مسألة ١٢٧
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٬٠٣٤ إلى ٤٬٠٧٠
-
١/٥٦٣١/٥٦٣
أي صيغ التشهد أفضل؟
-
قال أصحابنا: الأفضل تشهد ابن مسعود - رضي الله عنه -، وهو: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي [ورحمة الله وبركاته] ) .
-
وقال الشافعي: الأفضل تشهد ابن عباس - رضي الله عنه -: (التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله [السلام] عليك [أيها] النبي) .
-
لنا: ما روى ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده وقال: (قل: التحيات لله والصلوات ...) وهذا الخبر أولى من جميع الأخبار؛ لأنه أحسنها إسنادا، ولأن أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده تأكيد في التعليم، وقوله (قل) أمر، وأقل أحواله أن يحمل على الاستحباب،
-
ثم علق به تمام الصلاة بقوله:
-
(فإذا قضيت هذا فقد تمت صلاتك) .
-
وروي أن معاوية - رضي الله عنه - روى على المنبر التشهد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل تشهد ابن مسعود، ذكره الطحاوي. وفي حديث جابر مثل حديث ابن مسعود إلا أنه زاد في أوله: (بسم الله وبالله) /.
-
١/٥٦٤١/٥٦٤
ومن أصحابنا من ذكر حديث عمر بن يزيد الأزدي عن سلمان الفارسي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمه التشهد فقال له: (قل: التحيات لله والصلوات والطيبات ... ،
-
ثم قال: قلهن في صلاتك لا تزد فيهن شيئا ولا تنقص منهن شيئا) .
-
وروي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - علم الناس على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد مثل قولنا، فالظاهر أنه أخذ ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولأن اسم الله تعالى إذا قدم علا الممدوح في ابتداء الكلام،
-
ومتى أخر كان محتملا، ولأن يزيل الاحتمال بأول الكلام أولى.
-
ولا يقال: إنه إذا أخر الاسم زاد الاحتمال،
-
وإذا قدمه بقي الاحتمال فيما بعده؛ لأن العطف من حكمه أن يشرك بين الثاني والأول في حكمه،
-
فإذا قلت: هذه الدار لزيد وهذه،
-
فلا احتمال في الثاني بوجه. ولأن الواو تجعل كل لفظ ثناء بنفسه،
-
وإذا سقطت صار جميع الكلام ثناء واحدا، ألا ترى أن قولنا: التحيات: عام فإذا قال: الصلوات، فكأنه قال: [التحيات التي هي الصلوات.
-
ولأن قوله: التحيات عام في الصلاة وغيرها،
-
فإذا قال]: الصلوات، خص اللفظ،
-
وإذا قال: والصلوات نفي العموم في الأول وكرر بعض المذكور. ولأنه ذكر ممتد في أحد طرفي الصلاة فكانت الواو من سننه، كالاستفتاح. ولأن التشهد يتضمن ثناء وشهادة،
-
ثم كان حرف العطف من سنة الشهادة، فكذلك في الثناء.
-
احتجوا: بحديث ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التشهد
-
١/٥٦٥١/٥٦٥
كما يعلمنا القرآن، وكان يقول: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله) . قالوا: وهذا أولى؛ لأن فيه زيادة كلمة، وهو: (المباركات) ولأنه يوافق القرآن: قال الله تعالى: {تحية من عند الله مباركة طيبة} والقرآن أشرف الكلام، فما وافقه أولى. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألقى ذلك إلقاء شائعا ظاهرا، فكان أولى مما لم يلقه على هذا الوصف.
-
ولأنه متأخر عن خبر ابن مسعود؛ لأن ابن عباس صغير السن فنقل ما تأخر عن الشرع، وابن مسعود قدمت صحبته وشهد بدرا والعقبة، فنقل السنن المتقدمة. ولأن ابن مسعود قال: كنا نقول قبل أن يفرض التشهد، فهذا يدل على أن ما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ابتداء ما فرض التشهد، فما سواه متأخر عنه.
-
والجواب: أن خبر ابن مسعود أولى، لما قدمناه، ولأنه وافقه عليه غيره، وخبرهم لم ينقله إلا ابن عباس، ولأن أصحاب الحديث قالوا: لم ينقل في التشهد أحسن إسنادا من حديث ابن مسعود، وحديث ابن عباس رواه أبو الزبير عن سعيد، وطاوس، وقد تكلم في أبي الزبير فقيل: إنه مدلس، وكان شعبة لا يحدث عنه، وقال: رأيته يصلي فما أعجبتني صلاته، ولأن خبر ابن مسعود لم يختلف فيه، وقد اختلف على ابن عباس: فروي: (أشهد أن لا إله إلا الله،
-
وأن محمدا رسول الله، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وروي: (السلام عليك أيها النبي، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله) ، وما لم يختلف فيه أولى.
-
فأما قولهم: إن فيه زيادة لفظة،
-
فلو ترجح بذلك لرجح خبر جابر؛
-
١/٥٦٦١/٥٦٦
لأن فيه زيادة (بسم الله وبالله) ولأن في خبرنا زيادة الواو وزيادة الألف [واللام في (السلام) ]، وزيادة الشهادة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله: (عبده ورسوله) .
-
فأما [قولهم] : إنه يوافق القرآن، فقراءة القرآن تكره في القعدة، فكيف يستحب ما يوافقه. ولأن الله تعالى ذكر تحية مباركة في خطاب الآدميين،
-
وإذا كان الصلاة كلما بعدت عن خطاب الآدمي كانت أولى.
-
وقولهم: ألقاه إلقاء شائعا، كذلك خبر ابن مسعود؛ لأنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، ويعلمنا الواوات. والسورة محصورة. وقول ابن عباس: كما يعلمنا القرآن لا يقتضي الحصر.
-
فأما قولهم: إن خبرنا متأخر فغلط؛ لأن أبا الحسن روى في حديث ابن مسعود قال: كنا نقول في أول الإسلام: التحيات الطاهرات الزكيات، السلام على جبريل والملائكة، فالتفت رسول الله [- صلى الله عليه وسلم -] فقال: (قولوا: التحيات لله والصلوات) ، فدل على أن خبر ابن مسعود متأخر عما رواه ابن عباس من ذكر (المباركات) .
-
وقولهم: إن ابن عباس يروي آخر السنن لصغر سنه غلط؛ لأن الصحابة لم ترجح رواية أصاغرها، ولأن ابن مسعود وإن تقدمت هجرته فقد دامت صحبته إلى أن قبض النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأن أصاغر الصحابة [قد] كانوا يروون الأخبار لأنهم سمعوها من أكابرهم، لا أنهم سمعوها من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
وقد ذكر الدارقطني في حديث ابن عباس أنه قال: أخذ عمر بن الخطاب بيدي فزعم أن
-
١/٥٦٧١/٥٦٧
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده فعلمه: (التحيات لله الصلوات الطيبات المباركات لله) ، فهذا يدل على أن ابن عباس أخذ عن عمر بن الخطاب،
-
ولو كان أخذه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يروه عن عمر،
-
ومتى ثبت أنه أخذ التشهد عن عمر- وعمر قديم الصحبة- سقط ما قالوه.