فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

مسألة ٧٤١

التجريدالحنفيةالمسائل ٢٤٬٨٨٢ إلى ٢٤٬٩٥٨

  1. ١/٣٠١٤١/٣٠١٤

    الكفالة بالنفس

  2. قال أصحابنا: الكفالة بالنفس جائزة.

  3. وهل يجوز ببدن مَنْ عليه حد أو قصاص؟ قال في الأصل: وإذ كفل رجل نفس رجل والطالب يدعي عليه دم عمد أو قصاص فيما دون النفس، أو حدًّا في قذف أو سرقة، أو خصومة في دار أو غير ذلك فالكفالة بالنفس في ذلك جائزة، وقال في الكتاب:

  4. ولا ينبغي للقاضي أن يأخذ كفيلًا بالقصاص في النفس ولا دونها ولا في حد القذف والزنا والشرب والسرقة.

  5. قال أبو بكر الرازي: هذا محمول على أن القاضي لا يطالب بكفيل،

  6. وإن بذل المدعى عليه جاز.

  7. وقال الشافعي: في عامة الكفالة جائزة، وقال في الدعوى: هي عندي ضعيفة،

  8. فمن أصحابه من قال: يجوز قولًا واحدًا، وقوله: ضعيفة، يعني في القياس.

  9. وقال المزني: فيها قولان، استخرج قوله: إنها ضعيفة قولًا واحدًا.

  10. ١/٣٠١٥١/٣٠١٥

    لنا: قوله تعالى: {لتأتنني به إلا أن يحاط بكم} ، فألومهم رده وهذا معنى الكفالة بالنفس، وقد روي عن ابن عامر في تأويل الآية: أنه كفلهم بنفسه.

  11. ولا يقال: إنما استحلفهم على رده إليه، لأنه قال موثقًا من الله، واليمين هي موثق من الله.

  12. ولا يقال: إنه لم يجب عليه حق لأبيه حتى يكفلهم برده، لأنه كان يجب عليه طاعة أبيه وخدمته والعود إليه، فضمنهم ذلك، كما يتكفل بإحضار من وجب عليه دين أو غيره، ويدل عليه: قوله - صلى الله عليه وسلم - (الزعيم غارم) ، وهو عام.

  13. فإن قيل: هذا دليل عليكم، لأنه - صلى الله عليه وسلم - حكم بصحة الكفالة التي يلزم الكفيل فيها الغرم، والكفيل بالنفس لا يغرم شيئًا.

  14. قلنا: المغرم الملزم مستوفي اللزوم، والكفيل بالنفس ملتزم.

  15. ويد عليه: إجماع الصحابة، روي (أن رجلًا أتى ابن مسعود - رضي الله عنه - فأخبره أنه سمع ابن نواحة يؤذن ويقول: أشهد أن مسيلمة رسول الله، فدعاه فاعترف بذلك، فعرض التوبة عليه فلم يتب، فأمر عبد الله بن مسعود قرظة بن كعب الأنصاري، فأخرجه إلى السوق فجز رأسه،

  16. ثم استشار أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -

  17. ١/٣٠١٦١/٣٠١٦

    في قومه، فقال عدي بن حاتم: ثؤلول الكفر أطلع رأسه فاحسمه،

  18. فلا يكون بعده شيء، وقال الأشعث بن قيس، وجرير بن عبد الله: بل استتبهم وكَفَّلْهم عشائرهم، فاستتابهم وكفلهم عشائرهم ونفاهم إلى الشام).

  19. فاتفق على جواز الكفالة: ابن مسعود، وجرير بن عبد الله، والأشعث بن قيس، وقرظة بن كعب، وعدي بن حاتم، وغيرهم.

  20. وروي: (أن حمزة بن عمرو الأسلمي أراد أن يرجم رجلًا قد زنا، [فقيل له: أصلحك الله، إن أمره رفع إلى عمر، فجلده مائة ولم ير عليه الرجم] ، فأخذ حمزة بالرجل كفيلًا حتى قدم على عمر، فسأله عن ذلك فصدقه) ، وحمزة من أكابر الصحابة، ولم ينكر عمر الكفالة.

  21. وروي: (أنه كان لعبد الله بن عمر على عليَّ بن أبي طالب دين: فتكفلت أم كلثوم بنت علي بعلي) .

  22. ولا يقال: تكفلت بالدين الذي عليه، لأن المروي: أنها تكفلت به.

  23. ومن أصحابنا من حكى عن عثمان، وعمران بن حصين جواز ذلك،

  24. ١/٣٠١٧١/٣٠١٧

    ولا يعرف له مخالف، وهذه المسألة فيها إجماع بعد الصحابة أيضًا، أنه لم يقل أحد من الفقهاء ببطلانها،

  25. ولا صرح الشافعي بذلك، وأهل الأعصار يعتقدونها من غير مانع ولا نكير، فدل ذلك على جوازها.

  26. فإن قيل: أصحابن ابن نواحة تابوا، فلم يجب عليهم شيء، فكيف يصح الكفالة بها في حق من لا يجب عليهم؟.

  27. قلنا: يجوز أن يكونوا أظهروا التوبة ولم يبطنوها؟، ألا ترى: أن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال لصاحبهم: ما فعل القرآن الذي كنت تقرأ؟ قال: كنت أتقيكم به، فلما جوزوا ذلك يتحقق سقوط الحد عنهم، فكفلهم لهذا المعنى.

  28. فإن قيل: الكفالة في الحدود لا تجوز عندكم.

  29. قلنا: قد بينا أنها جائزة، وإنما لا يطالب الإمام بها، فيجوز أن يكون القوم بذلوها ولم يبدئ بمطالبتهم.

  30. ولأنه نوع كفالة، فكان فيها ما يصح، كالكفالة بالمال.

  31. ولا يمكن القول بموجبها في الأعيان المضمونة، لأن ضمان الأعيان فيها وجهان، فرع على هذه المسألة.

  32. فإذا قالوا: إن الكفالة لا تجوز، كذلك بالعين.

  33. ولأن كل عقد لا يفتقر إلى التأجيل إذا صح بما في الذمة، صح بالعين، كالبيع، والإجارة.

  34. فإن قبلوا فقالوا: يصح على نفس الحر، لم يكن للوصف في القلب تأثير.

  35. ولأن كل ما يلزم المدعي عليه لا يجوز فيه النيابة، صحت الكفالة به

  36. ١/٣٠١٨١/٣٠١٨

    مع القدرة على تسليمه، كالأموال.

  37. احتجوا: بأنه يثبت في ذمته عينًا بعقد، أو ضمن بيعه عينًا بعقد، فوجب أن يكون باطلا، كما لو أسلم في ثمرة نخلة قائمة.

  38. قلنا: لا نسلم أنه يثبت في ذمته عينًا، وإنما ضمن الإحضار، وذلك ليس بعين.

  39. فإن قيل: هذه المسألة عبر عنها الفقهاء بأنها كفالة بالنفس.

  40. قلنا: معناه: كفالة بإحضار النفس، وقد يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه.

  41. فأما السلم في الأعيان:

  42. فإن لم يشترط التأجيل جاز العقد وكان بيعًا،

  43. وإن ذكر التأجيل فسد العقد، لأن الأعيان لا يصح تأجيلها.

  44. فأما الكفالة: فالمضمون الإحضار وذلك يجري مجرى المنافع، فيصح دخول عليه.

  45. قالوا: كفالة بنفس من عليه حق، فوجب أن تكون باطلة، أصله: إذا كانت ببدن من عليه حد.

  46. قلنا: هذا الأصل غير مسلَّم،

  47. ويجوز الكفالة فيه بالإحضار على ما بينا.

  48. قالوا: عقد على غير شرط فيه تأخير التسليم، فوجب أن لا يصح.

  49. أصله: إذا باع عينًا وشرط أن يسلمها في وقت مستقبل.

  50. قلنا: لا نسلم أن العقد وقع على عين، وإنما وقع على منفعة.

  51. وقولهم: - (شرط فيها تأخير التسليم-) لا معنى له، لأنه لو كفل بالنفس على أن يسلمها في الحال لم يصح عندهم،

  52. ولا معنى لذكر شرط التأخير.

  53. ١/٣٠١٩١/٣٠١٩

    ولأن الأعيان إذا شُرِط تأخير تسليمها لم يكن في ذلك فائدة إلا مع موجب العقد فيها، لأن المسلم في الثاني: هو الذي يسلم في الحال، وليس كذلك تسليم المكفول به، لأن التسليم في وقتٍ غيرُ التسليم في غيره، لأنه قد ينتفع بإحضاره في وقت مخصوص بإقامة البينة عليه، فصار ذلك كالأجل في الديون لما كان في ثبوته فائدة صح أن يثبت.

  54. قالوا: كفالة بعين، فلم تصح كالكفالة بالمال الذي في يد الموصي والمضارب، وكما لو تكفل بنفسه، بغير إذنه.

  55. قلنا: قد بينا أن الكفالة ليست بالعين، والوصف غير مسلَّم.

  56. فأما الكفالة بالمال إذا كان أمانة فإنها لا تصح، لأنه غير مضمون على المكفول عنه،

  57. فلا يصح أن يضمنه كفيله، وإنما يجب على المؤتمن دفع يده، والتخلية بين المالك وماله،

  58. فإذا ضمن ضامن هذا المعنى صح، كما أن حضور المدعي معنى يلزمه ويخاصم فيه، فيصح أن يضمن عنه.

  59. فإن قيل: الشاهد يلزمه أن يحضر لأداء الشهادة، ولا يتكفل بحضوره.

  60. قلنا: ما يلزمه عبادة لا يصح أن يخاصم فيها ولا يتكفل بها، كما لا تصح الكفالة بالعبادات،

  61. فأما إذا تكفل بالنفس بغير أمر المكفول عنه فتصح الكفالة عندنا، كما تصح الكفالة بالمال بأمره وبغير أمره.

  62. قالوا: كفالة لا تجب في الذمة، فوجب أن لا تصح، كالكفالة بالأمانات.

  63. قلنا: إذا جاز أن يلزم المدعي عليه مال في ذمته وجاز أن يلزمه حق هو الحضور،

  64. ثم لو جاز أن يضمن أحد الأمرين جاز أن يضمن الآخر.

  65. والمعنى في الأمانات: ما ذكرنا: أن العين غير مضمونة على الأصيل،

  66. ١/٣٠٢٠١/٣٠٢٠

    فلم يضمنها الكفيل، ولهذا جوزنا الكفالة بالأعيان المضمونة،

  67. فأما أن يكفل بتسليم الأمانة فيجوز فيما يلزم الأصيل تسليمها.

  68. فإن قيل: إنما تثبتون كلامكم في هذه المسألة على أن الحضور يستحق على المدعي عليه، ونحن لا نسلم ذلك، لأنه إن كان المدعي صادقا لزم دفع الحق،

  69. وإن كان كاذبا لم يجب عليه الحضور، وكان له دفعه عن نفسه.

  70. قلنا: غلط، لأن المدعي قد يكون صادقًا،

  71. فلا يمكن الخروج من الحق إلا بالحضور، مثل أنَ تدَّعي عليه العُنَّة،

  72. فلا يمكن إيفاء الحق إلا بتأجيل الحاكم. والمدعي عليه القذف إذا كان صادقًا لم يمكنه إيفاء حقه إلا بالحاكم.

  73. ومن يدعي حقًا على الميت ولا يمكن الوصي دفع حقه وإن علم صدقه، لأنه لا يصدق على الصغار، ولابد من الحضور ليحكم الحاكم، فعلم أن التقسيم الذي قسموه ليس بصحيح.

  74. ولأن المدعي إذا كان كاذبًا فإن الحضور فيه حق الله، ولهذا يطالب الحاكم به ويؤدب على الامتناع منه، فيجب عليه الحضور لحق الله تعالى وإن كان يعلم أنه لا حق عليه، كان أن القاذف إذا كان صادقًا يجب عليه الحضور مع مدعي القذف عليه، لأنه تعلق عليه حق الله تعالى وهو الجلد، فلزمه الحضور لأجل ذلك.

  75. قالوا: لو صحت هذه الكفالة لم يبرأ الكفيل منها إلا بالإبراء أو بالأداء، كالكفالة بالديون، فلما سقطت بموت المكفول عنه علم أنها لا تصح.

  76. وربما قالوا: كل عين لم تكن مضمونة مع التلف لم تكن مضمونة مع السلامة، كالوديعة.

  77. قلنا: إذا مات المكفول به فموته يسقط عنه الحضور، وسقوط الحق عن الأصيل يوجب سقوطه عن الكفيل. وبمثله في الكفالة بالمال إذا وهب مولى العبد عبده من غريمه برئِ كفيله، فلم يوجد هناك سقوط الدين عن كفيله.