مسألة ٤٩٧
التجريدالحنفيةالمسائل ١٥٬٣١٧ إلى ١٥٬٤٠٣
-
١/١٩٧٠١/١٩٧٠
إذا أحرم الصبي أو أحرم عنه وليه
-
قال أصحابنا: إذا أحرم الصبي، أو أحرم عنه وليه: لم يكن ذلك الإحرام فرضًا ولا نفلاً.
-
ثم اختلف أصحابنا/ المتأخرون، فمنهم من قال: لا ينعقد أصلاً، ومنهم من قال: ينعقد، ولكنه لا يكون نفلاً ولا فرضًا بل يكون حج اعتبار، وتمرين، وتعليم.
-
وقال أبو حنيفة: يجتنب ما يجتنب البالغ من المحظورات،
-
فإن فعلها: فلا شيء عليه.
-
وروى ابن شجاع عن أبي مالك، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أنه قال: يجتنب الطيب،
-
ولا يجتنب اللبس [وقد] أبيح لبعض المحرمين.
-
وقال الشافعي: إن لم يكن مميزًا: صح إحرامه بإحرام وليه عنه،
-
وإن كان مميزًا؛ صح إحرامه بإذن وليه،
-
وإن أحرم بغير إذن الولي، ففيه وجهان.
-
والولي الذي يصح بإذنه إحرامه من أولي العصبة إذا كان وصيًّا،
-
وأما الأخ، والعم إذا لم يكونا وصيين، ففيه: وجهان.
-
وأما الإحرام: فالصحيح أنه لا يلبي في الإحرام.
-
١/١٩٧١١/١٩٧١
ومن أصحابنا من قال في مال الصبي: وما أمكنه فعله من المناسك: فعلها بنفسه، وما لم يمكنه: فعله الولي عنه،
-
وإن زوجه وليه: لم ينعقد النكاح،
-
وإن تطيب، أو لبس، أو قبل بشهوة، أو وطئ فيما دون الفرج: ففي وجوب الفدية وجهان.
-
وأما حلق الشعر، وتقليم الأظفار، وقتل الصيد، ففيه الفدية على المذهب الصحيح.
-
ومنهم من قال: فيه قولان،
-
ثم إذا وجبت الفدية نص الشافعي على: أنها تجب على الولي. قالوا: ففيها قول آخر: أن الفدية في مال الصبي،
-
وإذا جامع عامدًا، فقد أفسد الحج. إذا قالوا: إن عمد الصبي عمد، وعليه بدنة.
-
وفي وجوب القضاء بالإفساد قولان، فعلى القول الأول الذي قال: يجب القضاء فهل يصح منه وهو صغير؟ المنصوص: أنه يصح منه،
-
ومن أصحابه من قال: لا يصح منه حتى يبلغ.
-
لنا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم) .
-
فإن قالوا: الخبر يمنع وجوب العبادات عليه، وعندنا الحج له وليس عليه.
-
قلنا: وعندكم إذا دخل فيه، كان عليه المضي في جميع أحكامه، وهذا ينفيه الخبر.
-
ولأن الإحرام سبب يجب الحج به؛
-
فلا ينعقد للصبي وإن أذن وليه فيه، كالنذر.
-
١/١٩٧٢١/١٩٧٢
ولأن النذر تأكد في الإيجاب، بدلالة: أن العبادات تجب على البالغ بنية.
-
واختلفوا في الدخول، فإذا لم يجب بنذر الصبي فلا يجب بدخوله أولى.
-
فإن قيل: الدخول قد يجب بما لا يجب عليه بالنذر، يدل عليه: أن من حج حجة افسلام ونسيها فنذر حجة الإسلام: لم يتعلق بنذره حكم،
-
ولو دخل فيها ينوي حجة الإسلام: وجبت عليه.
-
قلنا: لأن نذر ما أوجبه تعالى [لا يصح، والنذر لا يجب به غير الموجب،
-
وأما الدخول فيصح أن يقع المعنى من غير ما دخل فيه؛ بدلالة: أن] من افتتح الظهر، فأقام الإمام لها، قطع على شفع، وصارت نافلة، ودخل في الفرض.
-
ولأنه غير مكلف؛ فلم يصح عقده الإحرام، كالمجنون.
-
ولأن من لا يلزمه الحج بالنذر لا ينعقد إحرامه، كالمجنون.
-
ولا يلزم المغمى عليه؛ لأن إحرامه لا يتعذر لعقله، وإنما يعقد له.
-
فإن قيل: المعنى في المجنون: أنه لا يجتنب ما يجتنبه المحرم،
-
ولا يقبل قوله في الإذن والهدية.
-
قلنا: لما تبعه فيما يمنع منه المحرم لا نسلمه؛ لأنه إن عدد الإحرام؛ جاز، ويجب.
-
وأما قبول قوله في الهدية فيدل على أن المعنى قول صحيح، وهذا المعنى لا يدل على وجوب الحج بقوله الذي هو النذر، فالأولى أن لا يدل على وجوبه لفعله ونيته حجة الإسلام، أو لا يسقط بمجرد أو بمطلق إحرامه حجة افسلام قبل أدائها،
-
فلا ينعقد إحرامه عن الحج أو بالصبي، كالصبي إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج، وعكسه البالغ الفقير. والدليل عليه: أنه لا يصير محرمًا بإحرام الولي لأن إحرام وليه يتضمن إيجاب الحج عليه، فصار كنذره.
-
ولا يلزم المغمى عليه يهل عنه أصحابه؛ لأنه لا يصير محرمًا بفعلهم، بدلالة أنه لو أفاق، وقال: ما قصدت الحج، أو ما نويت، أو منعت أن يحرم عني
-
١/١٩٧٣١/١٩٧٣
غيري، لم يكن محرمًا.
-
ولأن الصبي لم يوجد منه قصد الحج؛ فلم يصر محرمًا بإحرام غيره، كالبالغ. ولأنه يلي عليه، فلم يصر محرمًا بإحرامه عنه، كالولي إذا أحرم عنه.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء} .
-
قلنا: هذا خطاب المكلفين؛ بدلالة: أنه خيرهم بين المثل والإطعام؛ والصبي لا يدخل في الصوم بالاتفاق.
-
وقال تعالى: {ليذوق وبال أمره} ،
-
{ومن عاد فينتقم الله منه} ، وهذا لا يتناول الصبي.
-
فإن قيل: الآية تناولت العبد وإن كان لا يصح منه المثل والإطعام.
-
قلنا: ما تناولته الآية، وإنما أوجبناه عليه بدليل آخر.
-
احتجوا: بحديث ابن عباس - رضي الله عنه -: (أنه قال: مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإمرأة، وهي في محفتها، فقيل لها: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذت بعضد صبي، فقالت: ألهذا حج؟، قال: نعم، ولك أجر) .
-
وروي: (فرفعت صبيًا من محفتها) .
-
قلنا: عندنا له حج اعتبار وتمرين وتعليم؛ فقد قلنا بظاهر الخبر، والخلاف في حج الفرض والنفل، وليس في الخبر دلالة على ذلك.
-
فإن قيل: هذا لا يخفى حتى تسأل عنه.
-
١/١٩٧٤١/١٩٧٤
قلنا: جواز هذا لا نعلمه إلا من طريق الشرع، فلأنه إلحاق لصبي عارٍ عن التكليف، فلولا الشرع، لم يجب أن نعرضه لذلك. يبين ذلك: أنه أضاف الأجر إليها،
-
ولو كان نفلاً لكان أجره له، وإنما يجوز أن يحصل لغيره على طريق التبع، فلما أضاف الأجر إليها وسكت عن الصبي، دل على ما قلناه.
-
ومن أصحابنا من قال: يحتمل أن يكون هو بلغ أو لم يبلغ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: له حج، فإنه حكم ببلوغه.
-
فإن قيل: في الخبر: (إنها رفعت صبيًّا) .
-
قلنا: إذا أشكلت حاله، فهو صبي حتى يعلم حاله، وقولهم: إنها رفعت بعضده، وهذا لا يكون إلا في الطفل.
-
قلنا: رفعت يدًا منه، كما يقال: رفعت فلانًا إلى الحاكم.
-
ولا يقال: في الخبر: إنها رفعته من محفة لها، ومحفة العرب لا تسع اثنين.
-
قلنا: رفعته من محفتها لا يقتضي: أنها كانت هي في المحفة، فجاز أن يكون هو فيها دونها فرفعته إليه.
-
قالوا: فكيف يشكل في البالغ أنه يجوز حجه؟
-
قلنا: لا يشكل في البالغ، وإنما أشكل الشك في بلوغه.
-
قالوا: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أيما صبي حج
-
١/١٩٧٥١/١٩٧٥
عشر حجج، ثم بلغ، فعليه حجة الإسلام).
-
قلنا: هذا يدل على: أنه يحج، وعندنا: الحج على ثلاثة أضرب: فرض، ونفل، وحج اعتبار وتمرين، فإضافة الحج إليه صحيحة.
-
قالوا: روى ابن عباس رضي الله عنهما (أنه قال: حججنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعنا النساء والصبيان) . وعن السائب بن يزيد (قال: حج بي أبي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن سبع سنين) ، فكان من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
قلنا: الحج بالصبي لا يمنع منه، فليس من فعل ذلك دلالة. وقول ابن عباس: (أحرمنا عن الصبيان) ، ليس معناه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرفه، فأقر عليه، وقد قال: (أحرمنا عن النساء) ، وذلك لا يجوز بالإجماع.
-
قالوا: يجتنب ما يجتنبه المحرم على الإطلاق، فكان محرمًا، كالمغمى عليه إذا أهل عنه.
-
قلنا: لا نسلم، بل إنه يجتنب ما يحظره الإحرام على الإطلاق، ولا
-
١/١٩٧٦١/١٩٧٦
يجتنب المخيط، فلا يجتنب ما يشق عليه اجتنابه.
-
ولأنا قلنا: إنه محرم إلا أنه إحرام لا يلزم المضي فيه، فقد قلنا بموجبها، وأصلهم: المغمى عليه، وهو ممن يلزمه العبادات، فجاز أن يتقدم بفعل غيره إذا انضم إليه قصده ونيته، وهذا لا يوجد في الصبي.
-
ولأن المغمى عليه أنه متفق على وجوب الكفارة عليه بجناياته، قلنا اختلف في وجوب الكفارة على الصبي بجنايته، دل على أنه ليس بمحرم.
-
قالوا: قربة لله! بل لها، فانعقدت للصبي، كالطهارة.
-
قلنا: قد بينا أنه ينعقد، والخلاف فيما بعد الانعقاد؛ لأن الطهارة لا يقال لها: انعقدت؛ لأن العقد يقال فيما يشتمل على جملة تتعلق بعينها في الصحة ببعض، وهذا لا يوجد في الطهارة.
-
ولأن الطهارة لما صحت منه، لم يكن لوليه فيها مدخل، ولما لم يصح دخوله في الإحرام بنفسه دون الولي، دل على: أنها عبادة لا تنعقد له.
-
قالوا: من صحت طهارته، انعقد إحرامه، كالبالغ.
-
قلنا: انعقاد صلاته كانعقاد إحرامه؛ لأن من أصحابنا من يقول: لا ينعقد كل واحد منهما، ومنهم من يقول: ينعقد انعقاد تمرين واعتبار، انعقادًا لا يجب المضي فيه،
-
ولا القضاء بإفساده. والمعنى في البالغ: أنه ممن يلزمه الحج بنذره، فلزمه بعقده، والصبي بخلافه.
-
فإن قيل: إذا قلتم: إحرامه قد انعقد، فكيف لا توجبون الكفارات عليه؟.
-
قلنا: إحرامه قد انعقد على وجه لا يلزمه إتمامه ولا المضي فيه. والكفارات تجب لجبران معنى آخر من العبادة ومن الإحرام/ ومن كان ذلك لا يجب عليه
-
١/١٩٧٧١/١٩٧٧
حكم غير الذي هو في حكمه.
-
فإن قيل: إذا افتتح الصلاة لزمه جبرانها بسجود السهو،
-
وكذلك يجب عليه جبران الإحرام.
-
قلنا: جبران الصلاة من جنسها،
-
ويجوز أن نكلفه أعمال البدن تمرينًا واعتبارًا [وجبران الحج مال، والصبي لا يجوز أن تكلفه حقوق المال تمرينًا واعتبارًا] ، يدل على الفرق بينهما: أن جبران الصلاة عمل بدن، وهو مأمور به، وجبران الحج من [خلل] كان عمل به، والصوم لم يؤمر به، فالمال أولى وأحرى أن لا يؤمر به.