مسألة ١١٨٤
التجريدالحنفيةالمسائل ٣٩٬٤٢٠ إلى ٣٩٬٥٠٩
-
١/٥٠٦٧١/٥٠٦٧
ظهار الذمي
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : لا يصح ظهار الذمي.
-
وقال الشافعي [رحمه الله] : يصح ظهاره.
-
لنا: أنه لا يصح طلاقه،
-
ولا إيلاؤه. والذي يصح منه الطلاق يصح منه الظهار.
-
١/٥٠٦٨١/٥٠٦٨
قلنا: إنما لا يصح طلاقه؛ لأنه لا يصح ظهاره، وعلة الفرع تبطل؛ لأنه إزالة ملك، والكافر في إزالة الملك كالمسلم، والظهار تحريم بالقول يفضي إلى الكفارة،
-
فلا يصح من الذمي.
-
أصله: قوله: أنت عليَّ حرام، ولأنه عقد إذا صح كان سببًا في وجوب الكفارة،
-
فلا يصح من الذمي كالإحرام، ولأنه سبب في وجوب كفارة مرتبة من أنواع ثلاثة،
-
فإذا وجد من الذمي؛ لم يتعلق به حكم، كالفطر في رمضان،
-
ولا يلزم القتل؛ لأنه سبب في وجوب كفارة من نوعين، والدليل على أن كفارة الظهار لا تلزم منه: أنها عبادة لا تصح منه وأنها عبادة من شرطها النية، أو عبادة تقارنها؛
-
فلا تصح من الذمي كالصلاة والصوم، ولا
-
١/٥٠٦٩١/٥٠٦٩
يلزم الإيمان، لأنه اعتقاد ونية.
-
ولا يقال: من شرطها النية،
-
ولا تقارنها النية، ولأن العتق والإطعام معنى يقع به التكفير،
-
فلا يصح منه كالصوم،
-
فلا يصح من الذمي ككفارة رمضان، ولأن التكفير موضوع للتغطية،
-
فلا يجتمع مع الكفر كالقربة.
-
فإن قيل: لا يمتنع أن تكون الكفارة عبادة في حق المسلمين عقوبة في حق أهل الذمة؛ لأنها لا تجب إلا عن معصية متقدمة [كما أن الحدود وكفارات المسلمين عقوبة للكفار،
-
ولا تجب إلا عن معصية متقدمة] .
-
قلنا: الحدود ليست عبادات على المحدود، وإنما هي عبادة على الإمام، ولهذا فإن الفاعل الملابس للحد مندوب إلى ستر نفسه، والاقتصار على التوبة.
-
فأما في حق المحدود والمسلم: فتارة تكون عقوبة ليس فيها تكفير وهو المحدود والمصر، وتارة تكفيرًا في حق المحدود الثابت، والكافر لا تصح منه التوبة، والحد عقوبة في حقه لا تكفير فيها، كما هي في حق المسلم الذي لم يتب.
-
١/٥٠٧٠١/٥٠٧٠
وإما أن تختلف العبادة، فتكون في حق المسلم عبادة، وفي حق الكافر عقوبة،
-
ولو جاز ذلك لجاز إيجاب الزكوات وصدقة الفطر على الكافر عقوبة وإن كانت في حق المسلم عبادة وقربة.
-
فإن قيل: قد قلتم إن الظاهر إذا ارتد وأعتق عن ظهاره جاز عتقه مع الكفر،
-
وإن كان التفكير لا يصح منه.
-
قلنا: كان شيخنا أبو عبد الله يقول: إنما قالوا إذا أسلم جاز عتقه، وهذا يقتضي وقوع العتق،
-
فأما عن الكفارة فلا.
-
وقال غيره من أصحابنا: يجوز العتق إذا أسلم. وقبل إسلامه تصرف موقوف،
-
وإذا أسلم بعد العتق، حال عقد الفعل عن الكفارة هو مسلم من أهل التكفير،
-
فلا يلزم ذلك على الطريقين.
-
فإن قيل: الكافر على الطريقين،
-
وإن لم يكن من أهل التكفير، فيجوز أن يسلم، فيصير من أهله.
-
قلنا: المعتبر بحكمه في الحال/ ألا ترى أن الصبي يجوز أن يصير من أهل التكفير ثم لا يصح ظهاره، لأنه ليس من أهل التكفير في الحال؟ وإذ ثبت له أنه لا يصح منه التكفير لا يصح منه الظهار كالصبي، ولأن الكفارة موجبة للظهار،
-
١/٥٠٧١١/٥٠٧١
فمن لا يصح منه الموجب لم يصح منه الظهار الموجب، كما أن من لا يصح منه الطلاق لا يصح منه النكاح.
-
ولا يلزم الإيلاء أنه يصح من الذمي،
-
وإن كانت الكفارة لا تصح منه، وذلك لأن الكفارة ليست من موجب الإيلاء. ألا ترى أنها تجب بالحنث، وذلك لأنها لا تزيل الإيلاء، وإنما موجب الإيلاء الطلاق، وذلك يصح من الذمي؟.
-
فإن قيل: كذلك الظهار، لا يوجب الكفارة، وإنما يجب بالعود.
-
قلنا: الظهار هو الموجب، والعود شرط لا يحل الظهار،
-
ولا يخرجه من أن يكون مظاهرًا.
-
ويدل على أن [ظهار المجبوب لها يصح منه؛ لأنه شبه] امرأته بمن يعتقد عدم إباحتها بعقد يقر عليه، فصار كالمسلم إذا قال لامرأته: أنت علي كظهر
-
١/٥٠٧٢١/٥٠٧٢
جاريتي.
-
ولا يقال: المعتبر بما في شريعتنا دون اعتقادهم، لأنه لو كان كذلك لم يجز إقرارهم على مناكحتهم.
-
احتجوا: بقوله تعالى: (والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة) ولم يفصل بين المسلم والكافر.
-
الجواب: أنه تعالى ابتدأ الآية الأولى بخطاب المسلمين، فقال تعالى: (والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون) ، وقال جل اسمه: (ذلكم توعظون به) . وهذا خطاب المواجهة، فالظاهر أنه انصرف إلى من خوطب بالمواجهة في الآية الأولى، وهم المسلمون، ولأن الكافر لا يوعظ على الظهار، وإنما يوعظ على الكفر، فدل ذلك على أن الوعظ للمسلمين،
-
ثم قال تعالى: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) ، والكافر لا يخاطب بالصيام فعلمنا أن الخطاب لمن يصح منه الصوم، وهو المسلم، والقرائن متى انضمت إلى اللفظ العام صار خاصًا، ومنعت من دعوى العموم فيه.
-
ثم قال: (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا) ، فخاطب بالإطعام من لا يستطيع الصوم،
-
ولو تناولته الآية تناولت من لا يكفر بالإطعام إلا
-
١/٥٠٧٣١/٥٠٧٣
بعد العجز عن الصوم.
-
فإن قيل: ليس إذا لم يلزمه الصوم -لأنه لا يصح منه- لم يدخل في الآية، كما أن العبد لا يخاطب بالعتق، وإن دخل فيها.
-
قلنا: الآية لم تتناول العبد عندنا، وإنما ثبت ظهاره بدليل آخر.
-
فإن قيل: قال الله تعالى: (ذلك لتؤمنوا بالله) ،
-
ولا يقال للمؤمن ذلك لتؤمن، فدل أن الآية تناولت الكفار.
-
قلنا: لو كان كما قالوا لكانت الآية خاصة في الكفار دون المسلمين، وهذا لا يقوله أحد. وإنما المراد بقوله: (ذلك لتؤمنوا بالله) أي لتستديموا الإيمان في المستقبل كقوله تعالى: (يأيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله) .
-
فإن قيل: الكافر يصح منه الصوم إذا قدم الإيمان، كما يصح من المحدث الصلاة إذا توضأ.
-
قلنا: لو كان كذلك لكان يجوز الإطعام مع القدرة على الصوم، وهذا خلاف الآية.
-
١/٥٠٧٤١/٥٠٧٤
قالوا: من صح طلاقه صح ظهاره، كالمسلم.
-
قلنا: نجعل المعلول علة؛ فنقول: من صح ظهاره يصح طلاقه،
-
ومتى صار المعلول علة فسدت العلة؛ لأن الحكم والعلة لا يجوز أن يجلب كل واحد منهما الآخر.
-
قال مخالفنا: ليس هذا يقدح في العلل؛ لأن علل الشرع أمارات، فيجوز أن يصير كل واحد من الأمرين أمارة على الآخر، كما أن من علمنا من حاله أنه إذا وهب [لابنه شيئًا وهب] لابنته مثله؛ فمتى علمناه واهبًا لابنه دل ذلك على أنه وهب لابنته.
-
قلنا: هذا خطاب لا يقوله من يعرف موضوع العلل. ألا ترى أنا نعلم أولًا الحكم في الأصل،
-
ثم نعلم العلة في الفرع ثانيًا ثم نعلم الحكم، فما سبق علمنا به في الأصل يتأخر في الفرع، فكيف يكون كل واحد من الأمرين علة الآخر ويسبق علمنا بأحد الأمرين من حيث كان حكمًا، ويتأخر علمنا من حيث كان فرعًا، وهذا تناقض ظاهر.
-
فإن قيل: إذا جعلنا الطلاق علة تعدت،
-
وإذا جعلتم الظهار علة وقعت، والعلة الواقعة ليست علة عندكم.
-
١/٥٠٧٥١/٥٠٧٥
قلنا: بل يتعدى علتنا وتصير دلالة على إبطال قولهم فيمن قال لامرأته: إذا طلقتك فأنت طالق قبل ذلك ثلاثًا فعندهم لا يقع طلاقه، ويصح ظهاره.
-
فإذا قلنا: من صح ظهاره صح طلاقه،
-
ومن يصح ظهاره استفدنا به حكم هذه المسألة.
-
قالوا: لو كان ظهاره لا يصح [ما صح طلاقه] .
-
قلنا: لنا أن من صح ظهاره صح طلاقه،
-
ومن لا يصح ظهاره هل يصح طلاقه أم لا، عكس علينا، ولا يلزمنا.
-
فإن قيل: الطلاق يجوز إن جلب الظهار،
-
ولا يجوز إن جلب الظهار والطلاق، ألا ترى أن الظهار والطلاق كل واحد منهما كان طلاقًا في الجاهلية، فغير الظهار بالشرع، وترك الطلاق بحاله، فهو أسبق، فكيف نحكم بصحته ممن يصح منه الظهار، فتتأخر العلة عن حكمها.
-
قلنا: هذا غير ممتنع في العلل الشرعية، وإنما يمتنع في العقلية.
-
ثم هو غلط؛ إذ لا يمتنع أن يكون في شريعتنا قبل أن يتغير حكم الظهار، كأن يقع الطلاق بلفظ الظهار، فلما تغير حكم الظهار في الشرع، وجعل تحريم لم
-
١/٥٠٧٦١/٥٠٧٦
يف أن يكون علة لوقوع الطلاق كما كان قبل أن يتغير حكمه، والمعنى في المسلم أنه يصح صومه، فيصح ظهاره الموجب للصوم، والكافر لا يصح منه الصوم فلا يصح منه الظهار الموجب للصوم.
-
قالوا: تحريم يختص بقول الزوج، فوجب أن يستوي فيه المسلم والذمي قياسًا على الطلاق.
-
قلنا: الوصف غير مسلم؛ لأن الطلاق لا يختص بقول الزوج، بل يقع بالقول والكتابة، وبقول الوكيل، وإيقاع القاضي للفرقة في العنين عندنا، وفي الإيلاء على أحد قولهم.
-
فإن قيل: تحريم يختص بقول الزوج، وما أقيم مقامه انتقض بالردة؛ فإنها توجب تحريمًا يختص بقول الزوج، أو بما يقوم مقامه، وهو الاعتقاد،
-
ولا يصح من الكافر. والمعنى في الطلاق أنه موضوع لإزالة الملك وإسقاط الحكم، والمسلم والذمي يتساويان في ذلك، والظهار تحريم ثبت لحق الله تعالى، وذلك لا يثبت بقول الكافر، كما لا تحرم عليه المحظورات بالإحرام والأكل في الصوم.
-
قالوا: حكم من أحكام النكاح فيستوي فيه المسلم والكافر كالطلاق.
-
قلنا: لا نسلم أن الكافر والمسلم يتساويان في الإيلاء، لأن المسلم إذا حلف لا يقربها بالحج وبالصلاة كان موليًا، والكافر لا يصير موليًا بذلك، لأن
-
١/٥٠٧٧١/٥٠٧٧
مقتضى الإيلاء وقوع الطلاق، وهما يتساويان فيه، ومقتضى الظهار تحريم يتعلق بقوله، وهذا لا يصح من الكافر، كما لا يحرم عليه محظورات الإحرام بالإحرام.
-
قالوا: الأحكام المختصة بالنكاح خمسة: الظهار، والإيلاء، والطلاق، وعدة الوفاة، والتوارث،
-
ثم ثبت أن المسلم والمشرك في جميع ذلك سواء؛ كذلك في الظهار.
-
قلنا: من الأحكام المختصة بالنكاح: وقوع الفرقة بكلمة الكفر، ووقوع التحريم بالرضاع، وفساد النكاح به، والكافر لا يساوي المسلم في ذلك، لأنهما لا يتساويان في الظهار باتفاق؛ لأن التحريم لا يرتفع بالصوم في حق الكافر، ويرتفع في حق المسلم،
-
ويجوز للكافر أن يطعم مع قدرته على الصوم،
-
ولا يجوز ذلك للمسلم.
-
فأما الطلاق والإيلاء: فقد تكلمنا عليهما،
-
وأما الميراث: فموضوع لنقل الملك، والكافر يساوي المسلم في ذلك، والظهار: تحريم يفضي إلى الكفارة، والكافر يخالف المسلم في ذلك.
-
وأما عدة الوفاة: فلا نسلم لهم مساواة الكافرة للمسلمة فيها، لأن العدة لا تجب على الكافرة عند أبي حنيفة إذا كان زوجها كافرًا، وهي مخالفة للمسلمة في العدة.