مسألة ٥٩
التجريدالحنفيةالمسائل ٢٬٠١٠ إلى ٢٬٠٤٥
-
١/٣٠٦١/٣٠٦
إذا كان معه في سفر ماء طاهر
-
وماء نجس لم يتحر فيهما
-
قال أصحابنا: إذا كان معه في سفر ماء طاهر وماء نجس لم يتحر فيهما،
-
وإن كان الطاهر في موضعين والنجس في موضع واحد جاز التحري.
-
وقال الشافعي: يتحرى في الجمع.
-
لنا: قوله تعالى {فلم تجدوا ماء فتيمموا} ولم يعتبر الوجود والتحري.
-
وفي مسألتنا: لا يجد الماء إلا بعد التحري، وذلك لا يقتضيه الظاهر، فجاز له التيمم.
-
ولأن الماء النجس لا يجوز استعماله في التطهير بحال، وتأكد الحظر له تأثير في المنع من التحري، كالفروج.
-
وليس في الماء موضع يمنع من التحري إلا عند التساوي.
-
ولأن ما منع التحري في الماء والبول منع في الماء النجس والطاهر، أصله: القدرة على ماء آخر، ولأن حظر استعمال الماء النجس في الطهارة كحظر البول والمائعات الطاهرة،
-
فإذا لم يجز التحري في أحد الموضعين عند المساواة كذلك الآخر. ولأن المحظور ساوى المباح الذي لا يجوز استعماله بحال فيما وقع التحري لأجله، فأشبه إذا كان أحدهما غير النجاسة أو ما الخلاف.
-
ولا معنى لقولهم: إن المساواة إن عنيتم بها عدد الأواني، فالإناء لا
-
١/٣٠٧١/٣٠٧
يوصف بالحظر والإباحة، وإن عنيتم بها الماء، فتساويه غير معتبر عندكم، وذلك أنا نريد بالمساواة الجهات، فجهة المحظور ساوت جهة الإباحة،
-
ولا نعني بذلك الماء ولا الإناء.
-
ولا معنى لقولهم: إن البول نجس الأصل، والتحري يقع فيما كان في الأصل طاهرا فنجُس ليرد إلى حكمه في الأصل؛ لأن ما لا يجوز التحري فيه يستوي فيه التحريم الطارئ عند الاشتباه.
-
ولأن التحري يطلب لتمييز الطاهر من النجس، وظهور البول وغيره من الماء أقرب من ظهور الماء النجس،
-
فإذا كان المقصود تمييز الماء الطاهر كان التحري في الماء والبول أولى؛ لقرب التمييز.
-
احتجوا: بقوله تعالى {فاعتبروا يا أولي الأبصار} ، وهذا لا دلالة فيه؛ لأن الاعتبار عبارة عن النظر في الأحكام والعلوم،
-
فأما تمييز الأشياء بعضها من بعض فلا يتناوله الاسم على الإطلاق،
-
ولو تناولها كان مخصوصا بما ذكرنا.
-
قالوا: كل جنس دخله التحري إذا كان عدد الطاهر أكثر، دخله وإن كان النجس أكثر، كالثياب.
-
قلنا: حكم الثياب مخالف للماء؛ لأن النجاسة قد سومح فيها في الثوب ما لم يسامح في غيره؛ ألا ترى أن الثوب النجس النجس يجوز أن يسقط به الفرض في بدنه إذا ستر عورته عن غيره، والماء النجس لا يجوز استعماله في البدن، وقليل النجاسة في الثوب معفو عنه بالاتفاق.
-
ولم يعف عنه في الماء القليل، وتجوز الصلاة عندنا في الثوب النجس إذا لم يجد غيره.
-
وإذا جفّت نجاسة الثوب ووجب استعمال الثوب الطاهر جاز التحري بكل حال.
-
١/٣٠٨١/٣٠٨
ولما غلظ حكم الماء النجس وخف حكم الطاهر لأنه يجوز تركه مع وجوده إلى بدل عندنا لعذر -والاشتباه عذر- فمتى لم يرجح الطاهر على النجس قوي حكم النجس وضعف الطاهر، فلم يجز التحري،
-
فإذا زادت الآنية الطاهرة قوي المسلمين جازت الصلاة، وعندهم إذا غلب الماء الكثير على النجاسة سقط حكمها،
-
وإن غلبت النجاسة سقط حكم الماء، فلذلك قوي الطاهر، فالغلبة توجب التحري.
-
قالوا: كل ما دخله الاجتهاد والتحري لم يختلف حكمه، بكون المباح أكثر أو المحظور، كالثياب وجهات القبلة وطرق الاجتهاد.
-
وهذا ليس بصحيح؛ لأنا قلنا افتراق حكم الغلبة وغيرها في قياس الثياب والماء.
-
وأما جهات القبلة فليس هناك حظر غالب؛ لأن الصلاة تجوز إلى كل الجهات بحال، فقوي أمر القبلة وضعف المنع فيما سواها، فكذلك تجري،
-
وأما الحوادث فلا يمكن الاجتهاد فيها إلا مع غلبة الاشتباه، ألا ترى أن الجهات فيها تكثر غالبا، فلذلك وجب الاجتهاد بكل حال.
-
ولأن الثياب وجهات القبلة والأحكام لو أسقطنا التحري لسقط الفرض ولم يقم غيره مقامه،
-
ومتى أسقطنا التحري في مسألتنا قام مقام الماء التيمم، فلذلك وجب هناك بكل حال، وافترقت أحواله في مسألتنا.
-
قالوا: التحري يراد لتمييز الطاهر من النجس، وهذا في الاثنين أمكن من الثلاث؛ لأن الاشتباه يقل فيهما، فكان أولى.
-
١/٣٠٩١/٣٠٩
قلنا: هذا غلط؛ لأن عدد الطاهر متى زاد فإصابة الطاهر عند الاشتباه أجران.
-
ألا ترى أن له جهتين والنجس جهة، وإصابة الأكثر أقرب من إصابة الأقل، فلم يصح ما قالوه.