مسألة ١٥٢٢
التجريدHanafimasa’il 49367 to 49426
-
1/62731/6273
أكل الكلب من الصيد
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : إذا أكل الكلب من الصيد، لم يؤكل.
-
وقال الشافعي رحمه الله في القديم: يؤكل.
-
لنا: قوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله} . فشرط في الجارح التعليم، وتعليم الكلب يكون بترك الأكل، بدليل ما روي عن ابن عباس أنه قال: تعليم الكلب أن يترك الأكل، وتعليم البازي أن يأتيك إذا دعوته.
-
ثم قال: {فكلوا مما أمسكن عليكم} .
-
ومتى أكل منه فلم يمسك علينا، وإنما أمسك على نفسه.
-
فإن قيل: قد أمسك الباقي على صاحبه.
-
قلنا: إنما أمسكه؛ لأنه استغنى عنه؛ إذ الظاهر أنه استوفى حاجته.
-
فإن قيل: الآية تدل على إباحة ما أمسك، وحظر غيره موقوف على الدليل.
-
قلنا: السؤال حصل عن الإباحة، فالظاهر أن ما عدا المذكور غير مباح.
-
ولأن الحكم المعلق بشرط يدل على أن ما عداه بخلافه على قول كثير من أصحابنا، ويدل عليه ما روى الشعبي عن عدي بن حاتم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى، فكل،
-
فإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه) .
-
فإن قيل: روي أنه قال: (فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه) .
-
قلنا: قوله: (فلا تأكل) . يفيد التحريم، وقوله: (إني أخاف) .
-
1/62741/6274
يجوز أن يكون علة للتحريم،
-
ويجوز أن يكون علة للكراهة،
-
فلا يسقط الظاهر التحريم، فلا يأكل بالشك.
-
ولأن التجويز علة في تحريم الصيد، بدلالة قوله - صلى الله عليه وسلم -:
-
(فإن وقع في ماء فلا تأكل، فلعل الماء قتله) .
-
ولأن ترك الصيد معنى شرط في إباحة الصيد الأول، فكان صيدًا فيما بعده، أصله الإرسال.
-
ولأنه صيد أكل منه الكلب قبل ثبوت يد صاحبه عليه، فأشبه إذا ترسل بنفسه فوجده قد أكل من الصيد أو أصابه المرة السابقة إذا أكل من الصيد.
-
ولأنه يجوز أن يكون أكل لفقد التعليم،
-
ويجوز أن يكون أكل لشدة الجوع، فاجتمع فيه وجه الحظر والإباحة، فغلب الحظر كما لو وقع في الماء.
-
ولأن التعليم في الكلب يكون بترك الأكل،
-
فإذا أكل دل على فقد التعليم، وصيد غير المعلم لا يؤكل.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} . ولم يفصل.
-
قلنا: بشرط التعليم وهذا غير معلم، وشرط الإمساك وهذا لم يمسك علينا.
-
احتجوا: بما روي في حديث أبي ثعلبة الخشني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله، فكل) . فقال:
-
وإن أكل منه؟ قال: (نعم،
-
وإن أكل منه) .
-
قلنا: هذا الحديث رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر، وقد روي الخبر عن أبي ثعلبة وأبي إدريس الخولاني وأبي أسماء وغيرهم، ولم يذكروا هذه اللفظة،
-
ولو ثبتت عارضها حديث عدي بن حاتم وهو حاضر، والخبران إذا تعارضا فالمثبت للحظر أولى من المثبت للإباحة.
-
ولأن حديث عدي بن حاتم يوافق قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} .
-
1/62751/6275
ولأن أخبار عدي بن حاتم في الصيد أشهر، فهو أولى.
-
ولأن خبرنا معلل فهو أولى.
-
ولأن خبرنا بأصل؛ لأن الأصل الإباحة.
-
فإن قيل: نجمع بين الخبرين، نحمل خبركم على الأكل في المرة الأولى، وخبرنا على الأكل في المرة الرابعة.
-
قلنا: في خبرنا: (إذا أرسلت كلبك المعلم) .
-
ولا يكون معلمًا إلا بعد الثالثة.
-
ثم هذا استعمال يؤدي إلى حمل الخبرين جميعًا على الخصوص، ونحن نحمل خبر عدي بن حاتم على عمومه وخبر أبي ثعلبة يحمل على الخصوص، ونحمله على الأكل منه بعد ما ثبتت يد صاحبه ونحمله على الأكل من طن أو على الكلب إذ أكل فأدركت ذكاته،
-
ومن حمل أحد الخبرين على عمومه وخص الآخر أولى ممن خصهما جميعًا.
-
قالوا: روي عن ابن عمر وسلمان وأبي هريرة وسعيد بن المسيب أن صيد الكلب يؤكل وإن أكل منه.
-
قلنا: روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وعدي بن حاتم وأبي هريرة وسعيد بن جبير وإبراهيم مثل قولنا.
-
قالوا: عقر الكلب بمنزلة الذكاة،
-
ولو ذبحه آدمي وأكل منه لم يحرم، كذلك عقر الكلب مثله.
-
قلنا: يبطل بالمرة الثالثة.
-
فإن قالوا: الأكل لا يمنع، وإنما يمنع فقد التعليم.
-
قلنا: كذلك نقول: إن الأكل ليس بمانع، وإنما المانع فقد التعليم، [ولهذا لو أكل بعد أخذ صاحبه لم يؤثر، لما لم يدل على فقد التعليم] .
-
1/62761/6276
ولأننا لا نسلم أن عقره ذكاته بشرائطه،
-
ومن شرطه عندنا ترك الأكل.
-
قالوا: جارحة أكل من الصيد كالبازي.
-
قلنا: الأكل عندنا لا يمنع، وإنما يمنع فقد التعليم، وأكل الكلب يدل على عدم التعليم، وأكل البازي لا يدل على عدم التعليم؛ لأن الكلب يضرب حتى يعود ترك الأكل، والبازي لا يمكن ضربه وإنما يعود إلى صاحبه والأكل من الصيد، فأكله يدل على التعليم.
-
قالوا: لو أكل بعد ما أخذه صاحبه لم يحرم كذلك حال الأخذ.
-
قلنا: يبطل بالمرة الثالثة.
-
ولأن أكله بعد أخذ صاحبه لا يدل على فقد التعليم، وأكله قبل ذلك يدل عليه.
-
قالوا: تعليمه قد حصل بالعادة بترك الأكل، فأكله يحتمل أن يكون لشدة الجوع ويحتمل لنسيان التعليم،
-
فلا يبطل ما علم من تعليمه بالاحتمال.
-
قلنا: الأكل يحتمل [أن يكون لشدة الجوع] لعدم التعليم ويكون تركه للأكل فيما مضى للشبع والاستغناء عنه، ويحتمل ما ذكروه، والحظر والإباحة إذا تعارضا فالحكم للحظر.
-
ولأنه لو تعلم، لم يتطرق عليه النسيان.
-
ولأن الصنائع ضرورية، فلا ينساها من تعلمها وإن ضعف فيها.