حكم الزنديق
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٥٬٢٩٩ إلى ٤٥٬٣٠٩
-
١/٥٨٤٧١/٥٨٤٧
روي عن أبي حنيفة أن الزنديق ليس بالأعز إذا أظهرنا عليه قتلناه ولم تقبل توبته وروى عنه أن توبته تقبل. وروي عنه أن توبته تقبل، وبه قال الشافعي: لنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من بدل دينه فاقتلوه) وهذا يقتضي وجوب القتل بكل حال تاب أو لم يتب ويدل عليه أنه - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة أسلم منهم من أسلم وبقي على الشرك بطون من الأوس عاهدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - على نصرته كمن أسلم وعاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - جميع اليهود على أن يكونوا كالمسلمين ينصرون ويعقلون وينصرهم المسلمون ويعقلون عنهم فلما نصر الله رسوله يوم بدر مضى كعب بن الأشرف إلى مكة فرثى قتلى بدر وحرض قريشًا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - حسان بن ثابت فنزل الذين نزل بهم من قريش فأخرج رجله فرجع فظهر للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان من العهد فأمر عليه السلام جماعة اغتالوه ليلا فقتلوه ولا سبب ولا عصم دمه إظهار العهد فدل على أن من أظهر غير ما يبطن قتل بالمعنى الذي يبطنه ولم يعصم دمه ما يظهره ولأن عبد الله بن مسعود ظهر على ابن النواحة بالكوفة وهو يبطن من مسيلمة فقتله ولم يعرض عليه التوبة واستتاب [قومه] ونفاهم إلى الشام فدل على أن في الكفار من يقتل ولا يستتاب وهو المشهد من جماعة الصحابة بالكوفة ولم ينكروه ولأن الزنديق من عادته أن يدعو إلى ما يعتقد فيضم إلى كفره السعي في الأرض بالفساد فصار كالمرتد إذا قطع الطريق وتاب بعد القدرة عليه ولأنه لا يوثق بما يظهرونه من التوبة لأن من عادتهم أن يجعلوا لكل ظاهر باطنا وإنما يقبل ما يظهره الإنسان بحق الظن فإذا تحققنا من عادتهم خلاف ذلك زال الظاهر فلم يقبل التوبة ولأن القتل تارة يستحق بالكفر وتارة بغيره ثم كان في القتل المستحق بغير الكفر ما لا يسقط بالتوبة أن يكون في
-
١/٥٨٤٨١/٥٨٤٨
القتل المستحق بالكفر ما لا يسقط أيضًا وليس إلا في الزنديق.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا} .
-
قلنا: هذا قاله في الحربي بدليل قوله: {تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة} فأخبر تعالى أنه لا يجوز أن يرد ظاهر الإسلام طلبًا للاسترقاق وللمفاداة [إنما يكون في الحرب والحربي يقبل ظاهر إسلامه باتفاق وأما قوله تعالى] {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} فالكفار في زمنه عليه السلام كانوا يبطنون ما يظهرون فتوبتهم مقبولة وكان فيهم عدد قليل
-
بخلاف ذلك وهم المنافقون وكان - صلى الله عليه وسلم - كف عن قتلهم مع علمه بإقامتهم على الكفر لمصلحة فلم يبق هناك من لا يقبل ظاهر توبته وإطلاق فيما حدث من بعد قوله - صلى الله عليه وسلم -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا عصموا مني دماءهم) وقال لأسامة بن زيد (أتقتل رجلاً يقول لا إله إلا الله) لا دلالة فيه لأن الذين قاتلهم النبي لم يكن فيهم من يستر بالكفر ويظهر غيره فظاهر إسلامهم مقبول ولو قاتل من هذه لم يقتل ما يظهره ألا ترى أن الإسلام في حقن الدم كالعهد ولم يلتفت - صلى الله عليه وسلم - إلى ما أظهره كعب بن الأشرف لما أبطن النقض والنكث بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فلو كان في زمنه منافقون يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام مثل عبد الله بن أبي وغيره ونزل في أمرهم القرآن ولم يقتلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بل نهى عن قتلهم.
-
قلنا: المنافقون كانوا كفارا شهد الله تعالى بكفرهم واطلع نبيه على
-
١/٥٨٤٩١/٥٨٤٩
حالهم فعرفهم بأعيانهم وعرفهم لحذيفة بن اليمان وخصه بذلك من بين الصحابة وهذا أقوى من قولهم مع إظهار الشهادة كفار لا يعتقد ما أظهرناه ولو قال ذلك لوجب قتلهم باتفاق فكيف لا يجب قتلهم إذا علم كفرهم بما هو أقوى منه وإنما كف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتلهم [المصلحة ...]
-
لانتسابهم وحتى لا يؤدي ذلك إلى ديتهم.
-
ومن عرف السيرة علم ما جرى بين المسلمين من الأوس والخزرج من الممارة في قتلهم حتى كاد أن يقتلوا ونحن الآن إذا خفنا مثل ذلك تحققنا عن القتل، وقد قيل أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقتلهم حتى لا يدعي عليه المشركون أنه يقتل من آمن به واتبعوه فينفروا عن الإسلام فلم يصح الاحتجاج بذلك.
-
قالوا: توبة من كفر فأشبه الكافر الأصلي وقال: زنا بالشهادتين.
-
قلنا: الكافر الأصلي إما يفارق توبته ما يمنع من صحتها والزنديق فارق توبته ما يمنع من قبولها.