حكم المرتدة
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٥٬٢٥٨ إلى ٤٥٬٢٩٨
-
١/٥٨٤٢١/٥٨٤٢
قال أصحابنا: المرتدة لا تقتل.
-
وقال الشافعي: تقتل. لنا: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل النساء والولدان وروى أنه مر بامرأة مقتولة فقال: (أما أن هذه لا تقتل) فبين الحكم والعلة وهي موجودة في المرتدة.
-
فإن قيل: هذا قاله في الحربية.
-
قلنا: عموم اللفظ يختص بالسبب.
-
وروى أبو حنيفة عن عاصم عن ابن رزين عن ابن عباس في المرتدة قال: تحبس ولا تقتل.
-
وروى حماد بن سلمة عن قتادة عن حلاس عن علي في المرتدة عن الإسلام: [قد ثبت ما تسرقه وأمه] .
-
وهذا يدل على أنها لا تقتل وإن لحقت بدار الحرب لأن الاسترقاق لا يكون إلا من دار الحرب ولا يعرف لهما مخالف.
-
والذي روي أن المرتدة إن قتلت في زمن أبي بكر فقد روي أن [الحل
-
١/٥٨٤٣١/٥٨٤٣
وطأهن].
-
ويجوز أن تقتل مرتدة قاتلت أو حرضت أو كانت رئيسة طائفة لا تتفرق إلا بقتلها كما تقتل الكافرة الأصلية ولأنه كفر من أنثى فلا يوجب القتل كالكافرة الأصلية ولا يلزم إذا كانت ملكة لأن قتلها التفريق جميع المقاتلين لا لأجل كفرها بدلالة أن أمير الخوارج يقتل بهذه العلة من غير كفر ولا يلزم إذا أظهرت سبه - صلى الله عليه وسلم - لأن الظاهر من المذهب أنها لا تقتل وعلى قول من يقول من أصحابنا أنها لا تقتل للكفر لكن السعى في دارنا بالفساد ولأن كل من لا يقتل بكفره الأصلي لا يقتل بإظهار الكفر بعد الإسلام كالصبي والمجنون ولا يلزم الشيخ لأنه يقتل بكفره إذا كان من ذوي الرأي ومن أصحابنا من قال: الشيخ الذي لا يقتل هو الخرف.
-
وهو لا يقتل إذا ارتد ولا يلزم الرهبان لأنهم يقتلون بكفرهم إذا خالطوا الناس أو دلوا على عورات المسلمين ولأنها ممن لا يستعان بها في القتال غالبًا فلا تقتل لأجل كفرها كالصبي ولأن كل معصية إذا وجدت من الإنسان ابتداء لم يوجب القتل إذا عاد إليها بعد ثبوتها لم نوجب القتل كشرب الخمر وعكسه كفر الرجل.
-
ولا يلزم الشيخ الفاني لأن كفره ابتداء يوجب القتل إذا كان له رأي.
-
ولأن من جاز استرقاقه [إذا كان ...] من العرب لا يجب عليه قتله بإظهار الكفر بعد الإسلام كالصبيان.
-
ولأن الإسلام [أمر طاعة من ائتم لم يستفد به حقن الدم بالإسلام] فلا يجب عليها القتل بإظهار الكفر كالصبي لأنها اعتصمت بدين لا تقر عليها كالوثنية.
-
ولأنها بالردة لم تنقض أحد النصرتين نصرة المقاتلة ونصرة العقل فلم تقتل كالكافرة الأصلية ولا يلزم الشيخ الكبير لأنه نقض بردته نصرة العقل ولأن كفرها لا يؤثر في إزالة ملكها عن مالها ولو نوجب قتلها أصله الصبي إذا أظهر الكفر ولأنه نوع كفر فاختلف في وجوب القتل به الرجل والمرأة بكفر الأصل.
-
١/٥٨٤٤١/٥٨٤٤
فإن قيل: إنما لا تقتل لأنها تسترق ففي قتلها إتلاف مال المسلمين.
-
قلنا: والمرتدة عندنا تسترق ويبطل بالردة بين حال الرجال.
-
احتجوا: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من بدل دينه فاقتلوه) .
-
وقلنا: راوي هذا الخبر ابن عباس وقد روينا عنه أنه قال: المرتدة لا تقتل فلولا أنه عرف تخصيص العموم لم يخالف ظاهر ما رواه.
-
وقد عارض هذا الحديث نهيه عن قتل النساء وهو مبطل لقوله: (أما أن هذا لا يقاتل) فوجب الرجوع إلى الخبر المعلل وتخصيص عموم الخبر المطلوب.
-
ولأن خبرنا يفيد الحظر فهو أولى من خبرهم المفيد للإباحة.
-
فإن قيل: خبركم دخله التخصيص [في الملك.
-
قلنا: وخبركم] دخله فيمن ارتد ثم أسلم ومن انتقل من الكفر إلى الإسلام.
-
قالوا: روى [إبراهيم بن سعد عن الزهري] عن محمد بن المنكدر عن جابر أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام فأمر - صلى الله عليه وسلم - أن يعرض عليها الإسلام فإن أسلمت وإلا قتلت قال المحتج بهذا الخبر وهذا إسناد صحيح.
-
الجواب أن هذا الخبر لا يعرف لم يذكره أهل العلم إلا أبو داود وإنما أورده الدارقطني على عادته في إيراد ما يعلم أنه لا يحتج به رواه على بن بطحاء المحتسب
-
١/٥٨٤٥١/٥٨٤٥
ببغداد عن رجال مجاهيل بينه وبين إبراهيم بن سعد وكفى بابن بطحاء شبهة وروي في كتابه عن محمد بن عياش عن ابن عباس عن أبيه عن محمد بن عبد الملك الأنصاري عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: ارتدت امرأة يوم أحد وأمر - صلى الله عليه وسلم - أن نستتاب فإن تابت وإلا قتلت وإسماعيل بن عياش ضعيف عند أصحاب الحديث فيما يرويه عن الشاميين وأبوه دونه فلم يعترض على هذين الحديثين مع علمه بحالهما وروي عن شعبة عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تقتل المرأة إذا ارتدت) ثم اعترضه فقال رواه عبد الملك بن عيسى الجزري وكان يضع الحديث ولو أنصف لاعتراض ما يوافقه إذا كان معترضًا كما اعترض ما يخالفه وقد كان قصد شيخنا أبا بكر الرازي واعتذار إليه من هذا الكتاب وقال: قد علمت السنن لأصحاب الشافعي ثم أعمل بعدة سننا لأصحاب أبي حنيفة فقال له رحمه الله: لا تتعب نفسك فإنا لا نقبل ما ترويه لنا كما لا نقبل ما رويته علينا.
-
فأما حديث أم مروان فهو غلط [وحسر وأين] أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا وقال قصة يجب أن يشتهر ملك عنها وهو يرى أن المرتدة وإنما هذه عصماء بنت مروان اليهودية كانت من جملة المعاهدين فنقضت العهد عام بدر وحرضت على قتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقتاله فقالت في أبيات لها:
-
فباست بني ملك والنبيت .... وعرف وباسبت بني الخزرج
-
أطعتم أتاوى من عندهم ....
-
فلا من مراد ولا مذحج
-
إلا ما حد ينفي ركعة .... فيقطع من أملح المرتجى
-
سمع بهذا الشعر [سالم بن عمر] المذحجى فجعل له على نفسه إن رد الله نبيه من بدرٍ أن يقتلها وكان ضعيف النظر فجاء ليلاً وأولادها في صدرها ففرق
-
١/٥٨٤٦١/٥٨٤٦
بينها وبينهم بيده ثم وضع السيف في صدرها فقتلها وهذه قصة معروفة رواها أهل السيرة وإنما يعني ارتدت أي نقضت العهد فرجعت عنه ولا معنى للتشاغل بتناول أخبار لا أصل لها وأخبار غلط رواتها.
-
وقد ناول [بعض] أصحابنا ظاهر الخبر فقال هو محمول على أنها ارتدت فقاتلت أو كانت ممن يطاع في الحرب وهذا المعنى تقتل به الكافرة الأصلية كذلك الكافرة المرتدة.
-
قالوا: كفر بعد إيمان فوجب القتل به كالرجل.
-
قلنا: المعنى فيه أن الرجل يستعان به في القتال غالبًا ولا يوجد من المرأة أو نقول المعنى فيه أنه لا يسترق إذا كان فعلنا تغليبًا عربيًا وكانت المرأة تسترق إذا كانت من عبدة الأوثان من العرب لم تقتل كالصبي.
-
قالوا: المرأة تقتل بالزنا فتقتل بالردة وتقتل قصاصًا فقتلت بالردة وربما قالوا: كل معنى أوجب القتل على الرجل أوجب القتل على المرأة وأصله الزنى والقتل.
-
قلنا: اعتبار الردة بالكفر الأصلي اعتبار كفر بكفر وهو أولى من اعتبار كفر بقصاص وزنا ولأن الزنا والقصاص إذا وجد منها ابتداء وجب القتل كذلك إذا وجدنا [بالماء] ولما كان الكفر إذا وجد ابتداء من المرأة لم يوجب القتل كذلك إذا وجد في الزاني لا يوجبه.
-
قالوا: كل كفر ضمان بدل النفس أباح القتل أصله الرجل.
-
قالوا: ولا ينتقض بناء أهل الحرب وصبيانهم لأن أنفسهم قط لم تكن مضمونة فزال ذلك الضمان بالكفر.
-
قلنا: بالردة حل عقد عقدة الإنسان على نفسه فتعود كله إلى ما كان عليه قبله لنقص البيع لأنها قبل إسلامها محظورة القتل ودمها مقوم كذلك لما عادت لفسخ العقد إلى ما كانت عليه.