مسألة ١٠٦١
التجريدالحنفيةالمسائل ٣٥٬٠٥٧ إلى ٣٥٬١١٢
-
١/٤٤٩٢١/٤٤٩٢
نكاح الزاني ابنته من الزنا
-
قال أصحابنا: لا يجوز للزاني أن يتزوج ابنته من الزنا.
-
وقال الشافعي: يجوز أن يتزوجها.
-
وزعم أصحابه: أن بنت الملاعنة يجوز أن يتزوجها على أحد الوجهين.
-
ومن أصحابه من قال: بنته من الزنا تحرم عليه، [لأنه وطئ أمها، كما
-
١/٤٤٩٣١/٤٤٩٣
لا تحرم عليه] بناتها من غيره.
-
وهذا ليس الصحيح؛ وإنما تحرم لأنها جزء منه، ولهذا تحرم على آبائه وأولاده وعلى أخيه،
-
ولو ملكها عتقت عليه، والكلام في هذه المسألة تقدم في بنته من الملاعنة؛ لأنه قول اضطرهم إليه النظر، وارتكبوا منه أمرًا منكرًا، وذلك لأنها ولدت على فراشه فحرمت عليه تحريمًا مؤبدًا قبل اللعان، والتحريم المؤبد لا يزول بعد ثبوته.
-
فإن قيل: إنما حرمت لثبوت [نسبها] ،
-
فإذا لاعنها بطل النسب، فثبت أنها لم تكن محرمة.
-
قلنا: حكم النسب لم يبطل فيها، بدلالة أن غير الملاعنة لو ادعى نسبها لم يثبت،
-
ولو ادعاه الملاعن ثبت لمجرد قوله؛ فدل أن اللعان لم يبين به أن النسب لم يكن وإنما قطع اللعان الأحكام الثابتة من الميراث والنفقة والانتساب.
-
فأما التحريم، فهو حق الله تعالى لا حق للزوج فيه فلا يرتفع.
-
فأما الكلام في ولد الزنا، فالدليل على التحريم قوله تعالى: {حرمت أمهاتكم} . وهذه ابنته في اللغة، الدليل عليه قول سعد بن أبي وقاص لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ابن وليدة زمعة: (هو ابن أخي عهد إلي فيه أخي) وإنما كان من الزنا.
-
ولأن العرب كانت تستلحق بالنكاح والزنا، وكانوا يستنجبون الأولاد إذا لم تنجب ولدًا لرجل أمر امرأته أن تمكن من نفسها رجلًا يعرف بنجابة الولد ليلحق به ولد نجيب.
-
١/٤٤٩٤١/٤٤٩٤
وقالت عائشة: كان نكاح أهل الجاهلية أربعة أنكحة، وذكرت/ منه ٢٤٥/ أالجماعة يجتمعون على امرأة واحدة،
-
فإذا جاءت بولد ألحقته بمن شاءت منهم،
-
وإن كان الاسم يتناولها في اللغة.
-
وإنما الشريعة أسقطت الأحكام الثابتة بينهما على جهة الصلة، فبقي الاسم بحالة فدخلت في الآية.
-
وقولهم: إنها لا تدخل في قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} ولا في الوصية لولده؛ ليس بصحيح؛ لأن الكافرة والمملوكة لا تدخل في هذه الآية،
-
وإن كان الاسم يتناولها باتفاق.
-
ولأنها مخلوقة من مائة في الظاهر، فوجب أن يحرم عليه نكاحها، كولد أمته، [وكما لو] وجد على فراشه امرأة فوطئها فولدت.
-
فإن قيل: لا نسلم أنها مخلوقة من مائه في الظاهر يجوز أن يكون وطئها غيره أو استدخلت الماء.
-
قلنا: إذا وطئها عقيب براءة ورحمها بالولادة وحيضها، وجاءت بولد فيما تأتي به النساء فالظاهر أنه منه. ألا ترى أن بهذا الظاهر إن ولدت أمته من مائه، والظاهر جواز أن يكون وطئها غيره لا يمنع منه، والأحكام يكفي في ثبوتها الظاهر؟.
-
ومن أصحابنا من قال: فرض الكلام في رجل معه امرأة في سفينة في البحر، ليس فيها غيرهما وطئها عقيب ولادتها، ولم يزال في البحر حتى ولدت.
-
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن أحكام الولادة ثابتة بينهما، بدلالة التوارث، والنسب، ووجوب النفقة، وثبوت الولاية، وهذه الأحكام كلها لا تثبت
-
١/٤٤٩٥١/٤٤٩٥
عندنا في الموطوءة على فراشه، وهو يظنها امرأته،
-
ولا في ولد أمته، إذا لم يعترف بنسبه، وإنما تصح هذه المعاوضة إذا قسنا [على] الثابتة النسب،
-
وإذا قسنا على هذا الأصل لم تصح المعاوضة؛ لأن هذه الأحكام يجوز كلها أن تنتفي مع بقاء التحريم، ألا ترى أن ولد الزنا ينتفي نسبه والتحريم بحاله على ما قدمنا، وأمته الكافرة والمملوكة لا توارث بينه وبينها، والمملوكة لا تجب نفقتها عليه ولا يلي عليها، والتحريم ثابت بينه وبينها، فلما أسقطت الشريعة في ولد الزنا الأحكام التي تثبت على طريقة الصلة بقى التحريم الثابت لحق الله تعالى؟
-
كما أن في غير ولد الزنا تسقط هذه الأحكام والتحريم بحاله، ولأنها في حكم الجزء منه، فلم يجز له وطئها كبنت أمته التي وطؤها.
-
فإن قيل: لا نسلم أنها جزء منه.
-
قلنا: إذا اعترف أنها بنته من الزنا، ولم يحرم عليه عندكم نكاحها مع اعترافه بأنها جزء منه.
-
ولأنه أحد الزانيين، فثبت التحريم بينه وبين المولود من الزنا، كالمرأة إذا ولدت ابنًا كان محرمًا عليها.
-
فإن قيل: لما كانت [أحكام الولادة كلها ثابتة بينهما؛ ثبت التحريم.
-
قلنا: قد بينا أن هذه الأحكام]، تنتفي مع بقاء التحريم؛ لأنه لا خلاف بيننا أن من ارتضع من امرأة حرم على زوجها؛ لأن الزوج سبب في نزول اللبن الذي غذي به فكونه سببًا في حدوثه وخلقه أولى أن يتعلق به التحريم.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} .
-
١/٤٤٩٦١/٤٤٩٦
قلنا: هو بعد قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} ، وقد بينا أن هذه ابنته في اللغة.
-
وقد استعمل ذلك في الشرع أيضًا، بدلالة قوله - عليه السلام - في امرأة هلال بن أمية: (إن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك ابن سحماء) .
-
ولا يقال: يجوز أن يكون وطئها بشبهة؛ لأن هذه الآية نزلت لما قذفها هلال به، فقالت: إلا أن يجلد هلال بن أمية، وتبطل شهادته في المسلمين.
-
قالوا: حكم ثبت بينه وبين البنت الثابتة النسب منه؛ فوجب أن لا يثبت بينه وبين المحمول به من الزنا بسبب فعله، أصله: الميراث والنفقة.
-
قلنا: نقول بموجب العلة؛ لأن التحريم لا يثبت عندنا بينهما بسبب فعله، وإنما ثبت؛ لأنها مخلوقة من مائة، وهذا فعل الله تعالى.
-
فإن أسقطوا هذا الوصف انتقضت العلة بمن زنى بأمه فولدت بنتا، والمعنى في الميراث والنفقة: أنه لا يثبت بينه وبين ابنته الكافرة المملوكة، جاز أن يثبت بينه وبين بنته من الزنا.
-
قالوا: تحريم النكاح حكم يتعلق بالولادة، فوجب أن لا يتعلق بماء الزاني، أصله: النفقة والولاية، والميراث، ورد الشهادة، وذوي القصاص، وثبوت النسب.
-
قالوا: ونريد بالولاية التولد من الفاعل.
-
١/٤٤٩٧١/٤٤٩٧
قلنا: التحريم لا يتعلق بماء الزاني متولد الولد من الماء الذي سببه الزنا.
-
فإن أرادوا هذا انتقضت العلة بتحريم الولد على الزانية؛ لأنه حكم يتعلق بالتولد ويتعلق بتولد ولدها من ماء الزاني.
-
وما ذكروه من ذوي القصاص لا نسلمه؛ لأنه يعتق عندنا عليه،
-
وإذا قتله لا يقتص منه ولا تقبل شهادة أحدهما للآخر.
-
وأما النفقة والولاية: فأحكام الميراث سقط في بنته المملوكة مع ثبوت التحريم، والنسب سقط في ولد الملاعنة مع ثبوت التحريم.
-
قالوا: الولادة يتعلق بها التحريم للولد على الوالد وعلى ولده، فلما لم يثبت التحريم في مسألتنا على ولد الزاني وأخته، لم يثبت التحريم في حقه.
-
قلنا: هذا غير مسلم، وكل من يحرم عليه الولد الثابت النسب يحرم عليه هذا الولد.
-
قالوا: لو أرضعت الزانية بلبنها بنتًا؛ لم تحرم على الزاني.
-
قلنا: هذا غير مسلم.
-
قالوا: يجوز للزاني دفع زكاته إليها.
-
قلنا: لا نسلم ذلك،
-
ولا يجوز دفع زكاته إلى ولده من الزنا.