مسألة ١٤٧٤
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٧٬٤٢٢ إلى ٤٧٬٦٠٤
-
١/٦٠٩٣١/٦٠٩٣
مطبوخ نبيذ التمر والزبيب
-
قال أبو حنيفة: المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب والمثلث من عصير العنب حلال وإن اشتد ما لم يسكر،
-
وكذلك نقيع الحنطة والشعير والذرة والأرز والعسل.
-
وقال الشافعي: ما أسكر كثيره فقليله حرام.
-
لنا: قوله تعالى: {وإن لكم في الأنعم لعبرة} إلى قوله: {سكرًا ورزقًا حسنًا} . وقد اختلف في تأويل السكر، فروي عن ابن عباس وابن عمر أنه: الخمر. وقال الشعبي: السكر ما شربت، والرزق الحسن ما أكلت. وقال عمر: السكر نقيع التمر.
-
وحقيقة الاسم أنه الشراب [الذي يسكر] ، لأن السكر مأخوذ من: سكرت الريح إذا سكنت. واختلافهم يدل على أن الاسم يتناول جميع ذلك، وهذه الآية امتنان من الله تعالى علينا وهو لا يمتن إلا بالمباح، فكما أفادت الآية إباحة اللبن كذلك إباحة السكر.
-
فإن قيل: السكر: الطعم. هكذا قال الزجاج، جعلت أعراض السكر سكرًا أي طعمًا.
-
قلنا: هذا مسلم، لكنه مجاز، وحقيقة الاسم ما يقع لشربه السكر، وقد ذكر هذا أهل اللغة ابن دريد وغيره.
-
١/٦٠٩٤١/٦٠٩٤
فإن قيل: هذه الآية نزلت بمكة والخمر يومئذ حلال، وتحريم الخمر نزل بالمدينة فنسخ الآية.
-
قلنا: الآية تتضمن إباحة كل شراب مسكر ثم حرمت الخمر، فنسخ ذلك، وبقي كل شراب ليس بخمر على ما كان عليه، ويدل عليه ما روى عبد الملك ابن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كنا جلوسًا عنده، فأوتي بقدح فقربه إلى فمه ثم رده.
-
فقال له بعض جلسائه: أحرام هو يا رسول الله، قال: (ردوه) . فردوه،
-
ثم دعا بماء فصبه عليه،
-
ثم شرب منه، ثم قال: (انظروا هذه الأشربة إذا اغتلمت عليكم، فاقطعوا شرابها بالماء) .
-
قالوا: قال أحمد: عبد الملك بن نافع لا يعرف.
-
قلنا: عمه [القعقاع بن شور الذهلي] من وجوه أصحاب علي،
-
فإن كان يعني به أنه غير معروف النسب، فقد عرفناه،
-
وإن أراد أنه غير معروف العدالة، فظاهر حال المسلم العدالة، إلا أن يعلم منه ما يقتضي الجرح.
-
فإن قيل: كان حامضًا.
-
قلنا: إنما يقال أعلم في الشدة لا في الحموضة،
-
ومتى خض المشتد الحموضة الذي تبيحه عند مخالفنا صار خلا ولم يستطع أحد أن يشربه.
-
فإن قيل: نبيذ السقاية كان نقيعًا، وذلك محرم عندكم.
-
قلنا: الخبر يقتضي إباحة النقيع، وذلك يدل على إباحة المطبوخ دل الدليل على تحريم أحدهما بقي الآخر. على أن الصحيح عندي أن نقيع الزبيب والتمر حلال عندي كنقيع العسل والحنطة، وإنما اعتبر أبو حنيفة الطبخ احتياطًا لآثار كلها متأولة.
-
ويدل عليه ما روى سفيان عن منصور عن خالد بن سعد عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
-
١/٦٠٩٥١/٦٠٩٥
عطش وهو يطوف بالبيت، فاستسقى، فأتي بنبيذ من السقاية، فشمه فقطب وقال: (علي بذنوب من زمزم) . فصب عليه وشرب.
-
فإن قيل: تفرد بهذا الحديث يحيى بن يمان ولم يتابعه أحد من أصحاب الثوري [عليه، لأن يحيى بن يمان من أصحاب الثوري] وهو آخر من بقي ممن شبه هديه هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
ومتى رجعت إلى الأخبار وجدت أكثرها منفرد به الواحد. على أن ابن شجاع قال: حدثني القاسم- يعني: العبقري- هذا الحديث بحضرة أبي أسامة وسمعت القاسم يذكر أبا أسامة هذا الحديث،
-
ثم لقيت يحيى بن آدم في مجلس أبي أسامة، [....] فقال يحيى: حدثني يحيى بن اليمان عن سفيان وهو غريب. وهاهنا من يرويه عن سفيان. وهذا تصحيح للحديث لأن أبا أسامة لم ينكره. وروى يحيى بن آدم قال: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان عن يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس قال: أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - السقاية، فقال: (اسقوني من هذا) .
-
فقال العباس: ألا نسقيك مما نصنع في البيوت، قال: (لا، ولكن اسقوني مما يشرب الناس) . فأتي بنبيذ في قدح فذاقه فقطب،
-
ثم قال: (هلموا ماء) . فصب عليه مرتين أو ثلاثاً،
-
ثم قال: (إذا صنع لكم هكذا، فاصنعوا به هكذا) .
-
وذكر ابن قتيبة في كتابه في الأشربة عن زيد بن علي أنه شرب وأصحابه هذا شديدًا في وليمة، فقيل له: يا بن بنت رسول الله، حدثنا بحديث سمعته من أبيك عن رسول الله في النبيذ. قال: حدثني أبي عن جدي عن علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
-
١/٦٠٩٦١/٦٠٩٦
(تنزل أمتي على منازل بني إسرائيل حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل، حتى لو أن رجالاً من بني إسرائيل نكحت نساءها في الأسواق كان في أمتي من يفعل ذلك، ألا وإن الله ابتلى بني إسرائيل بنهر طالوت أحل منه الغرفة وحرم منه الري، ألا وإن الله جعل فيكم النبيذ، أحل منه الري، وحرم منه السكر) .
-
قال ابن شجاع: حدثني أبو أسامة عن الجريري عن أبي العلاء- يعني: ابن الشخير- قال: انتهى قول رسول الله في الأشربة إلى أن قال: (لا تشربوا ما يسفه أحلامكم،
-
ولا ما يذهب أموالكم) . وهذا يقتضي إباحة ما لا يسكر. [وأبو العلاء] من وجوه التابعين. وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعامًا، فيأكل من طعامه لا يسأل عنه،
-
فإن سقاه شرابًا فليشرب ولا يسأل عنه،
-
فإن خشي فليكسره بشيء) .
-
ويدل على ذلك إباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - الانتباذ في الظروف بعد نهيه عنه ورخصته فيها كان حظر منها. وروي ذلك من طريق صحيحة لا يتدافعها أهل النقل ولا ينكرونها.
-
وأخرج مسلم حديث سفيان بن عيينة عن سليمان الأحوال عن مجاهد عن أبي عياض عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبيذ في الأوعية قالوا: ليس كل الناس يجدها.
-
فأرخص لهم في الجر غير المزفت.
-
أخرجه البخاري عن علي بن المديني وأبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة.
-
وأخرج البخاري حديث سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الظروف. فشكت إليه
-
١/٦٠٩٧١/٦٠٩٧
الأنصار فقالت: [ليس لنا وعاء] . فقال - صلى الله عليه وسلم -:
-
(فلا إذن) . وأخرج مسلم حديث وكيع بن الجراح عن معرف بن واصل عن محار بن دثار عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكرًا) .
-
وذكر أحمد بن حنبل في كتاب الأشربة عن عبد الرحمن بن صحار عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله إني رجل مسقام، فأذن لي في جريدة أنتبذ فيها. فأذن له فيها. وذكر أحمد حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (نهيتكم عن النبيذ فاشربوا،
-
ولا أحل مسكرًا) . وذكر حديث ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهيتكم عن هذه الظروف، فانتبذوا فيها، واجتنبوا كل مسكر) . وذكر علي بن أبي طالب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (نهيتكم عن هذه الأوعية، فاشربوا، واجتنبوا ما يسكر) .
-
ووجه الدليل من هذه الأخبار: أن النهي لا يجوز أن يتناول الأوعية لمعنى فيها، وإنما نهى عنها، لأنها تحدث الشدة،
-
ثم أباح الانتباذ، فدل أن النسخ يتناول إباحة المشتد، لولا ذلك لم يكن في الأوعية نسخ. ولأنه يستحيل أن يقول الحكم في شرب ما لا إسكار فيه (اجتنبوا
-
١/٦٠٩٨١/٦٠٩٨
المسكر). [وإنما يصح هذا التنابذ .... ضياع منه القليل ...] . يبين ذلك حديث أبي سعيد: (نهيتكم عن النبيذ، فاشربوا،
-
ولا أحل مسكرًا) . معلوم أن النهي كان عن النبيذ المسكر، والإباحة تناولت ما يسكر منه،
-
وأما ما لا يكون منه سكر بوجه،
-
فلا يجوز أن يتناوله الخبر للنسخ.
-
ولا يقال فيه: وأنهاكم عما يسكر.
-
على أنه قد روى سماك بن حرب عن القاسم بن عبد الرحمن [بن عبد الله بن مسعود عن أبيه] عن أبي بردة بن نيار الأنصاري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إني كنت نهيتكم عن الشرب في الأوعية، فاشربوا ما بدا لكم،
-
ولا تسكروا) . وقد قيل: إن هذا اللفظ تفرد به أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي وهو ضعيف. وهذا غلط، لأن معنى الحديث معنى بقية الأخبار، وهو قوله:
-
(ولا احل مسكرًا) . وقوله: (وإياكم وكل مسكر) ؛ لأنه يستحيل أن يقول: اشربوا ما لا يقع فيه سكر بوجه ولا يسكر،
-
ولا تشربوا مسكرًا. وذكر ابن شجاع حديث أبي العالية وغيره عن عبد الله بن المغفل قال: شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نهى عن نبيذ الجر وحين أمر بشربه، فقال: (اجتنبوا المسكر) . قال ابن شجاع: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا ملازم بن عمرو عن سراج بن عقبة عن عمته خالدة أو خلدة بنت طلق عن أبيها قالت: كنا جلوساً عند نبي الله، فجاء صحار بن عبد القيس فقال: يا رسول الله، ما ترى في شراب نصنعه من ثمارنا، فأعرض عنه - صلى الله عليه وسلم - حين سأله ثلاث مرات،
-
ثم قام بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما قضى الصلاة، قال: (من السائل عن المسكر، يا سائل، لا تسكر ولا تسقه أحدًا م المسلمين، والذي نفسي بيده ما شربه رجل قط ابتغاء لذة السكر فيسقيه الله خمرًا يوم القيامة) .
-
ويدل عليه ما روي أن عمر بن
-
١/٦٠٩٩١/٦٠٩٩
الخطاب قال لابن منطور: أهل من شراب،
-
فإن العسل لا تعميم، فقال: ها هنا شراب نصنعه من العنب نطبخه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. فقال: علي به. فأخذه فأدخل يده فيه فإذا هو يتمطط، وقال: ما أشبه بطلاء الإبل [هو رقة] الناس وروى الشعبي عن صابر بن حصين الأسدي قال: دخلت على عمار بن ياسر وهو أمير الكوفة، فرمى إلي كتابًا فقال: هذا كتاب أمير المؤمنين.
-
فقرأته، فإذا فيه: أما بعد،
-
فإن عاطى كذا وكذا بالشام كره للمسلمين ملاحة الماء وغلى عليهم العسل،
-
فإن بعض أهل الأرض وصف لي شرابًا من العنب وهو العصير، فيطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فيذهب، فنذهب أداه وعائلته وصفا صفوه وطيبه،
-
فإذا أتاك كتابي هذا فأشر به وصفه لمن هلك من المسلمين.
-
ثم قال عمل: انطلق بكتابي هذا. وكتب معي إلى صاحب البساتين، فأتيته فإذا هو في ظل دوحة فقرات عليه الكتاب. قال: هذا كله عندنا العصير والعنب والمثلث، وشاريك مقدارًا ينفعك. فجاء بالعصير فصبه في القدر،
-
ثم أوقد عليه فجعلناه في الزقاق، حتى أتينا به عمارًأ، فشرب منه وسقى من حوله. ومدار رزق الجند الطلى في زمن عمر وعثمان وعلي.
-
فإن زعم مخالفنا أنه حرام. خالف الإجماع الظاهر.
-
فإن قال: لا تسكر. كان مكابرًا، لأن الطلى تسكر إسكارًا شديدًا، وإنما تأخذ النار الأجزاء الرقيقة، ويبقى جزء هو العصير. والذي يبين أنه يسكر: أن عبادة بن الصامت قال لعمر: أحللتها والله. فقال عمر: كلا والله، اللهم لا أحل لهم شيئًا حرمت عليهم.
-
ولو كان هذا لا يسكر، لم يشكل على عبادة. وروى حصين عن الشعبي أن عمارًا لما شربه، قال للقوم: هذا شراب لم نكن نشربه حتى أمرنا به أمير المؤمنين. ومعلوم أن عمارًا لا يمتنع من شرب الشراب الحلو الذي لا يسكر حتى يأمره عمر به.
-
فإن قيل: قد روي أن رجالاً من أهل الأرض قالوا لعمر: هل لك أن
-
١/٦١٠٠١/٦١٠٠
نجعل من هذا الشراب شيئا لا يسكر، قال: نعم. فطبخوا له العصير.
-
قلنا: هذا ظن، وقول عمار أعدل من قول أهل الأرض والرجوع إليه أولى، إذ المشاهدة تسقط هذا التأويل. ويدل عليه ما روي في شرب الصحابة للنبيذ، فروي عن عتبة بن فرقد قال: تقدمت عند عمر، فأتي بنبيذ شديد فشرب ثم سقاني، وقال: نأكل هذا اللحم الغليظ ونشرب عليه هذا النبيذ الشديد، فيقطعه في بطوننا.
-
فإن قيل: قد روي عن عتبة بن فرقد قال: نبيذ قد كان يصير خلا. وهذا يدل على أنه حامض.
-
قلنا: قوله: نبيذ شديد. يقتضي أنه لا يسكر.
-
وقوله: قد كان يصير خلا. أي: بلغ إلى غاية أحواله، وقد قارب أنه يصير خلا. وهذا عند مخالفنا لا يجوز شربه، ألا ترى أن النبيذ تطرأ عليه الحموضة،
-
وكذلك على الخمر. ولا يحل الخمر بذلك حتى ينتهي كونه خلا. وروى الأعمش عن إبراهيم عن همام قال: أتي عمر بنبيذ زبيب من نبيذ زبيب الطائف، فلما ذاقه قطب ثم قال: إن لنبيذ الطائف عراما.
-
ثم دعا بماء فصب عليه وشرب،
-
ثم قال: إذا اشتد عليكم، فصبوا عليه الماء واشربوا. وقال عمرو بن ميمون: قال عمر: إنا نشرب من هذا الشراب الشديد لنقطع لحوم الإبل في بطوننا أن يؤذينا،
-
فمن رابه من شرابه شيء فليمزجه بالماء. وذكر إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن أبي رافع قال: قال عمر بن الخطاب: إذا غلبكم النبيذ بالماء، فسجوه بالماء. وذكر عن مخارق عن طارق قال: وفدنا على عمر، فسقاني قدحًا من نبيذ، فقلت: ما أرى شرابك إلا قد أخذ برأسي.
-
قال: ثم في الظل، وأعلم أنك إذا إن قلت جهرًا،
-
١/٦١٠١١/٦١٠١
أقمت عليك الحد. وذكر ابن قتيبة في كتابه عن عطاء بن أبي رباح أن عمر وقف على السقاية، فوضع يده على بطنه وقال: هل من شراب، فإني أجد في بطني زعموا. فأتي بشربة من السقاية فشربها،
-
ثم قال: أخرى. فأتي بها [فلذ بها] ،
-
ثم ناولته فشرب منها،
-
ثم دعا بسجل- وربما قال: بذنوب- فمسح الإناء بالماء حتى فاضت نواحيه،
-
ثم قال: عباد الله، كل شراب استخرج ماؤه بمائه، فهو حرام لا تشربوه، وكل شراب استخرج ماؤه بغير مائه، فهو حل فاشربوه. وعن عمرو ابن ميمون قال: شهدت عمر بن الخطاب حين طعن فحمل إلى منزله فأتاه الطبيب، فقال: أي الشراب أحب إليك، فقال: النبيذ.
-
فدعا بنبيذ فشربه، فخرج من إحدى طعناته. فقالوا: إنما هذا الصديد صديد الدم. فدعا بلبن، فخرج منه، فقال: أوص بما كنت موصيًا، فو الله ما أراك تمشي حتى تلقى الله.
-
فإن قيل: روى ابن شهاب عن السائب بن يزيد أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال: إني وجدت أنفاس عبيد الله بن عمر وريح الشراب. فسأل عمر عنه، فزعم أن طلى، وإني سائل عنه،
-
فإن كان يسكر جلدته. قال:
-
ثم شهدت عمر بعد ذلك يحد خالد بن عبد الله في ريح الشراب الذي وجد منه.
-
قلنا: هذا يدل على أن الطلى يسكر، وقول عمر معناه: إن كان القدر الذي شرب مقدار السكر، جلدته. حتى تتفق الأخبار عنه ولا تختلف.
-
وقد قدمنا حديث ابن عباس: حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب. فأخبر أن المحرم ما سوى الخمر هو السكر، وأنه مخالف لها في التحريم.
-
وفي كتاب أحمد بن همام بن منبه سألف فقال: يا أبا عبد الرحمن، هذا الشراب ما تقول فيه، قال: كل مسكر حرام. قال: قلت:
-
١/٦١٠٢١/٦١٠٢
فإن شربت من الخمر فلم أسكر، قال: [أف أف، وما] بال الخمر وغضب، وقال: أما الخمر فحرام لا سبيل إليه، [وما] سواها من الأشربة فكل مسكر حرام. وهذا يدل على تفريقه بين الخمر وغيرها من الأشربة، كما قال ابن عباس: إن المسكر ما وجد به السكر لا جنسه.
-
وروى عمرو بن الفضل عن علي قال: إن القوم يجلسون على الشراب وهو لهم حلال،
-
فلا يزال حتى يحرم عليهم. وهذا يدل على إباحة شراب يسكر بعضه. وروى مجالد عن الشعبي قال: رزق علي بن أبي طالب طلى عازبًا، فشرب منه رجل فسكر، فجلده. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: شربت عند علي نبيذًا فخرجت من عنده عن المغرب، فأرسل معي قنبرًا مولاه يهديني إلى بيتنا.
-
وقال الشعبي: شهد عندي عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه شرب نبيذًا شديدًا في الجرار الخضر عند البدرية من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار. وروى جوبير عن الضحاك قال: قال عبد الله بن مسعود: قد شهدت تحريم النبيذ كما شهدتم وشهدت تحليله فحفظت ونسيم فهذا يدل على إباحة نبيذ كان محرمًا وعلى أن الإباحة متأخرة.
-
وعن أبي بكرة نحو ذلك. وقال الحسن بن عمر: شربنا عند أبي وائل نبيذًا شديدًا، فقال أبو وائل: شربته عند عبد الله بن مسعود وأبي مسعود الأنصاري في جرار خضر. وروى سعيد بن مسروق عن الشماس قال: قال عبد الله: ما يزال القوم وإن شرابهم لحلال، حتى يصير حرامًا.
-
وهذا أمر مشهور أباحه فقهاء الكوفة، وكان أمرًا ظاهرًا في أصحاب علي وعبد الله. ويدل على ذلك من طريق النظر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الأحكام بحسب الحاجة إليها، ونقل ذلك أيضًا بحسب الحاجة، وحاجة أهل المدينة إلى معرفة تحريم الأنبذة أشد من حاجتهم إلى معرفة تحريم الخمر، لأن عامة شرابهم كان من النخل، والخمر عندهم مسبية من الشام لا يجدها عوامهم. وعند
-
١/٦١٠٣١/٦١٠٣
مخالفنا أن من مراد الله تعالى في تحريم الخمر والنبيذ سواء، فكان يجب أن يكون البيان فيهما على وجه، أو يكون بيان تحريم النبيذ أظهر. فلما وجدنا تحريم الخمر معلومًا من طريق يقع العلم به ويقطع في الشريعة بمعرفته ويكفر جاحده، ولم يوجد مثل ذلك في النبيذ، علمنا أن مراد الله تعالى في حكمها مختلف، وهذا خلاف قولهم.
-
ولأن الأشربة كلها كانت على الإباحة،
-
ثم حرمت الخمر بطريق معلوم، وما سواها إنما يحرم بنقل. وقد اختلف ما نقل في حظرها وإباحتها، حتى قال إبراهيم الحربي: لم يصح في تحريم النبيذ ولا إباحته حديث.
-
وإذا تعارض ذلك، بقيت الإباحة على ما كانت.
-
فإن قيل: من أصلكم أن التعارض إذا حصل، كان ما يوجب الحظر أولى.
-
قلنا: هذا نقوله إذا فقد التاريخ، وفي مسألتنا الإباحة متأخرة، فكانت أولى. ولأن الله تعالى لم يحرم نوعًا من المحرمات إلا أباح ما يسد مسده. ألا ترى أنه حرم لحم الخنزير وأباح أنواعًا من اللحم تغني عنه، وحرم مناكحة ذوات المحارم وأباح الأجنبيات.
-
ووجدنا أن الشراب المطرب مقصود، فلما حرم منه أنواعًا، فالظاهر أنه أباح أنواعًا، وعند مخالفنا أن الله تعالى حرم جميع الأنواع، وهذا خلاف الأصول؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أقر على شرب هذه الأشربة، وهذا معلوم من شريعته، وما ثبت بدليل شرعي مقطوع به لا ينسخ كما لا يوجب العلم.
-
ولأنه نوع متنازع متناول قبل الشرع،
-
فلا يحرم بالشرع جنسه كاللحمان. ولأنه شراب رغب الله فيه في الجنة، فكان من نوعه ما هو مباح كاللبن والعسل.
-
احتجوا: بحديث عمر أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام) . وحديث ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كل مسكر حرام) .
-
وكذلك رواه عبد الله بن عمر. وروى أبو موسى الأشعري قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شراب من العسل، فقال: (ذلك البتع) . قلت: وينبذون من الشعير، قال: (ذلك المزر) .
-
ثم قال: (أخبر قومك أن كل مسكر حرام) . وروت أم سلمة قالت: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن
-
١/٦١٠٤١/٦١٠٤
كل مسكر وروى الشافعي بإسناده عن عائشة أن - صلى الله عليه وسلم - سئل عن نبيذ التمر، فقال: (كل شراب أسكر فهو حرام) . وذكر الحميدي في كتابه في الرد على أهل العراق عن مرثد بن عبد الله البوني عن دهم الحميري قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إنا في أرض باردة يعالج بها عملًا شديدًا، وإنا نتخذ شرابًا من هذا القمح فنتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا.
-
فقال: (هل مسكر،) قلت: نعم. قال: فاجتنبوه. قال: قلت: الناس عندنا ذلته. فقال:
-
(وإن لم يتركوه، فاقتلوهم) . وذكر الحميدي حديث جابر بن عبد الله أن نفرًا من أهل اليمن قالوا: يا رسول الله، إن أرضنا أرض باردة، وإنا نعمل بأنفسنا، وليس لنا من يمتهن دون أنفسنا، ولنا شراب نشربه بأرضنا يقال له: المزر،
-
فإذا شربناه [فأعنا على] البرد. فقال لهم: (أمسكر هو؟) قالوا: نعم. فقال - صلى الله عليه وسلم -: (كل مسكر حرام،
-
وإن الله تعالى عهد إلي أن كل من شراب مسكرًا أن يسقيه من الخبال) .
-
والجواب: أن هذه الأخبار آحاد وردت في تحريم ما علمنا إباحته بأخبار الاستفاضة والاتفاق،
-
ولا يجوز ترك ما ثبت بدليل مقطوع به بطريق مظنون. ولأن المسكر ما يحدث السكر منه كما أن المشبع ما يحدث منه الشبع،
-
ولا يقال للقمة إنها مشبعة، بمعنى أن جنسها مشبعة. كذلك البسر من الشراب لا يقال: إنه مسكر، بمعنى أن جنسه يسكر. فدلت الأخبار على تحريم ما يحدث السكر منه، وذلك عندنا حرام. والخلاف فيما لا يتولد منه سكر، وقد دل على هذا ما روي عن ابن عباس أنه قال: إن شربت تسعة أقداح ولم يسكرك، كان حلالًا،
-
فإن شربت العاشر فأسكرك، كان العاشر حرامًا. وروى حماد عن إبراهيم عن علقمة قال: سألت ابن مسعود عن قوله - صلى الله عليه وسلم - في السكر: (هي الشربة الأخيرة) ، وقال إبراهيم: قول الناس: كل
-
١/٦١٠٥١/٦١٠٥
مسكر حرام، إنما هو: كل مسكر حرام. وقال إسماعيل بن عبد الملك: قلت لعطاء: إنا نعمل نبيذًا، فيغدوا أحدنا للحاجة، ويرجع فيتغدى فيشرب منه على غدائه القدح والقدحين ويشرب الكثير فيسكر، فقال: الشربة التي تسكر هي الحرام، قال - صلى الله عليه وسلم -: (كل مسكر حرام) .
-
فإن قيل: إنما يحدث السكر من الشربة الأخيرة تتقدم ما قبلها، فالجميع مسكر.
-
قلنا: إذا شرب القليل فلم يحدث منه سكر،
-
وإن كان يحدث إذا انضم غيره إليه،
-
فلا يقال: إنه مسكر، كما لا يقال لجراحة لم تقتل: إنها قاتلة،
-
وإن علمنا أنها تقتل بانضمام غيرها إليها.
-
فأما إذا وصل الشراب [حتى يسكر] ،
-
فمن أصحابنا من يقول: جميع ما شرب محرم، لأن السكر حدث منه، وإنما يباح بشرط أن يتناول ما لا يبلغ السكر.
-
ومن أصحابنا من قال: إذا شرب هو ولا يقصد السكر، ودام حتى سكر، فالحرام الجزء الأخير.
-
وإن كان السكر حصل بشربه وبتقدم الجزء الأول، كما لو حمل السفينة مقدار ما تحمله،
-
ثم جاء غيره فزاد على حملها فغرقت، وجب الضمان على واضع الجزء الأخير،
-
وإن كان الغرق حصل بنقله ونقل ما تقدم عليه. فهذه طريقة في تأويل الخبر يشهد لها ما رويناه عن الصحابة.
-
وجواب آخر: وهو أن الله تعالى حرم الخمر بنص القرآن، وحرم النبي - صلى الله عليه وسلم - كل شراب شديد بنهيه عن الانتباذ في الظروف، وجعل ذلك حسمًا لمادة تحريمها وقطعًا للعادة في شربها.
-
ثم لما استقر التحريم، أباح الانتباذ في الظروف. وروي ذلك من طرق صحيحة مشهورة ذكرها البخاري ومسلم وأحمد [في كتابه عن علي وابن مسعود وعن ابن زيد عن أبيه وعن جابر. وأخرجه البخاري عن جابر. وذكر
-
١/٦١٠٦١/٦١٠٦
أحمد] عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن مغفل وأبي سعيد. وقد روى ذلك عن جماعة غيرهم أخرجهما أصحاب الحديث القائلون بالتحريم والغالون فيه [لو صرحها] .
-
ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يحرم ما لا شدة فيه قط، ولابد أن تتناول الإباحة ما يتناوله التحريم حتى يصح النسخ، وهذا يفسد إباحة طارئة. ولهذا قال ابن مسعود: شهدنا تحريم النبيذ كما شهدتم، وشهدنا تحليله، فحفظنا ونسيتم.
-
قال عبد الله بن المغفل: شهدت النبي - صلى الله عليه وسلم - حين نهى عن نبيذ الجر، وشهدته حين أمر بشربه، وقال: (اجتنبوا السكر) . والأخبار التي احتج بها مخالفنا ولو سلمنا تناولها للجنسي، احتمل أن يكون زوالها قبل الإباحة،
-
فلا يصح التعلق بما لا ينقل تاريخ ولا سبيل إلى ذلك. وقد روى قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي قال: جلسنا عند نبي الله فجاءه وفد عبد القيس بن طلق عن أبيه طلق ب علي قال: جلسنا عند نبي الله فجاءه وفد عبد القيس وقال: (ما لكم قد اصفرت ألوانكم وعظمت بطونكم؟)
-
فقالوا: أتاك سيدنا فسألك عن شراب كان لنا موافقًا، فنهيته عنه، وكنا بأرض وخمة. قال: (فاشربوا ما طاب لكم) .
-
احتجوا: بطريق أخرى قالوا: روى جابر بن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) . وروت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ما أسكر الفرق، فملء الكف منه حرام) .
-
وهذه طريقة أخرى نتكلم عليها فنقول: أما حديث جابر ويرويه داود ابن بكر بن أبي الفرات عن محمد المنكدر عن جابر. وقال أصحاب بالحديث: أصل ما رواه [أبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة] في كتابه في الأشربة
-
١/٦١٠٧١/٦١٠٧
قال: حدثنا أحمد بن عيسى المصري قال: حدثنا [ابن وهب قال: حدثنا] عبد الجبار بن عمر أن محمد بن المنكدر حدث عن جابر قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطيبًا فقال: (كل مسكر حرام) .
-
فقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: وقال علي بن المديني قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن [عمارة بن غزية] عن أبي الزبير عن جابر قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كل مسكر حرام) .
-
وأما راوي خبرهم داود بن بكر بن أبي الفران المدني مولى أشجع لم يخرج عنه مسلم ولا البخاري شيئًا ولا أخرج هذا الحديث أبو عبد الرحمن النسائي.
-
قال الطحاوي: داود بن بكر [هذا لا يعرف] .
-
فأما حديث عائشة فروى أبو عثمان عمرو بن سالم الأنصاري قال: سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها سمعته يقول: (كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام) .
-
وقال: (فالحسوة منه حرام) .
-
١/٦١٠٨١/٦١٠٨
فقال أصحاب الحديث: أصله ما روى مالك وسفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (كل شراب أسكر فهو حرام) .
-
قال أبو عبد الرحمن النسائي: حدثنا أبو داود الحراني قال: حدثنا محمد بن سليمان قال: حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر عن القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تنتبذوا في الدباء ولا المزفت ولا النقير، وكل مسكر حرام) .
-
فاما أبو عثمان الأنصاري راوي خبرهم فمتروك عند البخاري ومسلم وأبي عبد الرحمن النسائي. وقال أبو مخلد في كتابه أخبار يحيى بن معين: حدثنا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي قال: سمعت يحيى بن معين يقول: سألني وكيع بن الجراح فقال: أبو عثمان هذا ما هو، قلت: صاحب سنة.
-
قال: ما أراه إلا صاحب بدعة. قال جعفر الطيالسي: يعني حديث أبي عثمان الذي يرويه عن عائشة.
-
فإن قيل: روى محمد بن بكار عن محمد بن طلحة عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عائشة قالت: ما أسكر الفرق، فالحشوة منه حرام.
-
قال محمد بن بكار: وحدثني أبو معشر عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك.
-
قلنا: أصل حديث ابن عمر ما رواه محمد بن عثمان عن أبيه عثمان بن محمد بن أبي شيبة قال: وثنا إسماعيل ابن علية عن ليث بن أبي سليم عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كل مسكر حرام) .
-
وليث بن أبي سليم مجمع على
-
١/٦١٠٩١/٦١٠٩
تصحيفه وترك الاحتجاج به،
-
وكذلك أبو معشر السندي المدني. قال البخاري: عن محمد بن كعب ونافع منكر الحديث. وقال أبو قدامة السرخسي يقول: سمعت ابن مهدي يقول: أبو معشر يعرف وينكر. وقال يحيى بن معين: ما حدث به أبو معشر عن [محمد بن كعب] في التفسير فليس بشيء.
-
فإن قيل: روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (قليل ما أسكر كثيره حرام) .
-
قلنا: أصله ما روى محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا علي بن المديني قال: حدثنا الضحاك بن مخلد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الخمر والميسر والكوبة، وقال: (كل مسكر حرام) .
-
قال ابن أبي شيبة: وحدثنا عبد الله بن عمر بن أبان عن عبد العزيز الدراوردي عن عبيد الله بن عمر العمري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. لم يخرج هذا الحديث أبو داود ولا روى البخاري ولا مسلم عن عمرو بن شعيب شيئًا البتة.
-
فإن قيل: روى ضحاك أبو عثمان الحزامي عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عامر بن سعد بن أبي وقاص [عن أبيه] عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أنهكم عن قليل ما أسكر كثيره.
-
١/٦١١٠١/٦١١٠
قلنا: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه: قال أبو زرعة الرازي: ليس الضحاك بن عثمان بالقوي. قال أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي: [يكتب حديثه] ولا يحتج به. ولم يخرج البخاري عنه شيئًا ولا صح هذا من حديثه عند مسلم ولا أخرجه أبو داود.
-
فهذا كلام أصحاب الحديث على أسانيد هذه الطريقة، مع شدة تعصبهم لهذا الراوي واعترافهم فيه. فعلم أن هذه لم تثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
ولو ثبتت من طريق سالمة، كان جوابنا عنها ما تقدم أنه يجوز أن يكون قالها - صلى الله عليه وسلم - في حالة التحريم ثم تحددت الإباحة، ولم يصح الاحتجاج بها إلا أن ينقل تاريخها،
-
ولا طريق إلى ذلك.
-
وجواب آخر: وهو أن قوله: (ما أسكر كثيره) . والحرام منه القليل وهو الجزء الذي يحدث السكر منه دون غيره،
-
ولو أراد ما قالوا لقال: فهو حرام، [وكل مسكر حرام] . دل على أن التحريم يختص القليل منه، هذا قولنا.
-
قالوا: القدر الذي يخرج الشارب من الوقار والحلم إلى السفه والخفة سكر، وهو مباح عندكم.
-
قلنا: بل محظور، إلا أن أبا حنيفة قال: لا حد فيه. وسقوط الحد يدل على الإباحة.
-
قالوا: ما حرم إذا كان نيئًا، حرم إذا كان مطبوخًا، كلحم الخنزير والميتة والدم.
-
قلنا: هذا قياس باطل بإجماع الصحابة؛ لأن العصير إذا اشتد نيئًا حرم،
-
فإذا طبخ حتى ذهب ثلثاه واشتد لم يحرم، قضى بذلك عمر بن الخطاب وعلي وعمار وعامة الصحابة. وعلله عبادة بعلة مخالفنا فقال: ما أرى النار تحل شيئًا. فأنكر ذلك عمر إنكارًا ظاهرًا، والتعليل المعترض على قول الصحابة لا يلتفت إليه.
-
ولأن الطبخ يقع فيما ذكره بعد تحريمه، فوازنه من مسألتنا أن يشتد الشراب ثم يطبخ فلا يحل.
-
١/٦١١١١/٦١١١
قالوا: قال المزني: إذا تساوت الأشربة قبل حدوث الشدة في الإباحة وتساوت بعد زوال الشدة ولم تختلف أنواعها، كذلك عند حدوث الشدة يجب أن تتساوى في التحريم ولا تختلف باختلاف أنواعها.
-
قلنا: السباع والإبل تساووا في الطهارة حال حياتها عند مخالفنا وفي تحريم تناول لحمها، وتساووا بعد الموت في النجاسة والتحريم إذا ذكيت حلت الإبل وطهرت ونجست السباع عندهم ولم يحل لحمها، لأن الشرع اقتضى هذا التفريق، وحرم الله تعالى [السا في الما] الأثمان وجوز القرض وصفته صفة الصرف وإنما يتغير الحكم باللفظ،
-
فلا يمتنع أن يختلف التحريم في هذه الأعيان بالاسم.
-
قال بعض من تكلم في هذه المسألة: روى أبو مالك الأشعري أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) . قال هذا المحتج: هؤلاء أصحاب أبي حنيفة، شربوا الخمر وسموها بغير اسمها.
-
وهذا كلام من ظن خصومه لا يرتضون بالشغب عوضًا عن الحجج،
-
ولا يسمعون إلى فضول الكلام،
-
ويجوز [العوام وليته كان] الأمر على ما ظنه في هذا، فلم أمن أحداث الطائفة وبأسها.
-
ومن إذا سلك المنهج أعجزه إدراكه، وما هذا إقدام من يعلم أن القول في تحريم الحلال كالخطل في إباحة الحرام.
-
ثم نقول له: أنت رميت أصحاب أبي حنيفة بهذا الكلام والسلف الصالح أردت أنهم لم يبتدعوا في هذا مذهبًا ولا خرجوا قولًا، بل قالوا [بما قال به] أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ووجوه التابعين وزهادهم، فظن هذا القائل لعمر وعلي وابن مسعود وعمار بن ياسر وعلقمة والأسود وإبراهيم - رضي الله عنه - أنهم شربوا الخمر غلطًا في اسمها، حتى إذا استدركه عليهم العلم بالعربية وحقيقة [الاسم والحكم] ، وأصحاب وغلطوا ويحسن ظنًا بنفسه وسيء الظن ساعة، إن جرأة
-
١/٦١١٢١/٦١١٢
في الدين، وسوء عادة في العدول عن الحجة إلى السب. سمعت جدي يقول: سأل رجل إبراهيم الحربي في حلقته بجامع المنصور فقال: لنا إمام يشرب النبيذ، فنصلي خلفه، فقال له إبراهيم: أرأيت لو أدركت علقمة والأسود، أكنت تصلي خلفهما؟ قال: نعم.
-
ولم يفهم السائل الجواب. فأعاد السؤال، فقال إبراهيم: قد أجبتك. وهذا كلام رجل يحالف أدبه العلم وقيد لسانه الدين بحرسه من الفجور وحماه من السوق. وهذه الحكاية لولا قبح مخرجها، لم أتشاغل بذكرها والكلام عليها.