مسألة ١٨
التجريدالحنفيةالمسائل ٥٥٤ إلى ٦٠٥
-
١/١٢٧١/١٢٧
السنة مسح الأذن بالماء الممسوح به الرأس
-
قال أصحابنا: السنة مسح الأذن بالماء الذي مسحَ به الرأس.
-
وقال الشافعي: يفرد بالماء.
-
لنا: ما روت الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح مقدم رأسه ومؤخره،
-
ثم أجرى يديه على صدغيه،
-
ثم مسح باطن أذنيه وظاهرهما بالمسح الواحدة التي مسح بها رأسه.
-
وروى واصل بن السائب الرقاشي عن أبي سودة بن أخي أبي أيوب
-
١/١٢٨١/١٢٨
الأنصاري عن عمر قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ استنشق بالماء وتمضمض،
-
وإذا مسح رأسه بإصبع واحدة ما أدبر من أذنه مع رأسه.
-
قالوا: يحتمل أن يكون أجس الأذن بعض أصابعه.
-
قلنا: الراوي أخبر أنه مسح مسحة واحدة،
-
ومتى أفرد الإصبع كانت مسحتين، وروى أنس وابن عباس وأسامة وأبو أمامة وأبو هريرة وابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الأذنان من الرأس) )، وهو لا يعلمنا المشاهدة، فلم يبق إلا بيان الحكم،
-
ولا يجوز أن يكون ذلك الحكم بيان الموضحة وحكم الإحرام؛ لأن ابن
-
١/١٢٩١/١٢٩
عباس روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح أذنيه، وقال: الأذنان من الرأس، فدل أنه أراد حكم الطهارة، فلم يبق إلا أن يكون المراد بها: يمسحان مع الرأس، أو: يمسحان كالرأس، وتساويهما في المسح لا يوجب كون أحدهما من الآخر، كما لا يقال: اليد من الوجه، فلم يبق إلا ما ذكرناه.
-
ولا يقال: إضمارنا أولى؛ لأنا بَيَّنَّا أنه لا يصح أن يراد،
-
فلا معنى للترجيح، ولأنا أضمرنا: مع الرأس، أو بماء الرأس، وهذا مثل إضمارهم.
-
ولا يقال: راوي هذا الخبر شهر بن حوشب، وقد سرق خريطة من بيت المال، فقال فيه الشاعر:
-
لقد باع شَهرٌ دِينَه بخريطةٍ ...
-
فمَن يأمنُ القُرَّاءُ بعدك يا شهرُ
-
وذلك لأنا بينا كثرة طرق الخبر، ولأن شهر بن حوشب أحد الزهاد، وَليَ بيت المال بجرجان، فأخذ خريطة وضع فيها مفاتيح بيت المال، فمدحه هذا الشاعر، فلم يجَزه؛ فهجاه وكذب عليه، وهذا لا يَقْدَح في الرواية.
-
١/١٣٠١/١٣٠
قالوا: الأذن بين ممسوح ومغسول، فأشكل أمرها، فقال عليه السلام: الأذنان من الرأس؛ لئلا يظن أنها تغسل كالوجه.
-
قلنا: لو كان كذلك لوجب أن يبين حكمها بلفظ صريح،
-
فأما أن يضيفها إلى عضو آخر فهذا لا يدل على التساوي في الطهارة،
-
ولو كان كما قالوا لواجب أن يبين حكم البياض الذي مع العذار؛ لأنه بين مغسول وممسوح، وطهارته واجبة، فهو أحوج إلى البيان من المسنون؛ ولأنه أصل في مسنون المسح، فلم يكن من سننه إفراد الماء، كما لو زاد على قدر الفرض، ولأن المسنون على ضربين: أحدهما: يتميز عن الوضوء، والآخر: لا يتميز عنه.
-
فإذا كان أحدهما لا يفرد بالماء كذلك الآخر، ولأنه مَسْح زيد على مفروضه على وجه السنة، كمسح الخف.
-
قالوا: المعنى في مسح الرأس والخف: أن جميعه يجزئ عن الفرض، فصار في حكم الشيء الواحد، والأذن لما خالفت الرأس في حكم الإجزاء صارا كالعضوين.
-
قلنا: تَساوي الرأس في المسح في الجواز عن الفرض يدل على تأكده،
-
فإذا لم يفرد مع التأكيد، فالأضعف أولى، ولأن باطن الخف لا يُفْرَد بالماء عندهم،
-
وإن كان يخالف ظاهره في الأداء عن الفرض.
-
احتجوا: بحديث المقدام: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ فغسل وجهه،
-
ثم يديه، ثم مسح رأسه،
-
ثم أذنيه. وثم للمهلة.
-
١/١٣١١/١٣١
والجواب: أنه يجوز أن يتراخى مسح الأذنين عن مسح الرأس والماء واحد،
-
ولا دليل في التراخي على تجديد الماء.
-
والجواب: أن تجديد الماء لا يدل على أن الماء الواحد لا يجزئ، والاقتصار على ماء واحد يدل على أنه لا يُسَنَّ الإفراد، ألا ترى أن من غسل وجهه بماء بعد ماء لم يخرجه من حكم العضو الواحد وإن جاز بمرة واحدة، ولأن هذا حكاية فعل، فيجوز أن يكون نشف الماء في يده فجدد أخذ الماء كما يجدد لأبعاض رأسه ثم نشف الماء،
-
وإن جاز بماء واحد.
-
قالوا: كل ما لا يجزئ مسحه عن مسح الرأس لا يُمْسَح مع الرأس، كالجبهة.
-
قلنا: كونه لا يجزئ عن الفرض لا يمنع كونه تبعًا، كالأنف مع الجبهة عندهم، وأسفل الخف في المسح، ولأن الجبهة ليست من سنن المسح فلم تتبع الرأس، والأذن أصل من مسنون المسح.
-
قالوا: كل ما لا يجزئ تقصيره في الحج لم يكن من الرأس، كالقفا.
-
قلنا: ليس بين المسح والحلق تجانس،
-
فلا معنى لاعتبار أحدهما
-
١/١٣٢١/١٣٢
بالآخر، ثم إنَّ التقصير لا يتعلق بالأذن فرضًا ولا سنة،
-
فلا معنى لذكر صفاته، ولما تعلق بها المسح جاز اعتبار صفاتها.
-
قالوا: أحد نوعي فعل الطهارة، فوجب أن يكون سنته سنة مفردة بالماء، كالغسل.
-
قلنا: الغسل آكد والمسح أضعف، فجاز أن تتأكد سنن الغسل بالإفراد، وتصف المسح إلى المسح، وقد ذكر ابن شجاع عن أصحابنا فيمن اغترف غرفة فغسل منها وجهه وتمضمض، جاز، وكان حسنًا، فلم نُسَلِّم الأصل.
-
قالوا: الرأس تتعلق به أحكام المسح، والحلق، والتقدير في الموضحة، والأذن تنفرد في هذه الأحكام.
-
قلنا: أما الحلق فلا يتعلق بها،
-
فلا معنى لذكر انفرادها،
-
وأما الموضحة فلا تتصور في الأذن؛ لأنه لا عظيم فيها،
-
فإن أوضح العظم من موضع الأذن تعذرت الموضحة.
-
قالوا: البياض الذي بين الأذن والرأس أقرب إليه، وهو ينفد عنه.
-
قلنا: لا نسلم؛ لأن ذلك من الرأس، ويجزئ مسحه عن الفرض.