مسألة ٦٢٦
التجريدالحنفيةالمسائل ٢٠٬٣٣٨ إلى ٢٠٬٤٣٥
-
١/٢٥١٣١/٢٥١٣
الحكم فيما إذا باع عيناً بثمن فلم يقبضه حتى اشتراها بثمن أقل
-
قال أصحابنا: إذا باع عيناً بثمن فلم يقبضه حتى اشترى تلك العين بأقل منهن لم يصح البيع الثاني.
-
فإن اشتراه بمثل الثمن الأول أو أكثر؛ جاز.
-
وهذا قول عائشة، وابن عباس، ومجاهد، وعلقمة، والشعبي، والنخعي، وسعيد بن المسيب، وأبي بكر بن حزم، وشريح، والقاسم، وسالم، وسليمان بن يسار.
-
وقال الحسن، وابن سرين: لا يجوز الشراء بأقل قبل حلول الأجل.
-
وقال الثوري، ومالك، والحسن بن جبير: مثل قولنا.
-
وقال الشافعي: يجوز أن يشتريه كيف شاء.
-
١/٢٥١٤١/٢٥١٤
لنا: ما روى جرير بن حازم، وزهير بن معاوية (عن أبي إسحاق الهمداني عن امرأته- أم يونس- أنها حجت فدخلت على عائشة مع أم محبة أم ولد زيد بن أرقم الأنصاري، فقالت لها أم محبة: يا أم المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم، قالت: نعم، قالت وإني بعته عبداً إلي العطاء بثمانمائة درهم، فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته [منه] قبل محل الجل بستمائة درهم، فقالت: (بئس ما شريت وبشس ما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لم يتبن قالت: فقلت: أرأيت إن تركت [المائتين] وأخذت الستمائة؟
-
قالت: نعم {فمن جاءه
-
١/٢٥١٥١/٢٥١٥
موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف}.
-
وجه الدلالة من هذا الخبر: أن الصحابي إذا قال ما لا يدل عليه القياس حمل على التوقيف.
-
ولأن ما ذكروه مقدار من العقوبة، ومقادير العقوبات إنما تعلم توقيفاً، فكأنها روت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ذكرت.
-
فإن قيل: أم يونس مجهولة.
-
قلنا: هذه امرأة معروفة، وهي العالية بنت أيفع، زوجها إمام من
-
١/٢٥١٦١/٢٥١٦
أئمة المسلمين، وهو أبو إسحاق السبيعي، وابنها يونس ممن قبلت روايته، وروى عن أبي بردة، عن أبي موسى، ومجاهد، والسبيعي.
-
وابنا ابنها: إسرائيل بن يونس، ومنزلته معروفة، فروى عن جده، عن غيره، والآخر: عيسى بن يونس، وهو حجة في الرواية، وقد كان ابن عيينة يعظمه،
-
وإذا رآه قال: مرحباً بالفقيه ابن الفقيه.
-
ثم قد روى هذا الخبر عنها: زوجها أبو إسحاق وابنها يونس، وعمل به أئمة بلدها: أبو حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، مع
-
١/٢٥١٧١/٢٥١٧
علمهم بأهل بلدهم وأحوالهم، وهذا تعديل لها وقبول لروايتها.
-
وقد قبل أهل المدينة حديث حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن جدتها أسماء [قالت] : (إنا نحرنا فرساً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكلناه) .
-
وكل واحدة من هاتين غير معروفة بنقل الحديث وليس لهما حظ هاتين من الشهرة.
-
فإن قيل: لا يخلو أن زيد بن أرقم علم هذا التوقيف أو لم يعلم،
-
ولا يجوز أنه يعلمه ويقدم على النهي،
-
وإذا كان لا يعلمه لم يجز أن يبطل خياره، فكيف يصح هذا الخبر؟
-
قلنا: قولها: (أبلغي زيد بن أرقم أن الله أبطل جهاده إن لم يتب) بعد هذا التسامع، فكأنها أقامت الحجة عليه في الذي نبهت إليه، وهو إبطال الجهاد بترك التوبة بعد العلم.
-
فإن قيل: زيد بن أرقم مخالف لعائشة، وكذلك ابن عمر.
-
١٢١٦٧٠ قلنا: لم نحتج بقولها، وإنما احتججنا بما دل على قولها من
-
١/٢٥١٨١/٢٥١٨
التوقيف.
-
فإن قيل: لو كان عندها في ذلك أمر لروته في طول عمرها، كما روت غيره مما سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
قالوا: وقد كانوا يروون عنه الحوادث، وهذا القول رواية منها؛ لأن إبطال الجهاد أمر لا يعلمه إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -، كأنها قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: من عقد هذا العقد يبطل جهاده.
-
فإن قيل: قد كانوا يذكرون مثل هذا في مسائل الاجتهاد تعظيماً، كما قال ابن عباس في الجد: (ألا يتقي الله زيد بن ثابت) ، وقال في العول: (من شاء باهلته أن الله لم يجعل في المال نصفاً ونصفاً وثلثاً) .
-
وقال علي: (من سره أن يتقحم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة) .
-
قلنا: هذا لا يشبه ما ذكرنا؛ لأن ابن عباس [قال] : (ألا يتقي الله) لبشر بن عبد.
-
١/٢٥١٩١/٢٥١٩
وإنما معناه: ألا يتقي الله ويبالغ في النظر والاجتهاد،
-
ولا يترك هذا الطريق الظاهر من أن أبا الأب، كابن الابن.
-
وقول ابن عباس صحيح؛
-
فإن الله تعالى لم يجعل في مال واحد، نصفاً ونصفاً وثلثاً، وإنا أثبتنا المضاربة فيه بهذه السهام، فموضع المباهلة ليس هو موضع الاجتهاد، وإلا أنكر على من قال: إن القول منصوص عليه.
-
وقول علي - رضي الله عنه -: محمول على من حكم بين الجد والإخوة بغير علم، بدلالة: أنه حكم بينهما مع هذا القول، لا يجوز أنه نظر به، أنه فعل ما ذكر.
-
فإن قيل: عائشة رضي الله عنها أنكرت العقدين فقالت: (بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت) .
-
قلنا: بل أنكرت الثاني: لأن شريت واشتريت بمعنى واحد، وقد تكرر العرب المعنى الواحد بلفظين تأكيداً، وتعطف أحدهما على الآخر.
-
ولأن الثاني غير الأول في اللفظ وإن كان إياه في المعنى؛ قال الله تعالى: {إن علينا جمعه وقرآنه} ، والقرآن هو الجمع.
-
وأنشد.
-
فقدَّدت الأديم [لراهشيه] .... وألفى قولها كذباً ومينا
-
والدليل على ذلك من الخبر: أنها قالت: (أرأيت إن تركته-
-
١/٢٥٢٠١/٢٥٢٠
يعني العبد- وأخذت الستمائة)، فتلت الآية؛
-
فلو كان الإنكار على العقدين لم يجز أن تمتنع؛ لأن الأول إذا صار سبباً للثاني استويا في اللفظ، كقوله تعالى: {وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها} .
-
فإن قيل: إنما أنكرت عائشة العقدين؛ لأن الأول كان إلى العطاء، وهو بيع فاسد، والثاني أيضاً.
-
قلنا: البيع إلى العطاء جوزه علي بن أبي طالب، وعائشة، وابن عمر رضي الله عنهما، فكيف يبطل به الجهاد؟ وكيف يصح ذلك، وقد جوزت تبقية العقد الأول لما سألتها عن رد العبد وأخذ الستمائة؟.
-
قلنا: لأنه لو كان الأمر كما قالوا كان البيع الثاني فسخاً للأول، ولم يجز بنفسه.
-
ويدل عليه: ما روي عن ابن عباس، أنه سئل عمن باع حريرة بمائة نساء،
-
ثم اشتراها بخمسين نقداً؟ فقال: المائة بخمسين، والحريرة أدخلت بينهما الربا).
-
والربا اسم شرعي لا يعلم إلا من جهة التوقيف،
-
فإذا قاله الصحابي حمل على أنه رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن البيع من الأعيان يستعمل على مبيع وثمن،
-
وإذا كان لعدم قبض المبيع تأثير في المنع من التصرف [فيه، كذلك عدم قبض الثمن جاز أن
-
١/٢٥٢١١/٢٥٢١
يكون له تأثير في المنع من التصرف] في المبيع.
-
وتحريره: أنه أحد العوضين في بيوع الأعيان، فجاز أن يكون لعدم قبضه تأثير في منع التصرف في البيع. أصله: المبيع،
-
وإذا باع عيناً بعين.
-
ولا يلزم عند التسليم؛ لأنا قلنا: بيع الأعيان،
-
ولا يمكن القول بموجبه من التصرف؛ لأنه من عقود الأثمان.
-
ولا يقال: بموجبه إذا باع عيناً بعين، لأن كل واحد من العوضين مبيع.
-
وقولنا: (فكان لعدم قبضه تأثير في التصرف في المبيع) يقتضي: أن يكون أحد العوضين مبيعاً.
-
ولأنه اشترى ما باعه قبل نقد الثمن بأقل منه؛ فلم يجز، أصله: العقار.
-
ولأنه اعتقد إن وقع على العقار قبل القبض [لم يصح، فكذا إذا وقع على العروض قبل القبض] ، أصله: إذا باع بشرط فاسد.
-
ولأنه سبب يرجع به جميع ما تناوله العقد الأول إلى البائع قبل استيفاء أحكامه، فلم يجز بأقل من الثمن الأول، أصله: هلاك المبيع.
-
ولأنه عقد على ما تناوله البيع الأول عقداً يقصد به المسامحة، فيكره فيه الخطأ قبل قبض الثمن، أصله: الإقالة.
-
ولأن ما لم يقبض منه؛ لم يجز بيعه من بائعه بأقل منه، أصله: إذا ابتاع دراهم بدنانير، وقبضها ولم يقبض الدنانير لم يجز بيع الدراهم منه بأقل.
-
١/٢٥٢٢١/٢٥٢٢
ولأنه إذا سلم المبيع فقد صار المبيع والثمن من ضمان المشتري،
-
وإذا اشترى المبيع ببعض/ الثمن الذي في الذمة فقد استفاد ربحاً منها لم يضمنه، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ربح ما لم يضمن، ولهذا لو باعه بمثل الثمن جاز لأنه لم يستفد بالعقد ربحاً.
-
ولا يلزم: إذا باعه المشتري فاشتراه البائع الأول من المبتاع الثاني؛ لأنه يضمن الثمن بالعقد فيستفيد ربح ما ضمن.
-
ولأن الربح لم يحصل له، الجواز أن يهلك ما في ذمة الأول.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} ، وقال عليه [الصلاة] والسلام:
-
(وإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم) .
-
والجواب: أن هذا يدل على جواز البيع في الجملة.
-
ونهيه عليه [الصلاة] والسلام عن ربح ما لم يضمن بيان الأحوال جواز البيع،
-
وكذلك خبر عائشة رضي الله عنها، فيستعمل كل واحد منهما، وهذا إلزام على أصلهم في قضاء الخاص على العام.
-
قالوا: كل مبتاع لو باع متاعه من غير بائعه بثمن صحيح،
-
فإذا باعه من بائعه بذلك الثمن صح، كما لو كان بعد القبض.
-
قلنا: يبطل على أصلكم بالمسلم إذا اشترى من الكافر عبداً مسلماً، أو مصحفاً يجوز بيعه من غير بائعه،
-
ولا يجوز بيعه من بائعه.
-
ولأن بعد التقابض تبين فيه أحكام العقد للأول، وقبل
-
١/٢٥٢٣١/٢٥٢٣
القبض لم يستوف الأحكام، وحكم الأمرين مختلف في باب التصرف؛ الدليل عليه: قبض المبيع.
-
قالوا: كل ما لو باعه بمثل ذلك الثمن قبل القبض صح. أصله: إذا كان بمثل الثمن.
-
قلنا: البيوع بمثل الثمن لا يقصد به الاستفضال، [وبأقل يقصد به الاستفضال] ، والفضل فيما لم يضمنه، فيحرم، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر.
-
فإن جعلوا أصل العلة: إذا اشتراه بعوض؛ فالمعنى فيه: أن العوض مضمون عليه، ويحصل له العوض فيما ضمنه،
-
وإذا اشترى بثمن صار قصاصاً بما في الذمة فيكون ربح ما لم يضمن.
-
قالوا: كل واحد من العقدين منفرد عن الآخر، يحتاج إلى إيجاب وقبول وتراض؛ فوجب أن لا يبنى أحد العقدين على الآخر.
-
قلنا: هذا يبطل بالإقالة،
-
ولا تفتقر إلى إيجاب وقبول، وتبني على العقد الأول،
-
ولا تصح بأكثر مما سمي فيه من الثمن، فكذلك ها هنا لمن قصد العقدين بقصد واحد.
-
قالوا: لو كان المنع من العقد الثاني للربا؛ لوجب إذا باعه بأكثر من الثمن الأول،
-
ولا يجوز؛ لأن الربا لا يجوز بالزيادة ولا بالنقصان.
-
قلنا: إذا باع بمثل الثمن أو زيادة فلم يقصد بالعقدين مقصد عقد
-
١/٢٥٢٤١/٢٥٢٤
واحد، بدلالة: أن الإنسان لا يبيع الشيء بثمن ويبتاعه بأكثر منه وهذا الغرض غرضه ابتداء فلذلك لم يجز.
-
فإن قيل: من أصلكم: أن من باع من رجل تمراً رديئاً بتمر ثم اشترى بذلك التمر تمراً جيداً ثم أولى منه جاز،
-
وإن كان هذا لا يجوز أن يكون غرضه ابتداء، ولم تجعلوا العقدين كالعقد الواحد.
-
قلنا: هناك لا يجوز إلا بعد قبض الثمن فيستوفي حقوق العقد الأول،
-
ولا شيء للثاني عليه،
-
وإن كان غرضه النقصان ابتداء؛ لأنه إن قصد مقصد عقد واحد لم تكمل أحكام العقد الأول.