مسألة ٩٩٦
التجريدالحنفيةالمسائل ٣٢٬١٩٨ إلى ٣٢٬٢٤٠
-
١/٤٠٨٧١/٤٠٨٧
حكم إذا تعدى المودع في الوديعة ثم زال التعدي
-
قال أصحابنا: إذا تعدى المودع في الوديعة ثم أزال التعدي زال الضمان فعادت العين إلى الأمانة.
-
وقال الشافعي: لا يزول الضمان بإزالة التعدي فإن أذن له المالك في إمساكها بعد إزالة التعدي أو أبرأه من ضمانها زال الضمان في ظاهر المذهب.
-
ومن أصحابه من قال: لا يزول الضمان إلا بأن يأخذها من يده وإذا تعدى الوكيل هل ينعزل عن الوكالة بالبيع فيه وجهان.
-
لنا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من أودع وديعة فهلكت فلا ضمان عليه) .
-
فإن قيل: لا نسلم أنها هلكت وهي وديعة.
-
قلنا: لسنا نرجع تسميتها وديعة إلى حكم وإنما نرجع إلى اللغة والعرب تسميها وديعة مع وجود التعدي أو بعده ولأنه استعمال ضمنت به الوديعة فإذا زال ضمانها كما لو استعملها غير المودع فأخذها المودع.
-
ولأن كل يد لو عادت الوديعة إليها بعد استعمال الأجنبي زال الضمان إذا عادت إليها بعد استعمال المودع زال الضمان أصله وكيل المالك ولأن الوديعة
-
١/٤٠٨٨١/٤٠٨٨
محفوظة بعينها لصاحبها في الحرز المأذون فيه من غير إيقاع فعل فيها ولا منع فأشبه إذا لم يتعدى.
-
ولأن أمر المالك بحفظ الوديعة عام في عموم الأوقات والتعدي لا يبطل الأمر وإذا زال التعدي فقد أمسك العين بيد قامت مقام يد المالك بأمره فصار كما لو ردها على وكيله بقبض ودائعه.
-
وهذا الدليل مبني على دعاوى ثلاث أحدها: أن يد المودع كمودعه، والثانية: أن أمره عام في عموم الأوقات الثالثة: أن التعدي لم يبطل أمره بالحفظ.
-
فأم االدليل على أن أمره قائم مقام يد المالك فهو أن العين لمنفعته فصار كوكيله وكوصي اليتيم ولأن العين لو هلكت في يده فلحقه ضمان رجع به على المودع عندنا وهو أحد القولين.
-
وأما الدليل على عموم الأمر فلأن قوله احفظها لا يختص بوقت دون وقت ولهذا ملك إمساكها على التأييد ولأن من تتعلق بقوله حكم يجب اعتبار عموم كلامه كصاحب الشريعة.
-
والدليل على أن التعدي لا يبطل الأمر: لو أن رجلا وكل رجلا يبيع عبده بألف فباعه بخمسمائة ثم باعه بألف جاز ولو كان التعدي يبطل الأمر انعزل عن الوكالة
-
وكذلك لو أمره بعتق عبده ثم أعتقه أو باعه ثما عتقه جاز العتق وبرئ بذلك من الضمان.
-
١/٤٠٨٩١/٤٠٨٩
فإن قالوا: بيعه بأجل فيما أمر يجب فلا يبطل الأمر.
-
قلنا: لا نسلم ذلك بل هو بيع موقوف على الإجازة ولأن البيع الموقوف فيما تناوله الأمر لا يبطل الأمر. أصله أو أمر صاحب الشريعة.
-
فإن قيل: لأن المكلف لا يملك الضمان لأموال المودع والمودع يملك فسخ الوديعة.
-
قلنا: لا يملك عندنا فسخ الوديعة بغير حضرة صاحبها كما لا يملك إبطال أمر الله تعالى ورده.
-
فإن قيل: لو جحد الوديعة أبطل الأمر بالإمساك وبمثله جحدا بأوامر الله تعالى لا يؤثر في إسقاطها عن المكلف.
-
قلنا: رد الأمر كفر وذلك يسقط الأوامر كلها عن المأمور عندنا حتى لا يلزمه شيء منها بعد السلامة كما يسقط الأمر بالجحود في مسألتنا.
-
احتجوا: بما روى الحسن عن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (على اليد ما أخذت حتى ترد) .
-
قلنا: هذا الخبر يقتضي رد العين وذلك لا يكون إلا مع قيامها والخلاف بيننا في وجوب رد القيمة ولأن الخبر يقتضي وجوب ردها وهو مضمون بالأخذ والوديعة لا تكون مضمونه عليه بالأخذ فوجب حمل الخبر على الأعيان المضمونة بالأخذ.
-
قالوا: وديعة تلفت ماله أو تلفت فيها ضمنها فوجب أن لا يزول ضمانها عنه بفعله. أصله إذا جحدها ثم اعترف بها.
-
قلنا: يقتضي إذا أحضر الوديعة بعد التعدي ومكن المالك منها فلم يقبضها وتبطل بالمودع إذا أذن للمودع في عتق عبد الوديعة فتعدى فيه ثم أعتقه.
-
ثم نقول بموجبها: لأن الضمان لا يسقط بفعل المودع لكن إمساكه بأمر صاحب الوديعة وأصلهم الجحود وهو غير مسلم في إحدى الروايتين فإذا قلنا بذلك سقط كلامهم في المسألة.
-
وإن سلمناه فالمعنى فيه أن الجحود الذي تعلق به الضمان هو أن يكون بمحضر من المالك أو وكيله ولو جحد بغير حضرتهما لم يضمن فإذا جحد بحضرة المالك فقد صرف الحفظ عن نفسه؛ لأن جحود العقود يقتضي فسخها ولهذا لو تجاحد
-
١/٤٠٩٠١/٤٠٩٠
المتبايعان انفسخ البيع والمودع يملك عزل نفسه بمحضر صاحب الوديعة.
-
فأما إذا انعزل فلم تعد الوديعة إلا بعقد مستأنف وليس كذلك التعدي مع الاعتراف؛ لأنه لم يرد الأمر بالحفظ فلذلك زال الضمان بزوال سببه.
-
قالوا: وديعة ضمنت بسبب فجاز بقاء الضمان مع زوال السبب كما لو ضمنها ثم بدلها.
-
قلنا: الأصل غير مسلم؛ لأنه إذا منع الاعتراف فالضمان يجب بالتعدي مع بقاء الأمر فيزول بدلها للمالك أخذها أو لم يأخذها.
-
ولو سلمنا ذلك فلأن الضمان وجب بالمنع وذلك لا يزول إلا بالرد والتخلية وفي مسألتنا وجب الضمان بالركوب فإذا نزل عنها فقد زال المعنى الموجب للضمان فوجب أن يسقط الضمان.
-
قالوا: تضمن الوديعة بعدوان فوجب أن تبطل بالاستثمار. أصله إذا جحد الوديعة ثم اعترف بها.
-
قلنا: لا نسلم أن الاستثمار في الجحود بطل بضمان الوديعة ولا بالعقد وإنما ضمن برد الاستثمار حين زعم أنه يمسكها بنفسه وهذا لا يوجد في التعدي.
-
والمعنى في الجحود أن الضمان وجب بالمنع من المالك والمنع لا يزول بالاعتراف وإنما يزول بالتخلية وفي مسألتنا الضمان وجب بالمخالفة وقد زالت بترك التعدي فعادت العين إلى يد المودع كما كانت.
-
قالوا: ما مضى بإخراجه من الموضع المأذون فيه لم يبرأ برده إليه من غير إذن مجرد. أصله: إذا استأجر دابة إلى الكوفة فأخرجها إلى القادسية ثم رد فإذا أزال التعدي فقد عادت العين إلى يد تقوم مقام يد المالك فعاد إلى الكوفة.
-
قالوا: ولذلك قلتم في المستعير إذا تعدى ثم زال التعدي لم يبرأ من الضمان.
-
قلنا: يد المستأجر ويد المستعير غير قائمة مقام يد المالك لأن كل واحد منهما يمسك الشيء لمنفعة نفسه فإذا تعدى ثم أزال التعدي فلم يرد العين إلى يد تقوم مقام يد المالك ويد المودع.
-
وقد دللنا على أنها قائمة مقام يد المالك فكان بردها إلى وكيله.
-
١/٤٠٩١١/٤٠٩١
ومن أصحابنا من قال: إذا أجره إلى الكوفة ذهابا فتجاوزها ثم رجع إليها برأ من الضمان. لأنه مستعمل للدابة بأمر مالكها فكأنه أجرها منه بعد التعدي.
-
وأما إن أعره أو أجره ذهبا فتجاوز ثم ردها إلى الكوفة لم يبرأ لأنه ليس بمستعمل لها بأمر مالكها فلم يبرأ من الضمان.
-
قالوا: من ضمن شيء بإخراجه من الحرز على وجه العدوان لم يزل عنه الضمان برده إلى الحرز كالسارق إذا أخرج الشيء من حرزه ثم رده إليه.
-
قلنا: الضمان عندنا لا يزول برد الوديعة إلى الحرز ولكن بردها إلى يد تقوم مقام يد المالك بأمره وهذا لا يوجد في السارق إذا رد العين إلى بيت المالك.