولكن البائع إذا اختار حبسها وفسخ قبضه فقد رضي بالعيب.
-
فإن قيل: البائع إذا حبسها، فإنه قصد الحبس لاستيفاء الثمن ولم يوجد منه رضا.
-
قلنا: ففي قولنا: إنه رضي، أي بالرد إلى يده؛ فسخ قبض المشتري، فصار كأن العيب حدث في يد البائع.
-
فإن قيل: المعنى في وطء البكر أنه فوت جزءاً منها.
-
قلنا: قلنا: قد يبطل حق المشتري في الرد ما ليس بإتلاف جزء؛ بدلالة: بيعه، وقد طلب بعض السلم بعينها.
-
ولأن كل جارية لو جنى عليها لم يجز ردها،
-
فإذا وطئها المشتري لم يجز ردها بالعيب، كالرهن.
-
1/24581/2458
ولأن الوطء معنى يتعلق به الرهن،
-
فإذا وجد من المشتري في الجارية المشتراة منع الرد، كالعقد.
-
ولأنه معنى تصير المرأة به فراشاً، كعقد النكاح.
-
ولأنها لو زنت لم يجز ردها بالعيب؛ لأن الزنا عيب في الجارية، يوجب نقصان الثمن في العادة.
-
وليس من وطء المولى والزاني؛ إذ التحريم وما يمنع الرد فحرامه ومباحه سواء، أصله: قطع الأعضاء.
-
لا فرق بين أن يكون أصابها أو جنى عليها، وما لا يمنع الرد لا فرق بين محظوره ومباحه.
-
ولأنه وطء يمنع الرد بخيار الشرط فيمنع بخيار العيب، كوطء البكر.
-
احتجوا: بأنه تصرف لم ينقص شيئاً من المبيع ولا من قيمته، فوجب أن لا يمنع الرد، كالخدمة.
-
قلنا: لا نسلم أنه لا ينقص من قيمتها؛ لأن الثيب التي تناولها كثير لا ينقص من زينتها مثل التي وطئت دفعة واحدة.
-
ولأنه أن يكون لكل وطء حظ من نقصان القيمة هو المعنى في الاستخدام أنه لو حصل من الغاصب فيها لم يمنع ردها، فكذاك إذا حصل من مبتاعها.
-
قالوا: وطء لم يتضمن نقصاً، كما لو وطئت مكرهة.
-
قالوا: ألم من غير ألم.
-
1/24591/2459
قلنا: لا نعرف الرواية من وطء المكرهة، فالظاهر: أنه يمنع الرد.
-
قالوا: وطء لا يتضمن إتلافاً، كوطء الزوج ووطء المشتري قبل نقد الثمن إذا ردها البائع إلى يده.
-
قلنا: وطء المشتري يحصل بإيجاب البائع وإيجابه له رضا به، فوازنه من مسألتنا: انه يطؤها المبتاع، فيرضى البائع بأخذها.
-
فإن قيل: فوطء المبتاع حصل بإيجاب البائع ورضاه.
-
قلنا: عقد البائع لا يوجب الوطء، بدلالة: انعقاده على من لا يجوز وطؤها، وهي أخته من الرضاعة، إنما يطأ المشتري بموجب الملك،
-
فأما النكاح فموجبه الوطء، بدلالة: انعقاده على من يجوز وطؤها.
-
فإن قيل: يبطل ما ذكرتموه إذا وطئها الزوج وهي بكر.
-
قلنا: زوال البكارة غير موجبة بالنكاح؛ بدلالة: من تزوج امرأة على أنها بكر فوجدها ثيباً لم يثبت له الخيار.
-
فإن قيل: عقد النكاح أوجب الوطء،
-
ولا يتوصل إلى وطء البكر إلا بإزالة البكارة، فصار إزالتها من موجب العقد.
-
قلنا: وقد يتوصل إليه تارة بإزالة البكارة وتارة بغيرها، بأن تزول بكارتها بمعنى من المعاني، فلم يكن غزالتها بفعل الزوج من موجب العقد.
-
ومن أصحابنا من قال: إن وطء الزوج مستحق بمعنى كان من ضمان البائع، فلم يستفده المشتري بالعقد،
-
وإذا وجب لم يثبت به شيء مما استوجبه، [فلم
-
1/24601/2460
يمنع الرد، ووطء المشتري استفادة، فجاز عقده،
-
فإذا مات استوجبه] بحكم العقد ومنع الرد، كالجناية.
-
ولا يلزم وطء البكر؛ لأن إزالة البكارة غير مستحقة بعقد النكاح على ما قدمنا.
-
قالوا: الأسباب مانعة من الرد؛ لأن الرضا بالعيب وحدوث عيب غيره وتعلق حق الغير بالمبيع، وهذا لا يوجد في مسألتنا.
-
قلنا: هذه طريقة في الاستدلال فاسدة؛ لأنه تعدد موضع الإجماع، وهو يعلم أن مذهب خصمه أن الرد يتعذر بهذه المعاني وبغيرها، ولم يفسد ما يقول خصمه،
-
ولا دل على أن الرد لا يثبت بهذه المعاني.
-
وكأنه ادعى أن الحكم لا يتجاوز موضع الإجماع،
-
ثم يزيد في هذه الأقسام ويبطل الرد متى زال ملكه،
-
ثم عاد إليه بحكم مبتدأ وبحصول الزيادة من نفس المبيع لم يدخل في العقد بأن يستوفي المشتري ما لا يستباح بالإباحة.
-
ومن زاد من أقسام خصمه فكأنه يقضي عليه بعينها عند بعض أهل الجدل، وعند بعضهم يلزم المقسم إبطال القسم الزائد ويكون مفرطاً؛ لأنه ضمن بأول كلامه أن الحكم لا ينفذ، أما ذكره فأبان خلاف ذلك.